نزول الله إلى خلقه لا ينافي علوه
٣ فقرات، ج ١٧ ص ٤٢٤
- ج ١٧ ص ٤٢٤
أَثْبَتَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَثْبَتَهُ وَيَنْفِي مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَمَا نَفَاهُ. وَهُوَ أَنْ يُثْبِتَ النُّزُولَ وَالْإِتْيَانَ وَالْمَجِيءَ؛ وَيَنْفِيَ الْمِثْلَ وَالسَّمِيَّ وَالْكُفُؤَ وَالنِّدَّ. وَبِهَذَا يَحْتَجُّ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى نَفْيِ الْمِثْلِ. يُقَالُ: يَنْزِلُ نُزُولًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ نَزَلَ نُزُولًا لَا يُمَاثِلُ نُزُولَ الْمَخْلُوقِينَ نُزُولًا يَخْتَصُّ بِهِ كَمَا أَنَّهُ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ. وَهُوَ مُنَزَّهٌ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُ كَنُزُولِ الْمَخْلُوقِينَ وَحَرَكَتِهِمْ وَانْتِقَالِهِمْ وَزَوَالِهِمْ مُطْلَقًا لَا نُزُولَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا غَيْرِهِمْ. فَالْمَخْلُوقُ إذَا نَزَلَ مِنْ عُلْوٍ إلَى سُفْلٍ زَالَ وَصْفُهُ بِالْعُلُوِّ وَتَبَدَّلَ إلَى وَصْفِهِ بِالسُّفُولِ وَصَارَ غَيْرُهُ أَعْلَى مِنْهُ. وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَكُونُ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْهُ قَطُّ بَلْ هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَا يَزَالُ هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى مَعَ أَنَّهُ يَقْرُبُ إلَى عِبَادِهِ وَيَدْنُو مِنْهُمْ وَيَنْزِلُ إلَى حَيْثُ شَاءَ وَيَأْتِي كَمَا شَاءَ. وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ. فَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ غَيْرُهُ فَلِعَجْزِ الْمَخْلُوقِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا. كَمَا يَعْجِزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ.
- ج ١٧ ص ٤٢٥
وَلِهَذَا قِيلَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ بِمَ عَرَفْت اللَّهَ؟ قَالَ: " بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ " . وَأَرَادَ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ مَا يَتَنَاقَضُ فِي حَقِّ الْخَلْقِ كَمَا اجْتَمَعَ لَهُ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَالِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْخُبْثِ وَأَنَّهُ عَدْلٌ حَكِيمٌ رَحِيمٌ. وَأَنَّهُ يُمَكِّنُ مَنْ مَكَّنَهُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ الْمَعَاصِي مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِهِمْ وَهُوَ فِي ذَلِكَ حَكِيمٌ عَادِلٌ. فَإِنَّهُ أَعْلَمُ الْأَعْلَمِينَ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَخَيْرُ الْفَاتِحِينَ؛ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ. فَأَنْ لَا يُحِيطُوا عِلْمًا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَقَدْ سَأَلُوا عَنْ الرُّوحِ فَقِيلَ لَهُمْ {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {أَنَّ الْخَضِرَ قَالَ لِمُوسَى لَمَّا نَقَرَ عُصْفُورٌ فِي الْبَحْرِ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ} . فَاَلَّذِي يُنْفَى عَنْهُ وَيُنَزَّهُ عَنْهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاقِضًا لَمَّا عُلِمَ مِنْ صِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ فَهَذَا يُنْفَى عَنْهُ جِنْسُهُ كَمَا قَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} وَقَالَ {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} . فَجِنْسُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالْمَوْتِ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا " إنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ كَمَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ " لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ يُوجِبُ نَقْصًا فِي كَمَالِهِ.
- ج ١٧ ص ٤٢٦
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ يَكُونُ فِي السُّفْلِ لَا فِي الْعُلْوِ وَهُوَ سُفُولٌ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى لَا يَكُونُ قَطُّ إلَّا عَالِيًا وَالسُّفُولُ نَقْصٌ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ " وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ " لَا يَقْتَضِي السُّفُولَ إلَّا عِنْدَ جَاهِلٍ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ فَيَظُنُّ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهَا قَدْ تَكُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ إمَّا بِاللَّيْلِ وَإِمَّا بِالنَّهَارِ. وَهَذَا غَلَطٌ كَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَا فِي السَّمَاءِ مِنْ الْمَشْرِقِ يَكُونُ تَحْتَ مَا فِيهَا مِمَّا فِي الْمَغْرِبِ. فَهَذَا أَيْضًا غَلَطٌ. بَلْ السَّمَاءُ لَا تَكُونُ قَطُّ إلَّا عَالِيَةً عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْفُلْكُ مُسْتَدِيرًا مُحِيطًا بِالْأَرْضِ فَهُوَ الْعَالِي عَلَى الْأَرْضِ عُلُوًّا حَقِيقِيًّا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ فَالْأَلْفَاظُ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي الْإِثْبَاتِ تُثْبِتُ وَاَلَّتِي جَاءَتْ بِالنَّفْيِ تَنْفِي. وَالْأَلْفَاظُ الْمُجْمَلَةُ كَلَفْظِ " الْحَرَكَةِ " و " النُّزُولِ " و " الِانْتِقَالِ " يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِيهَا: إنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُ الْمَخْلُوقَ لَا فِي نُزُولٍ وَلَا فِي حَرَكَةٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا زَوَالٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إثْبَاتُ هَذَا الْجِنْسِ كَلَفْظِ " النُّزُولِ " أَوْ نَفْيُهُ