النصارى ليسوا متفقين على صلي المسيح

فقرتان، ج ١٤ ص ١٠٦

  1. فَهَكَذَا مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ صَلْبِ الْمَسِيحِ وَتَوَفِّيهِ وَمَجِيئِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَوَارِيِّينَ لَيْسَ هُوَ مِمَّا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا رَآهُ مَنْ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ مَا سُمِعَ مِنْ الْمَسِيحِ الْمُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْحَوَارِيُّونَ قَدْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَأَنَّهُ أَتَاهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَهُمْ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ الْمَسِيحِ الْإِنْجِيلَ وَالدِّينَ فَقَدْ دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ. قِيلَ: الْحَوَارِيُّونَ وَكُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا نَقَلُوهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَوْقُوفٌ عَلَى الْحُجَّةِ إنْ كَانَ حَقًّا قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَا نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يَجِبُ قَبُولُهُ؛ لَا سِيَّمَا الْمُتَوَاتِرُ كَالْقُرْآنِ وَكَثِيرٌ مِنْ السُّنَنِ. وَأَمَّا مَا قَالُوهُ فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَإِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومٌ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ رُدَّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَعُمَرُ قَدْ كَانَ أَوَّلًا أَنْكَرَ مَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي دَفْنِهِ حَتَّى فَصَلَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ وَتَنَازَعُوا فِي تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ وَتَنَازَعُوا فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا قَادِحًا فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالنَّصَارَى لَيْسُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى صَلْبِ الْمَسِيحِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ

    ج ١٤ ص ١٠٧صَلْبَهُ؛ فَإِنَّ الَّذِي صُلِبَ إنَّمَا صَلَبَهُ الْيَهُودُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ حَاضِرًا وَأُولَئِكَ الْيَهُودُ الَّذِينَ صَلَبُوهُ قَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْمَصْلُوبُ بِالْمَسِيحِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ وَلَكِنَّهُمْ كَذَبُوا وَشَبَّهُوا عَلَى النَّاسِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ. وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى خَبَرٌ عَمَّنْ يُصَدِّقُونَهُ بِأَنَّهُ صُلِبَ؛ لَكِنَّ عُمْدَتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَقَالَ: أَنَا الْمَسِيحُ وَذَاكَ شَيْطَانٌ وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ كَثِيرًا مَا تَجِيءُ وَيَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَوْ صَالِحٌ وَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ النَّبِيُّ أَوْ الصَّالِحُ وَيَكُونُ شَيْطَانًا وَفِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلُ حِكَايَةِ الرَّاهِبِ الَّذِي جَاءَهُ جَاءٍ وَقَالَ: أَنَا الْمَسِيحُ جِئْت لِأَهْدِيَك فَعَرَفَ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: أَنْتَ قَدْ بَلَّغْت الرِّسَالَةَ وَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهَا فَإِنْ جِئْت الْيَوْمَ بِشَيْءِ يُخَالِفُ ذَلِكَ لَمْ نَقْبَلْ مِنْك. فَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عِلْمٌ بِأَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} وَأَضَافَ الْخَبَرَ عَنْ قَتْلِهِ إلَى الْيَهُودِ بِقَوْلِهِ: {وَقَوْلِهِمْ إنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} فَإِنَّهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ؛ إذْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ جَوَازَ قَتْلِ الْمَسِيحِ وَمَنْ جَوَّزَ قَتْلَهُ فَهُوَ كَمَنْ قَتَلَهُ فَهُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ كَاذِبُونَ وَهُمْ آثِمُونَ وَإِذَا قَالُوهُ فَخْرًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ الْفَخْرُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ وَحَصَلَ الْوِزْرُ لِاسْتِحْلَالِهِمْ ذَلِكَ وَسَعْيِهِمْ فِيهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ

    ج ١٤ ص ١٠٨صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ} . وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} قِيلَ: هُمْ الْيَهُودُ وَقِيلَ النَّصَارَى وَالْآيَةُ تَعُمُّ الطَّائِفَتَيْنِ وَقَوْلُهُ {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} قِيلَ: مِنْ قَتْلِهِ وَقِيلَ: مِنْهُ أَيْ فِي شَكٍّ مِنْهُ هَلْ صُلِبَ أَمْ لَا كَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَتْ الْيَهُودُ هُوَ سَاحِرٌ وَقَالَتْ النَّصَارَى إنَّهُ إلَهٌ فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى اخْتَلَفُوا هَلْ صُلِبَ أَمْ لَا وَهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الصَّلْبِ فَكَيْفَ فِي الَّذِي جَاءَ بَعْدَ الرَّفْعِ وَقَالَ إنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ؟ . فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْحَوَارِيُّونَ الَّذِينَ أَدْرَكُوهُ قَدْ حَصَلَ هَذَا فِي إيمَانِهِمْ فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَقَوْلُهُ: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} . قِيلَ: ظَنُّ مَنْ ظَنَّ مِنْهُمْ أَنَّهُ صُلِبَ لَا يَقْدَحُ فِي إيمَانِهِ إذَا كَانَ لَمْ يُحَرِّفْ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ. بَلْ هُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَاعْتِقَادُهُ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ صُلِبَ لَا يَقْدَحُ فِي

    ج ١٤ ص ١٠٦
  2. إيمَانِهِ فَإِنَّ هَذَا اعْتِقَادُ مَوْتِهِ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ وَغَايَةُ الصَّلْبِ أَنْ يَكُونَ قَتْلًا لَهُ وَقَتْلُ النَّبِيِّ لَا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِ وَقَدْ قَتَلَ بَنُو إسْرَائِيلَ كَثِيرًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ تَعَالَى {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} . وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ مَنْ اعْتَقَدَ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ الرَّفْعِ وَكَلَّمَهُمْ هُوَ مِثْلُ اعْتِقَادِ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُمْ فِي الْيَقَظَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ؛ بَلْ هَذَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَاتِّبَاعًا لَهُ وَكَانَ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ يَأْتِيهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ لَا يُوجِبُ كُفْرَهُ فَكَذَلِكَ ظَنُّ مَنْ ظَنَّ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَسِيحُ لَا يُوجِبُ خُرُوجَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ وَلَا يَقْدَحُ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ وَعُمَرُ لَمَّا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ ذَهَبَ إلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَمُوتَ أَصْحَابُهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَادِحًا فِي إيمَانِهِ وَإِنَّمَا كَانَ غَلَطًا وَرَجَعَ عَنْهُ.

    ج ١٤ ص ١٠٩