بيان فساد القول: " هو يرى لا في جهة، فكذلك يراه غيره "

فقرتان، ج ١٧ ص ٨٦

  1. كَمَا يتضام النَّاسُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الْخَفِيِّ كَالْهِلَالِ. وَكَذَلِكَ " تُضَارُّونَ " و " تُضَارُونَ " . فَإِمَّا أَنْ يُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ وَيُقَالَ: " لَا تضامون " أَيْ لَا تَضُمُّكُمْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّضَامَّ انْضِمَامُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ. فَهُوَ " تَفَاعُلٌ " كَالتَّمَاسِّ وَالتَّرَادِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُرْوَى " لَا تضامون " بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ لَا يُضَامُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ " التَّضَامِّ " الَّذِي هُوَ مُضَامَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ هُوَ أَنَّ شَيْئًا آخَرَ لَا يَضُمُّكُمْ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَالُ فِيهِ " لَا تضامون " فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لَا يَضُمُّكُمْ شَيْءٌ " ثُمَّ يُقَالُ: الرَّاءُونَ كُلُّهُمْ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأَرْضِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: " لَا تَضُمُّكُمْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ " وَهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى الْأَرْضِ أَرْضِ الْقِيَامَةِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ جِهَةٌ وَوُجُودُهُمْ نَفْسُهُمْ لَا فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ مُمْتَنِعٌ حِسًّا وَعَقْلًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " هُوَ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ فَكَذَلِكَ يَرَاهُ غَيْرُهُ فَهَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَرَى بَدَنَهُ وَلَا يُمْكِنَ أَنْ يَرَى غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَالِيًا أَوْ سَافِلًا.

    ج ١٧ ص ٨٦
  2. وَقَدْ تُخْرَقُ لَهُ الْعَادَةُ فَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي} وَفِي رِوَايَةٍ {مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي} وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ {إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي} وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ {إنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ} . لَكِنْ هُمْ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُمْ خَلْفَهُ. فَكَيْفَ تُقَاسُ رُؤْيَةُ الرَّائِي لِغَيْرِهِ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِنَفْسِهِ؟ ثُمَّ تَشْبِيهُ رُؤْيَتِهِ هُوَ بِرُؤْيَتِنَا نَحْنُ تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ بَصَرَهُ يُحِيطُ بِمَا رَآهُ بِخِلَافِ أَبْصَارِنَا. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَثْبَتُوا مَا لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَأَحَبُّوا نَصْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَدِيثِ فَجَمَعُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ. فَإِنَّ مَا لَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا يُشَارُ إلَيْهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَى بِالْعَيْنِ لَوْ كَانَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ مُمْكِنًا فَكَيْفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؟ وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ الْبَاطِلِ. وَلِهَذَا فَسَّرُوا " الْإِدْرَاكَ " بِالرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} كَمَا فَسَّرَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ. لَكِنْ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ فَلَا يُرَى بِحَالِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ. وَالْآيَةُ تَنْفِي الْإِدْرَاكَ مُطْلَقًا دُونَ الرُّؤْيَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ كِلَابٍ

    ج ١٧ ص ٨٨وَهَذَا أَصَحُّ. وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ فَيُرَى مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ وَلَا حَصْرٍ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَدْحُ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لِعَظَمَتِهِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْعِبَادِ وَإِنْ رَأَتْهُ وَهُوَ يُدْرِكُ أَبْصَارَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ بِحَضْرَتِهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: " أَلَسْت تَرَى السَّمَاءَ؟ " . قَالَ: " بَلَى " قَالَ: " أَفَكُلَّهَا تَرَى؟ " وَكَذَلِكَ قَالَ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ} وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: عِلْمُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَيْءٍ فَقَالُوا: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومِهِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ نَفْسُ الْعِلْمِ جِنْسٌ يُحِيطُونَ مِنْهُ بِمَا شَاءَ وَسَائِرُهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ. وَقَالَ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وَالرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} وَإِذَا لَمْ يُحِيطُوا بِهَذَا عِلْمًا وَهُوَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِ الرَّبِّ فَأَنْ لَا يُحِيطُوا عِلْمًا بِالْخَالِقِ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ} وَقَالَ: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} - الْآيَةَ فَإِذَا قِيلَ {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} . أَيْ لَا تُحِيطُ بِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ

    ج ١٧ ص ٨٧