فصل: في اختلاف كلام ابن فورك في إثبات الصفات

٥ فقرات، ج ١٧ ص ٨٩

  1. يُوصَفُ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ بِهِ مَعَ إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِزَعْمِهِمْ فِيمَا يَنْقَسِمُ فَيُرَى بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ. فَتَكُونُ هُنَاكَ رُؤْيَةٌ بِلَا إدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ وَعِنْدَهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَى إلَّا رُؤْيَةً وَاحِدَةً مُتَمَاثِلَةً كَمَا يَقُولُونَهُ فِي كَلَامِهِ: إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ. وَفِي الْإِيمَانِ بِهِ. إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ وَالْإِحَاطَةُ الزَّائِدُ عَلَى مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ انْتِفَاؤُهُ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ عِنْدَهُمْ بَلْ لِأَنَّ ذَاتَه لَا تَقْبَلُ ذَاكَ كَمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّهَا لَا تَقْبَلُ الرُّؤْيَةَ. وَأَيْضًا فَهُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا لِلْأَبْصَارِ إدْرَاكًا غَيْرَ الرُّؤْيَةِ. سَوَاءٌ أُثْبِتَتْ الرُّؤْيَةُ أَوْ نُفِيَتْ. فَإِنَّ هَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَيُبْطِلُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ بِإِثْبَاتِ رُؤْيَةٍ بِلَا مُعَايَنَةٍ وَمُوَاجَهَةٍ.

    ج ١٧ ص ٨٩
  2. فَصْلٌ:
  3. هَذَا مَعَ أَنَّ ابْنَ فورك هُوَ مِمَّنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَكَذَلِكَ الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ. مُوَافَقَةً لِأَبِي الْحَسَنِ فَإِنَّ هَذَا قَوْلُهُ وَقَوْلُ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ.

    ج ١٧ ص ٩٠فَقَالَ ابْنُ فورك فِيمَا صَنَّفَ فِي أُصُولِ الدِّينِ: فَإِنْ سَأَلَتْ الْجَهْمِيَّة عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قِيلَ لَهُمْ: قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْآفَاتُ وَالْحَيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مأووفا بِآفَاتِ تَمْنَعُهُ مِنْ إدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصِرَاتِ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا. وَإِنْ سَأَلْت فَقُلْت: " أَيْنَ هُوَ؟ " فَجَوَابُنَا " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " كَمَا أَخْبَرَ فِي التَّنْزِيلِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وَإِشَارَةُ الْمُسْلِمِينَ بِأَيْدِيهِمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي رَفْعِهَا إلَيْهِ. وَأَنَّك لَوْ سَأَلْت صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ فَقُلْت: " أَيْنَ اللَّهُ؟ " لَقَالُوا: " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " وَلَمْ يُنْكِرُوا لَفْظَ السُّؤَالِ بـ " أَيْنَ " . {لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْجَارِيَةَ الَّتِي عُرِضَتْ لِلْعِتْقِ فَقَالَ أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ فِي السَّمَاءِ مُشِيرَةً بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ} وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا مُنْكَرًا لَمْ يَحْكُمْ بِإِيمَانِهَا وَلَأَنْكَرَهُ عَلَيْهَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ لِأَنَّ " فِي " بِمَعْنَى فَوْقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} أَيْ فَوْقَهَا. قَالَ: وَإِنْ سَأَلْت " كَيْفَ هُوَ؟ " قُلْنَا لَهُ: " كَيْفَ " سُؤَالٌ عَنْ صِفَتِهِ. وَهُوَ ذُو الصِّفَاتِ الْعُلَى هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي لَهُ الْعِلْمُ وَالْقَادِرُ

    ج ١٧ ص ٩١الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْحَيُّ الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ. (قُلْت: فَهَذَا الْكَلَامُ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِبَانَةِ " وَلِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ كِلَابٍ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ فورك. لَكِنَّ ابْنَ كِلَابٍ يَقُولُ: إنَّ الْعُلُوَّ وَالْمُبَايَنَةَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَقُولُونَ: كَوْنُهُ فِي السَّمَاءِ صِفَةٌ خَبَرِيَّةٌ كَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَيُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَذَلِكَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ عِنْدَهُمْ. وَالْأَشْعَرِيُّ يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالِاسْتِوَاءُ مُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ. فَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: " هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا " كَمَا يُقَالُ " إنَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا " وَلِمَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ. فَهَذَا الِاسْتِوَاءُ الْخَاصُّ لَيْسَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ الْعَامِّ. وَأَيْنَ لِلسُّلْطَانِ جَعْلُ الِاسْتِوَاءِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ؟ . فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ مُخْتَلِفًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَمَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ غَيْرِهِ. فَأَبُو الْمَعَالِي كَانَ يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ ثُمَّ حَرَّمَهُ وَحَكَى إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَابْنُ عَقِيلٍ لَهُ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ

