القياس في لغة السلف واصطلاح المنطقيين

فقرة واحدة، ج ١٥ ص ٥٤

  1. الْمَثَلُ فِي الْأَصْلِ هُوَ الشَّبِيهُ وَهُوَ نَوْعَانِ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ الْمُعَيَّنَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ شَبَهًا مُعَيَّنًا أَوْ عَامًّا كُلِّيًّا فَإِنَّ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةَ الَّتِي تُعْلَمُ وَتُقَالُ هِيَ مُطَابِقَةٌ مُمَاثِلَةٌ لِكُلِّ مَا يَنْدَرِجُ فِيهَا وَهَذَا يُسَمَّى قِيَاسًا فِي لُغَةِ السَّلَفِ وَاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ وَتَمْثِيلُ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ هُوَ أَيْضًا يُسَمَّى قِيَاسًا فِي لُغَةِ السَّلَفِ وَاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسَ التَّمْثِيلِ. ثُمَّ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْعُلَمَاءِ - كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ - مَنْ ادَّعَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْقِيَاسِ إنَّمَا يُقَالُ عَلَى هَذَا وَمَا يُسَمِّيهِ تَأْلِيفَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ قِيَاسًا فَمَجَازٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُشَبَّهْ فِيهِ شَيْءٌ بِشَيْءِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ الْحُكْمِ تَسَاوِي أَفْرَادِهِ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ زَعَمَ

    ج ١٥ ص ٥٥أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ. وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ اللُّغَةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ أَنَّ كِلَيْهِمَا قِيَاسٌ وَتَمْثِيلٌ وَاعْتِبَارٌ وَهُوَ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا قِيَاسُ التَّكْلِيلِ وَالشُّمُولِ فَلِأَنَّهُ يُقَاسُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ بِذَلِكَ الْمِقْيَاسِ الْعَامِّ الثَّابِتِ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ وَهُوَ الْأَصْلُ كَمَا يُقَاسُ الْوَاحِدُ بِالْأَصْلِ الَّذِي يُشْبِهُهُ فَالْأَصْلُ فِيهِمَا هُوَ الْمَثَلُ وَالْقِيَاسُ هُوَ ضَرْبُ الْمَثَلِ وَأَصْلُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَقْدِيرُهُ فَضَرْبُ الْمِثْلِ لِلشَّيْءِ تَقْدِيرُهُ لَهُ كَمَا أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلُهُ تَقْدِيرُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَمِنْهُ ضَرْبُ الدِّرْهَمِ وَهُوَ تَقْدِيرُهُ وَضَرْبُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَهُوَ تَقْدِيرُهُمَا وَالضَّرِيبَةُ الْمَقْدِرَةُ وَالضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَثَرُ الْمَاشِي بِقَدْرِهِ وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ بِالْعَصَا لِأَنَّهُ تَقْدِيرُ الْأَلَمِ بِالْآلَةِ وَهُوَ جَمْعُهُ وَتَأْلِيفُهُ وَتَقْدِيرُهُ كَمَا أَنَّ الضَّرِيبَةَ هِيَ الْمَالُ الْمَجْمُوعُ وَالضَّرِيبَةُ الْخَلْقُ وَضَرَبَ الدِّرْهَمَ جَمَعَ فِضَّةٍ مُؤَلِّفَةً مُقَدَّرَةً وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ إذَا فَرَضَهُ وَقَدَّرَهُ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ وَالضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ الْحَرَكَاتُ الْمُقَدَّرَةُ الْمَجْمُوعَةُ إلَى غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ وَمِنْهُ تَضْرِيبُ الثَّوْبِ الْمَحْشُوِّ وَهُوَ تَأْلِيفُ خُلَلِهِ طَرَائِقَ طَرَائِقَ. وَلِهَذَا يُسَمُّونَ الصُّورَةَ الْقِيَاسِيَّةَ الضَّرْبَ كَمَا يُقَالُ لِلنَّوْعِ الْوَاحِدِ ضَرْبٌ لِتَأَلُّفِهِ وَاتِّفَاقِهِ وَضَرْبُ الْمَثَلِ لَمَّا كَانَ جَمْعًا بَيْنَ عِلْمَيْنِ يُطْلَبُ مِنْهُمَا عِلْمٌ

    ج ١٥ ص ٥٤