تنزيه الله عما يناقض صفات كماله

٣ فقرات، ج ١٧ ص ٤٢٧

  1. مُطْلَقًا كَلَفْظِ " النَّوْمِ " و " الْمَوْتِ " فَقَدْ يَسْلُكُ كِلَاهُمَا طَائِفَةٌ تَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ. وَالْمُثْبِتَة يَقُولُونَ: نُثْبِتُ حَرَكَةً أَوْ حَرَكَةً وَانْتِقَالًا أَوْ حَرَكَةً وَزَوَالًا تَلِيقُ بِهِ كَالنُّزُولِ وَالْإِتْيَانِ اللَّائِقِ بِهِ. والْنُّفَاةِ يَقُولُونَ: بَلْ هَذَا الْجِنْسُ يَجِبُ نَفْيُهُ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي جِنْسَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُتَجَدِّدَةِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْكُلَّابِيَة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَنْفِي فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَلَا يَنْفِي هَذَا الْجِنْسَ مُطْلَقًا بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ لِمَا قَدْ عُلِمَ بِالْآيَاتِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ إذَا اتَّبَعَ رَسُولَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. بَلْ يَنْفِي مَا نَاقَضَ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَيَنْفِي مُمَاثَلَةَ مَخْلُوقٍ لَهُ. فَهَذَانِ هُمَا اللَّذَانِ يَجِبُ نَفْيُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

    ج ١٧ ص ٤٢٧
  2. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْقَائِلُ: اللَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ أَوْ

    ج ١٧ ص ٤٢٨عَلَامَاتِ الْحَدَثِ أَوْ كُلِّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا وَحُدُوثًا فَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْهُ فَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ مَعْلُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الشَّأْنَ فِيمَا تَقُولُ النَّافِيَةُ. إنَّهُ مِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ وَآخَرُونَ يُنَازِعُونَهُمْ. لَا سِيَّمَا وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ قَالَتْ الْجَهْمِيَّة: إنَّ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِهِ. أَوْ قِيَامَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ هُوَ مِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ. وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ بَلْ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ بَلْ مَا ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي حُدُوثَ كُلِّ شَيْءٍ. فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَوْجُودٍ إلَّا وَلَهُ صِفَاتٌ تَقُومُ بِهِ وَتَقُومُ بِهِ أَحْوَالٌ تَحْصُلُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا لِلْحُدُوثِ لَزِمَ حُدُوثُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ قَدِيمٌ. وَهَذَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ أَيْضًا. وَسِمَاتُ الْحَدَثِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ مِثْلُ افْتِقَارٍ إلَى الْغَيْرِ. فَكُلُّ مَا افْتَقَرَ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ الْحَاجَةِ إلَى مَا سِوَاهُ بِكُلِّ وَجْهٍ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَرْشِ أَوْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ. بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَهُوَ الصَّمَدُ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ يَصْمُدُ إلَيْهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}

  3. وَمِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ النَّقَائِصُ كَالْجَهْلِ وَالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ فَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُحْدَثًا لِأَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ مُتَّصِفٌ بِنَقِيضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَصِفَاتُ الْكَمَالِ لَازِمَةٌ لَهُ. وَاللَّازِمُ يَمْتَنِعُ زَوَالُهُ إلَّا بِزَوَالِ الْمَلْزُومِ. وَالذَّاتُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِهَا غَنِيَّةٌ عَمَّا سِوَاهَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهَا الْعَدَمُ وَالْفَنَاءُ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. فَيَسْتَحِيلُ عَدَمُ لَوَازِمِهَا فَيَسْتَحِيلُ اتِّصَافُهَا بِنَقِيضِ تِلْكَ اللَّوَازِمِ. فَلَا يُوصَفُ بِنَقِيضِهَا إلَّا الْمُحْدِثُ فَهِيَ مِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِحُدُوثِ مَا اتَّصَفَ بِهَا. وَهَذَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ " كُلُّ مَا اسْتَلْزَمَ حُدُوثًا أَوْ نَقْصًا فَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْهُ " . وَالنَّقْصُ الْمُنَاقِضُ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُدُوثِ الْمُتَّصِفِ بِهِ وَالْحُدُوثُ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّقْصِ اللَّازِمِ لِلْمَخْلُوقِ. فَإِنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ يَفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهِ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَعْلَمُ إلَّا مَا عَلِمَ وَلَا يَقْدِرُ إلَّا مَا أَقْدَرَ وَهُوَ مُحَاطٌ بِهِ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ النَّقَائِصُ اللَّازِمَةُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ هِيَ مَلْزُومَةٌ لِلْحُدُوثِ حَيْثُ كَانَ حُدُوثٌ كَانَتْ. وَالْحُدُوثُ أَيْضًا مَلْزُومٌ لَهَا فَحَيْثُ كَانَ مُحْدِثٌ كَانَتْ هَذِهِ النَّقَائِصُ. فَقَوْلُنَا " مَا اسْتَلْزَمَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْهُ " حَقٌّ.

    ج ١٧ ص ٤٢٩