    ج ١٧ ص ٩٢لِأَبِي حَامِدٍ وَالرَّازِي وَغَيْرِهِمْ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ اخْتِلَافَ كَلَامِ ابْنِ فورك أَنَّهُ فِي مُصَنَّفٍ آخَرَ قَالَ؛ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: " أَيْنَ هُوَ؟ " قِيلَ: لَيْسَ بِذِي كَيْفِيَّةٍ فَنُخْبِرُ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ " كَيْفَ صَنَعَهُ؟ " فَمَنْ صَنَعَهُ أَنَّهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الصَّانِعُ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. فَهُنَا أَبْطَلَ السُّؤَالَ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ وَهُنَاكَ جَوَّزَهُ وَقَالَ؛ الْكَيْفِيَّةُ هِيَ الصِّفَةُ وَهُوَ ذُو الصِّفَاتِ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنْ الْمَاهِيَّةِ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمُصَنَّفِ: وَإِنْ سَأَلَتْ الْجَهْمِيَّة فَقَالَتْ " مَا هُوَ؟ " يُقَالُ لَهُمْ: " مَا " يَكُونُ اسْتِفْهَامًا عَنْ جِنْسٍ أَوْ صِفَةٍ فِي ذَاتِ الْمُسْتَفْهِمِ. فَإِنْ أَرَدْت بِذَلِكَ سُؤَالًا عَنْ صِفَتِهِ فَهُوَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالْعِزَّةُ وَالْعَظَمَةُ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ " حَدِّثُونَا عَنْ الْوَاحِدِ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ مَا هُوَ؟ " قِيلَ: إنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " مَا جِنْسُهُ؟ " . فَلَيْسَ بِذِي جِنْسٍ. وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " مَا هُوَ؟ " أَيْ: أَشِيرُوا إلَيْهِ حَتَّى أُدْرِكَهُ بِحَوَاسِّي فَلَيْسَ بِحَاضِرِ لِلْحَوَاسِّ. وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك: " مَا هُوَ؟ " أَيْ دُلُّونِي عَلَيْهِ بِعَجَائِبِ صَنْعَتِهِ وَآثَارِ حِكْمَتِهِ فَالدِّلَالَةُ عَلَيْهِ قَائِمَةٌ. وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " مَا اسْمُهُ؟ " فَنَقُولُ: هُوَ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْقَادِرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

  4. وَهُوَ فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ أَثْبَتَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَرْشِ. فَقَالَ: فَإِنْ قَالَ " فَحَدِّثُونَا عَنْهُ أَيْنَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ؟ " قِيلَ " أَيْنَ؟ " تَقْتَضِي مَكَانًا وَالْأَمْكِنَةُ مَخْلُوقَاتٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ الْخَلْقِ وَالْأَمَاكِنُ لَا فِي مَكَانٍ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ وَقْتٌ وَلَا زَمَانٌ. فَإِنْ قَالَ: " فَعَلَى مَا هُوَ الْيَوْمَ؟ " قِيلَ لَهُ: مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . وَقَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: " لَمْ يَزَلْ الْبَارِي قَادِرًا عَالِمًا حَيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا؟ " قِيلَ: نَعَمْ. فَإِنْ قَالَ فَلِمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا؟ " قِيلَ لَهُ: إنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " لَمْ يَزَلْ خَالِقًا أَيْ لَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ مَعَهُ فِي قَدَمِهِ فَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْخَلْقِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ. فَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك أَنَّ الْخَالِقَ لَمْ يَزَلْ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَكَذَلِكَ نَقُولُ لِأَنَّ الْخَالِقَ لَمْ يَزَلْ وَالْخَلْقَ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ وَقَدْ كَانَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَهَذَا الْجَوَابُ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ " إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ الْآنَ خَالِقٌ فَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا " ؟ قِيلَ لَهُ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ الْآنَ مُسْتَوٍ عَلَى

