فصل: في أن الغفلة والشهوة أصل كل شر

٣ فقرات، ج ١٥ ص ٢٨٩

  1. الضَّرَرُ الرَّاجِحُ لَمْ يَفْعَلْهُ. بَلْ إمَّا أَلَا يَكُونَ جَازِمًا بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ جَازِمٍ بِعُقُوبَتِهِ. بَلْ يَرْجُو الْعَفْوَ بِحَسَنَاتِ، أَوْ تَوْبَةٍ، أَوْ بِعَفْوِ اللَّهِ، أَوْ يَغْفُلُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ. وَلَا يَسْتَحْضِرُ تَحْرِيمًا، وَلَا وَعِيدًا فَيَبْقَى غَافِلًا. غَيْرَ مُسْتَحْضِرٍ لِلتَّحْرِيمِ. وَالْغَفْلَةُ مِنْ أَضْدَادِ الْعِلْمِ.

    ج ١٥ ص ٢٨٩
  2. فَصْلٌ:
  3. فَالْغَفْلَةُ وَالشَّهْوَةُ أَصْلُ الشَّرِّ. قَالَ تَعَالَى {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} وَالْهَوَى وَحْدَهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ إلَّا مَعَ الْجَهْلِ. وَإِلَّا فَصَاحِبُ الْهَوَى، إذَا عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ ذَلِك يَضُرُّهُ ضَرَرًا رَاجِحًا: انْصَرَفَتْ نَفْسُهُ عَنْهُ بِالطَّبْعِ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّفْسِ حُبًّا لِمَا يَنْفَعُهَا، وَبُغْضًا لِمَا يَضُرُّهَا. فَلَا تَفْعَلُ مَا تَجْزِمُ بِأَنَّهُ يَضُرُّهَا ضَرَرًا رَاجِحًا. بَلْ مَتَى فَعَلَتْهُ كَانَ لِضَعْفِ الْعَقْلِ. وَلِهَذَا يُوصَفُ هَذَا بِأَنَّهُ عَاقِلٌ، وَذُو نُهًى، وَذُو حِجًا. وَلِهَذَا كَانَ الْبَلَاءُ الْعَظِيمُ مِنْ الشَّيْطَانِ. لَا مِنْ مُجَرَّدِ النَّفْسِ. فَإِنَّ

    ج ١٥ ص ٢٩٠الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لَهَا السَّيِّئَاتِ. وَيَأْمُرُهَا بِهَا، وَيَذْكُرُ لَهَا مَا فِيهَا مِنْ الْمَحَاسِنِ. الَّتِي هِيَ مَنَافِعُ لَا مَضَارَّ. كَمَا فَعَلَ إبْلِيسُ بِآدَمَ وَحَوَّاءَ. فَقَالَ {يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وَقَوْلُهُ {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} هُوَ بِتَوْسِيطِ تَزْيِينِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُؤْمِنِينَ لِلْخَيْرِ. وَتَزْيِينِ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لِلشَّرِّ. قَالَ تَعَالَى {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} فَأَصْلُ مَا يُوقِعُ النَّاسَ فِي السَّيِّئَاتِ: الْجَهْلُ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا تَضُرُّهُمْ ضَرَرًا رَاجِحًا، أَوْ ظَنُّ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ نَفْعًا رَاجِحًا. وَلِهَذَا قَالَ