فصل: في أن السيئات منشؤها الظلم والجهل

٣ فقرات، ج ١٥ ص ٢٨٧

  1. وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا: فَالْحَسَنَاتُ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا كُلُّهَا وُجُودِيَّةٌ، نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا أَحَبَّتْهُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِك، وَكَرِهَتْهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ: فَهُوَ الَّذِي حَبَّبَ الْإِيمَانَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ. وَكَرَّهَ إلَيْهِمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.

    ج ١٥ ص ٢٨٧
  2. فَصْلٌ:
  3. وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ: فَمَنْشَؤُهَا الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ. فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَفْعَلُ سَيِّئَةً قَبِيحَةً إلَّا لِعَدِمِ عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا سَيِّئَةً قَبِيحَةً، أَوْ لِهَوَاهُ وَمَيْلِ نَفْسِهِ إلَيْهَا. وَلَا يَتْرُكُ حَسَنَةً وَاجِبَةً إلَّا لِعَدِمِ عِلْمِهِ بِوُجُوبِهَا، أَوْ لِبُغْضِ نَفْسِهِ لَهَا. وَفِي الْحَقِيقَةِ: فَالسَّيِّئَاتُ كُلُّهَا تَرْجِعُ لِلْجَهْلِ. وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عَالِمًا عِلْمًا نَافِعًا بِأَنْ فِعْلَ هَذَا يَضُرُّهُ ضَرَرًا رَاجِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ. فَإِنَّ هَذَا خَاصِّيَّةُ الْعَاقِلِ. وَلِهَذَا إذَا كَانَ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ ضَرَرًا رَاجِحًا، كَالسُّقُوطِ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ، أَوْ فِي نَهَرٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ الْمُرُورِ بِجَنْبِ حَائِطٍ مَائِلٍ، أَوْ دُخُولِ نَارٍ مُتَأَجِّجَةٍ، أَوْ رَمْيِ مَالِهِ فِي الْبَحْرِ وَنَحْوِ ذَلِك،

    ج ١٥ ص ٢٨٨لَمْ يَفْعَلْهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ هَذَا ضَرَرٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ. وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا يَضُرُّهُ - كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّاهِي وَالْغَافِلِ - فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِك. وَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى مَا يَضُرُّهُ - مَعَ عِلْمِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ - فَلِظَنِّهِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ رَاجِحَةٌ. فَإِمَّا أَنْ يَجْزِمَ بِضَرَرِ مَرْجُوحٍ، أَوْ يَظُنَّ أَنَّ الْخَيْرَ رَاجِحٌ. فَلَا بُدَّ مِنْ رُجْحَانِ الْخَيْرِ، إمَّا فِي الظَّنِّ وَإِمَّا فِي الْمَظْنُونِ، كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْبَحْرَ وَيُسَافِرُ الْأَسْفَارَ الْبَعِيدَةَ لِلرِّبْحِ. فَإِنَّهُ لَوْ جَزَمَ بِأَنَّهُ يَغْرَقُ أَوْ يَخْسِرُ لَمَا سَافَرَ، لَكِنَّهُ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ السِّلَامَةُ وَالرِّبْحُ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي هَذَا الظَّنِّ. وَكَذَلِك الذُّنُوبُ: إذَا جَزَمَ السَّارِقُ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ وَيُقْطَعُ، لَمْ يَسْرِقْ. وَكَذَلِك الزَّانِي: إذَا جَزَمَ بِأَنَّهُ يُرْجَمُ، لَمْ يَزْنِ. وَالشَّارِبُ يَخْتَلِفُ حَالُهُ. فَقَدْ يُقَدَّمُ عَلَى جَلْدِ أَرْبَعِينَ وَثَمَانِينَ، وَيُدِيمُ الشُّرْبَ مَعَ ذَلِك. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ: أَنَّ عُقُوبَةَ الشَّارِبِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَنْتَهِي إلَى الْقَتْلِ، إذَا لَمْ يَنْتَهِ إلَّا بِذَلِك. كَمَا جَاءَتْ بِذَلِك الْأَحَادِيثُ. كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَكَذَلِك الْعُقُوبَاتُ، مَتَى جَزَمَ طَالِبُ الذَّنْبِ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