    ج ١٧ ص ٩٤عَرْشِهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ. فَكَذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ يُنَاسِبُهُ. فَإِنْ قِيلَ " الِاسْتِوَاءُ مِنْهُ فِعْلٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لَمْ يَزَلْ " قَالَ قِيل: وَالْخَلْقُ مِنْهُ فِعْلٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ لَمْ يَزَلْ. فَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ إلَّا بِبَيَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَقُولُونَ بِقِدَمِ صِفَةِ التَّكْوِينِ وَالْخَلْقِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا. فَأَلْزَمَهُمْ: " أَنَّا نَقُولُ فِي الْخَلْقِ مَا نَقُولُهُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ " . وَهَذَا جَوَابٌ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ عِنْدَهُ أَنَّهُ اسْتَوَى بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَدْ بَحَثَهُ مَعَ السُّلْطَانِ بَلْ هُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ. فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَهَذَا يَقْتَضِي إمْكَانَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ فِي الْأَزَلِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْدُورُ مُمْتَنِعًا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قُدْرَةٌ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا مَعَ امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْدُورُ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنًا؟ بَلْ الْمَقْدُورُ عِنْدَهُ كَانَ مُمْتَنِعًا ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ اقْتَضَى ذَلِكَ.

    ج ١٧ ص ٩٣
  5. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " لِأَنَّ مَعْنَى الْخَلْقِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا؟ " فَيُقَالُ: بَلْ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِعَدَمِ نَفْسِهِ وَمَا ثَمَّ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ. وَإِذَا قِيلَ: " لَمْ يَزَلْ خَالِقًا " فَإِنَّمَا يَقْتَضِي قِدَمَ نَوْعِ الْخَلْقِ و " دَوَامُ خالقيته " لَا يَقْتَضِي قِدَمَ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ مِنْهَا شَيْئًا أَزَلِيًّا. وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ - كَالْفُلْكِ أَوْ مَادَّتِهِ - فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ مَخْلُوقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ وَلَكِنْ إذْ أَوْجَدَهُ الْقَدِيمُ. وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فَعَّالًا خَالِقًا وَدَوَامُ خالقيته مِنْ لَوَازِمَ وُجُودِهِ. فَهَذَا لَيْسَ قَوْلًا بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بَلْ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِحُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَهَذَا مُقْتَضَى سُؤَالِ السَّائِلِ لَهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ: الْعَرْشُ حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ. وَأَمَّا الْخَلْقُ فَالْكَلَامُ فِي نَوْعِهِ وَدَلِيلِهِ عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا قَدْ عُرِفَ ضِعْفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ ابْنُ فورك فِي مُخَاطَبَةِ السُّلْطَانِ قَصَدَ إظْهَارَ مُخَالِفَةِ الكَرَّامِيَة كَمَا قَصَدَ بِنَيْسَابُورَ الْقِيَامَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي اسْتِتَابَتِهِمْ وَكَمَا كَفَّرَهُمْ عِنْدَ

    ج ١٧ ص ٩٦السُّلْطَانِ. وَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازَعِيهِ وَيَعْذُرْهُمْ بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ بَلْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً وَعَادَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا أَوْ كَفَّرَهُ فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ؛ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ. وَمَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ عَذَرُوهُ. وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارِجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ. وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ بِدْعَةَ الْآخَرِينَ وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مُبْتَدِعٌ فَيَرُدُّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ وَبَاطِلًا بِبَاطِلِ. وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ مِنْ مُنَاظَرَاتِهِمْ لَهُ عِنْدَ الْوَزِيرِ مَجْلِسًا بَعْدَ مَجْلِسٍ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ والكَرَّامِيَة يَقُولُونَ حَقًّا وَبَاطِلًا وَسُنَّةً وَبِدْعَةً كَمَا أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ يَقُولُ حَقًّا وَبَاطِلًا مُوَافَقَةً لِأَبِي الْحَسَنِ. وَأَبُو الْحَسَنِ سَلَكَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَالْقَدَرِ مَسْلَكَ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَان - مَسْلَكَ الْمُجْبِرَةِ وَمَسْلَكَ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ. فَهَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ مُجْبِرَةٌ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَدَرِيَّةٌ نَافِيَةٌ. فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ غَايَةُ التَّضَادِّ فِي مَسَائِلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيرِ وَنَحْوِهَا. وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْكَلَامَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ وَيَكْرَهُ الْكَلَامَ بِجَهْلِ وَظُلْمٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ

    ج ١٧ ص ٩٥