فصل: فإن قيل: فإذا كان في كتب الأناجيل التي عندهم أن المسيح صلب، وأنه بعد الصلب بأيام أتى إليهم وقال: أنا المسيح، ولا يقولون: إن الشيطان تمثل على صورته، فأين الإنجيل الذي قال الله عز وجل فيه: " وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه "

٤ فقرات، ج ١٤ ص ١٠٢

  1. تَنَافُرٌ وَتَبَاغُضٌ وَهَذَا وَهَذَا مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آمِينَ.

    ج ١٤ ص ١٠٢
  2. فَصْلٌ:
  3. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ فِي كُتُبِ الْأَنَاجِيلِ الَّتِي عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَأَنَّهُ بَعْدَ الصَّلْبِ بِأَيَّامِ أَتَى إلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَنَا الْمَسِيحُ - وَلَا يَقُولُونَ: إنَّ الشَّيْطَانَ تَمَثَّلَ عَلَى صُورَتِهِ فَالشَّيْطَانُ لَيْسَ هُوَ لَحْمٌ وَعَظْمٌ - وَهَذِهِ أَثَرُ الْمَسَامِيرِ أَوْ نَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ فَأَيْنَ الْإِنْجِيلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} وَقَالَ قَبْلَ هَذَا: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وَقَدْ

    ج ١٤ ص ١٠٣قَالَ قَبْلَ هَذَا: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} {إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} وَقَالَ أَيْضًا: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} وَقَالَ أَيْضًا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . وَهَذَا أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ - وَهُمْ مَنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ وَمَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - لَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِمَنْ قَدْ تَابَ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} إخْبَارٌ عَنْ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ وَأَنَّ عِنْدَهُمْ التَّوْرَاةَ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} هُوَ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ وَمَنْ لَا يُؤْمَرُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قِيلَ قَبْلَ هَذَا: إنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْعَالِمِ نُسْخَةٌ بِنَفْسِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ بَلْ ذَلِكَ مُبَدَّلٌ؛ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ انْقَطَعَ تَوَاتُرُهَا وَالْإِنْجِيلَ

    ج ١٤ ص ١٠٤إنَّمَا أُخِذَ عَنْ أَرْبَعَةٍ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ بَاطِلٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ذَلِكَ قَلِيلٌ. وَقِيلَ لَمْ يُحَرِّفْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِ الْكُتُبِ وَإِنَّمَا حَرَّفُوا مَعَانِيَهَا بِالتَّأْوِيلِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ قَالَ كُلًّا مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَرْضِ نُسَخًا صَحِيحَةً وَبَقِيَتْ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُسَخًا كَثِيرَةً مُحَرَّفَةً وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ شَيْءٌ مِنْ النُّسَخِ فَقَدْ قَالَ مَا لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُهُ وَمَنْ قَالَ جَمِيعُ النُّسَخِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرِّفَتْ فَقَدْ قَالَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ خَطَأٌ وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَيُخْبِرُ أَنَّ فِيهِمَا حُكْمَهُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خَبَرٌ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جَمِيعَ النُّسَخِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: هُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} وَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الْمَسِيحِ فَأَمَّا حِكَايَتُهُ لِحَالِهِ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ فَهُوَ مِثْلُهَا فِي التَّوْرَاةِ ذَكَرَ وَفَاةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى بَعْدَ تَوَفِّيهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَمِمَّا تَلَقَّوْهُ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى بَلْ هُوَ مِمَّا كَتَبُوهُ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْرِيفِ بِحَالِ تَوَفِّيهِمَا وَهَذَا خَبَرٌ مَحْضٌ مِنْ

  4. الْمَوْجُودِينَ بَعْدَهُمَا عَنْ حَالِهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَلَا هُوَ مِمَّا أَمَرَا بِهِ فِي حَيَاتِهِمَا وَلَا مِمَّا أَخْبَرَا بِهِ النَّاسَ. وَكَذَلِكَ: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} فَإِنَّ إقَامَةَ الْكِتَابِ الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْكِتَابِ مِنْ التَّصْدِيقِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ وَمَا كَتَبَهُ الَّذِينَ نَسَخُوهُ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ الرَّسُولِ وَمِقْدَارُ عُمْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى الرَّسُولِ وَلَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ هَذَا فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ يُصَنِّفُ الشَّخْصُ كِتَابًا فَيَذْكُرُ نَاسِخُهُ فِي آخِرِهِ عُمْرَ الْمُصَنِّفِ وَنَسَبَهُ وَسِنَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَلِهَذَا أَمَرَ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ بِتَجْرِيدِ الْقُرْآنِ وَأَنْ لَا يَكْتُبَ فِي الْمُصْحَفِ غَيْرُ الْقُرْآنِ فَلَا يُكْتَبُ أَسْمَاءُ السُّوَرِ وَلَا التَّخْمِيسُ وَالتَّعْشِيرُ وَلَا آمِينَ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ وَالْمَصَاحِفُ الْقَدِيمَةُ كَتَبَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَفِي الْمَصَاحِفِ مَنْ قَدْ كَتَبَ نَاسِخُهَا أَسْمَاءَ السُّوَرِ وَالتَّخْمِيسَ وَالتَّعْشِيرَ وَالْوَقْفَ وَالِابْتِدَاءَ وَكَتَبَ فِي آخِرِ الْمُصْحَفِ تَصْدِيقَهُ وَدَعَا وَكَتَبَ اسْمَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ

    ج ١٤ ص ١٠٥