الناس في تحقيق العبادة والتوكل أربعة أصناف
فقرتان، ج ١٤ ص ٣٢٣
- ج ١٤ ص ٣٢٣
وَقَالَ شُعَيْبٌ: {وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا} {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} . فَافْتَرَقَ النَّاسُ هُنَا أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَا يَعْبُدُونَهُ وَلَا يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ. وَصِنْفٌ يَقْصِدُونَ عِبَادَتَهُ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ وَتَرْكِ مَا حَظَرَ لَكِنْ لَمْ يُحَقِّقُوا التَّوَكُّلَ وَالِاسْتِعَانَةَ فَيَعْجِزُونَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَطْلُبُونَهُ وَيَجْزَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَصَائِبِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقَدَرِ وَيَجْعَلُ نَفْسَهُ هُوَ الْمُبْدِعَ لِأَفْعَالِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَسْتَعِينُونَهُ وَلَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ صَلَاحَ قُلُوبِهِمْ وَلَا تَقْوِيمَهَا وَلَا هِدَايَتَهَا. وَهَؤُلَاءِ مَخْذُولُونَ كَمَا هُمْ عِنْدَ الْأُمَّةِ كَذَلِكَ، وَقَوْمٌ يُؤْمِنُونَ بِالْقَدَرِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا؛ لَكِنْ لَمْ تَتَّصِفْ بِهِ قُلُوبُهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا كَمَا اتَّصَفَتْ بِقَصْدِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ؛ فَهُمْ أَيْضًا ضُعَفَاءُ عَاجِزُونَ.
- ج ١٤ ص ٣٢٤
وَصِنْفٌ نَظَرَ إلَى جَانِبِ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ وَالْخَافِضُ وَالرَّافِعُ؛ فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ وَالِافْتِقَارُ إلَيْهِ لِطَلَبِ مَا يُرِيدُونَهُ فَهَؤُلَاءِ يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ نَوْعُ سُلْطَانٍ وَقُدْرَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ وَقَهْرٍ لِعَدُوِّهِ؛ بَلْ قَتْلٍ لَهُ وَنَيْلٍ لِأَغْرَاضِهِ؛ لَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى؛ بَلْ آخِرَتُهُمْ آخِرَةٌ رَدِيَّةٌ. وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْكُفَّارِ وَالظَّلَمَةِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ اللَّهِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ دَخَلُوا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ لَا عِبَادَةَ لَهُمْ وَلَا اسْتِعَانَةَ؛ وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي قَوْمٍ عِنْدَهُمْ تَوَجُّهٌ إلَى اللَّهِ وَتَأَلُّهٌ وَنَوْعٌ مِنْ الْخَشْيَةِ وَالذِّكْرِ وَالزُّهْدِ لَكِنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ التَّوَجُّهُ بِإِرَادَةِ أَحَدِهِمْ وَذَوْقِهِ وَوَجْدِهِ وَمَا يَسْتَحْلِيهِ وَيَسْتَحِبُّهُ لَا بِالْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَهُمْ أَصْنَافٌ: مِنْهُمْ الْمُعْرِضُ عَنْ الْتِزَامِ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ مِنْ كَشْفٍ لَهُ أَوْ تَأْثِيرٍ. وَهَؤُلَاءِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَمُوتُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُومُ بِالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لَكِنْ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ لَا يَلْتَزِمُ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ؛ بَلْ يَسْعَى لِمَا يُحِبُّهُ وَيُرِيدُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ
ج ١٤ ص ٣٢٥مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُعْطِي السُّلْطَانَ وَالْمَالَ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فَقَدْ يُعْطَى أَحَدُ هَؤُلَاءِ تَصَرُّفًا: إمَّا بِقَهْرِ عَدُوِّهِ وَإِمَّا بِنَصْرِ وَلِيِّهِ كَمَا تُعْطَى الْمُلُوكُ. وَقَدْ يُعْطَى نَوْعًا مِنْ الْمُكَاشَفَةِ إمَّا بِإِخْبَارِ بَعْضِ الْجِنِّ لَهُ وَقَدْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَدْ لَا يَعْرِفُ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ: أَنَا آخُذُ مِنْ اللَّهِ وَغَيْرِي يَأْخُذُ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَرَى بِحَالِهِ فِي ذَاكَ وَتَفَرُّدِهِ أَنَّ مَا أُوتِيَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْمُكَاشَفَةِ يَحْصُلُ لَهُ بِغَيْرِ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ؛ لَكِنَّ هَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَبَالٌ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَ مَا لَمْ يُبِحْهُ لَهُ الرَّسُولُ. فَوَلَّى وَعَزَلَ وَأَعْطَى وَمَنَعَ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّسُولِ وَقَتَلَ وَضَرَبَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَأَكْرَمَ وَأَهَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَجَاءَهُ خِطَابٌ فِي بَاطِنِهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الرَّسُولِ كَانَتْ حَالَتُهُ هَذِهِ كُلُّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِي يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ؛ فَيَأْمُرُهُ فَيَتَصَرَّفُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلَعَمْرِي هُوَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ بِوَاسِطَةِ أَمْرِ الشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّحَرَةِ: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ؛ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ أَمْرِ الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ لَهُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.