تفاوت الناس في قربهم من الرسول وبعدهم عنه

فقرتان، ج ١٤ ص ٣٢٦

  1. فَالْحَلَالُ عِنْدَهُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ عَنْ الرَّسُولِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ الْبَاطِنَ وَلَا مَا يَفْعَلُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَهَذَا الضَّرْبُ كَثِيرٌ فِي الْمَشَايِخِ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ وَالْأَحْوَالِ الَّذِينَ ضَعُفَ عِلْمُهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَا يَجِدُهُ أَحَدُهُمْ فِي قَلْبِهِ وَمَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي بَاطِنِهِ سَوَاءٌ وَافَقَ الرَّسُولَ أَوْ خَالَفَهُ. ثُمَّ تَفَاوَتُوا فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ قُرْبِهِمْ مِنْ الرَّسُولِ وَبُعْدِهِمْ مِنْهُ؛ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ بَعُدَ عَنْهُ حَتَّى صَارَ يَرَى أَنَّهُ يُعَاوِنُ الْكُفَّارَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَيَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ وَإِلَى أَشْكَالِهِ وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَى الْعَوَامِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرَّسُولَ كَانَ خَاضِعًا لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَكَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الَّتِي كَثُرَتْ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ.

    ج ١٤ ص ٣٢٦
  2. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَدَّعُونَ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ وَيَقُولُونَ؛ الْحَقِيقَةُ لَوْنٌ وَالشَّرِيعَةُ لَوْنٌ آخَرُ وَيَجْمَعُهُمْ شَيْئَانِ: أَنَّ لَهُمْ تَصَرُّفًا وَكَشْفًا خَارِجًا عَنْ مَا لِلْعَامَّةِ وَأَنَّهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ وَزْنِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَحْكِيمِ الرَّسُولِ فِي ذَلِكَ؛ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ لَهُمْ مُلْكٌ يَسُوسُونَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَكِنَّ الْمُلُوكَ لَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِذَلِكَ وَلَا أَنِّي وَلِيُّ اللَّهِ وَلَا أَنَّ لِي مَادَّةً مِنْ اللَّهِ خَارِجَةً عَنْ الرَّسُولِ وَلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ تُبْعَثْ إلَى مِثْلِي وَإِنَّمَا الْمُلُوكُ يَقْصِدُونَ أَغْرَاضَهُمْ وَلَا يَجْعَلُونَهَا دِينًا. وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ أَغْرَاضَهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ بَلْ وَالْكُفْرِ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ دِينًا يَدِينُ بِهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ إنَّمَا تَحْصُلُ لَهُمْ بِنَوْعِ مِنْ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الزُّهْدَ وَالْعِبَادَةَ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ؛ بَلْ يُشْبِهُهُ حَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ عُبَّادِ الْهِنْدِ وَالنَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ. وَلِهَذَا تَظْهَرُ مُشَابَهَتُهُمْ لِعُبَّادِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى أَنَّ مَنْ رَأَى عُبَّادَ الْهُنُودِ ثُمَّ رَأَى مُوَلَّهِي بَيْتِ الرِّفَاعِيِّ أَنْكَرَ وُجُودَ هَؤُلَاءِ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ: هَؤُلَاءِ مِثْلُ عُبَّادِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْهِنْدِ سَوَاءٌ وَأَرْفَعُ مِنْ

    ج ١٤ ص ٣٢٨هَؤُلَاءِ مَنْ يُشْبِهُ عُبَّادَ النَّصَارَى وَرُهْبَانَهُمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا كَانَ فِيهِمْ دِينٌ مُبْتَدَعٌ مِنْ جِنْسِ دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ظَنُّوا مَا يَظُنُّهُ أُولَئِكَ مِنْ أَنَّ هَذَا دِينٌ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ دِينٌ يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ وَأَنَّ أَهْلَهُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ طَوَائِفِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ يَظُنُّونَ (١) .

    ج ١٤ ص ٣٢٧