فصل: فيما يعلل وفيما لا يعلل

٧٦ فقرة، ج ٢ ص ٦٦

الصفحة ١ من ٢

  1. [اختلف أهل الأصول فيما يعلل وفيما لا يعلل] .

    ج ٢ ص ٦٦
  2. ٨٦٥- من أحاط بما قدمناه من الطرق التي تتضمن إثبات العلل هان عليه مدرك هذا الفصل واطرد له النفى والإثبات على أقرب وجه وتمام الغرض يحصل بهذا النوع من النظر مع الالتفات إلى تقاسيم الأقيسة.

  3. والذي تمس الحاجة إليه الآن النظر في قياس المعنى وقياس الشبه فمهما أراد الناظر وقد ثبت حكم في الشرع أن يتبين أنه معلل بمعنى بحث على المعاني المناسبة فإن وجد في محل الحكم معنى مناسبا للحكم فطرده ولم يبطل ولم يتناقض أصلا عرف كون الحكم معللا.

  4. ومن لطيف الكلام في ذلك أن يتوصل إلى الكلى والجزئي بهذا النوع من النظر ليتبين بما ذكرناه كون الحكم معللا ويتحقق عنده مع ذلك تعيين العلة وإن اعتضد ذلك بإيماء الشارع كان ذلك بالغا أقصى المراد فيه.

  5. ٨٦٦- فإن نظر الناظر ولم يلح له معنى مناسب للحكم مخيل به فيعلم أن الحكم ليس معللا بمعنى ويرتد نظره إلى قياس الشبه وهذا أوسع الأبواب فإنه يجري عند إمكان المعنى وسيثمر أيضا عند عدم المعنى ولا ينحسم قياس الشبه إلا عند إشارات النصوص إلى قطع الأشباه.

  6. وبيان ذلك بالمثال أن قياس الشبه على منهاج ما يسمى في معنى الأصل غير أنه معلوم والشبه يبعد عنه بعض البعد وإن كان على شبه وقد ضرب بعض المحققين لهما مثلين فقال.

  7. الملتحق بالمنصوص لكونه في معناه يضاهي ارتباط العلم بقرائن الأحوال.

  8. وإذا ظهرت مخايل خجل أو وجل وأحاط بهما الناظر تبين من المنظور إليه أمرا وإن كانت تلك الأحوال لا تتحرر عبارة عن اقتضائها العلوم فهذا مثال ما يعلم.

  9. ومثال الشبه المظنون الذي لا يبلغ مبلغ العلم أحوال تدانى ما ذكرناه. ويتطرق إليه الاحتمال: كمثل الذي يرى رجلا قد احمر وجهه وقد أسمعه مسمع شيئا فقد يغلب على الظن غضبه وقد يجوز الناظر أنه فزع بما سمع وإن رأى في نفسه تغيظا وتكرها فهذا مثال الأشباه.

    ج ٢ ص ٦٧
  10. ٨٦٧- وقد ينحسم الشبه وما يقال إنه في معنى الأصل بقضية لفظية أو أمر متعلق بحكاية حال.

  11. وبيان ذلك بالمثال أن سهل١ بن [أبي حثمة] روى القصة المشهورة في حديث حويصة٢ ومحيصة٣ وعبد الله بن سهل٤ وأن عبد الله قتل بخيبر "القصة" ٥ وقد عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمين ابتداء على المدعين ثم اتخذ الشافعي٦ رضي الله عنه هذا الحديث معتمده ورأى البداية بالمدعين في الدماء عند ظهور اللوث ولم يجر في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في ألفاظ الذين رفعوا القصة إلى مجلسة تعرض [للوث] ولا مطمع في استناد اشتراط البداية بالمدعين باللوث إلى معنى صحيح على السبر مستجمع للشرائط المرعية ولكن الشافعي نظر إلى القصة فراها في اللوث وأن الإحن والذحول كانت عتيدة بين اليهود والمسلمين فلم ير البداية بالمدعى منقاسة في الخصومات وعلم أن هذا المقدار من التلويح في الإشعار بظهور صدق المدعين كاف في منع إلحاق القتل [العرى عن اللوث بالواقع منه] على مظنة اللوث.

  12. ومبنى المسألة على الشبه فقطع بتخييل اللوث إلحاق غيره وأوضح بانحسام مسالك الأشباه في محاولة إلحاق غير اللوث باللوث.

  13. فمهما ثبت حكم بنص ولم يكن فيه معنى مناسب وظهر للناظر اختصاصه بحالة تمنع تخيل الإلحاق بالمنصوص علما أو تشبيها ظنيا فلا يتحقق الإلحاق في الشبه ويتعين الاقتصار على مورد النص فليتأمل الناظر ذلك فيما يأتي ويذر.

    ج ٢ ص ٦٨
  14. ٨٦٨- وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أن الذي لا يعلل أصلا هو الذي لا ينقدح فيه معنى مناسب ولا شبه وقد ذكرنا ما يقطع الشبه والمعلل هو الذي ينقدح فيه معنى مخيل أو شبه على شرط السلامة.

  15. مسألة:
  16. ٨٦٩- نقل [أصحاب] المقالات عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يرون إجراء القياس في الحدود والكفارات والتقديرات والرخص وكل معدول به عن القياس وتتبع الشافعي مذاهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشيء من ذلك فنسرد كلام الشافعي على وجهه ثم نعود إلى مراسم الحجاج والخلاف واختيار الحق.

  17. ٨٧٠- قال الشافعي: أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها حتى عديتموها إلى الاستحسان وقد زعمتم في مسألة شهود [الزنا] أن المشهود عليه مرجوم وما يجري الاستحسان فيه فهذا أعوص على مذاهب القائلين به من الأقيسة فلا يمتنع جريان القياس فيه.

  18. ٨٧١- وأما الكفارات فقد قاسوا فيها الافطار بالأكل على الإفطار بالوقاع وقاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً} .

  19. وأما المقدرات فقد قاسوا فيها ومما أفحشوا فيه تقديراتهم بالدلو والبئر من غير ثبت ولا استناد إلى خبر أو أثر.

  20. ٨٧٢- وأما الرخصة فقد قاسوا فيها وتناهوا في العبد فإن الاقتصار على الأحجار في الاستجمار ومن أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة كانت أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النحو وانتهوا في ذلك إلى نفى استعمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهموا هذا التخفيف منه في نجاسة ما يعم به البلوى عملا وعلما وكانوا على تحرزهم في سائر النجاسات على الثياب والأبدان ثم قال الشافعي: من شنيع ما ذكروه في الرخص إثباتهم لها على خلاف وضع الشارع فيها فإنها مبنية تخفيفا وإعانة على ما يعانيه المرء في سفره.

  21. من كثرة أشغاله فأثبتوها في سفر المعصية مع القطع بأن الشرع لا يرد بإعانة العاصي على المعصية فهذا الذي ذكروه يزيدونه على القياس إذ القياس تقرير المقيس عليه قراره وإلحاق غيره به وهذا قلب لموضع النص في الرخص بالكلية.

    ج ٢ ص ٦٩
  22. ٨٧٣- وأما المعدول عن القياس فقد ضرب الشافعي في الاستجمار فيه مثلا وهو بين من جهة أن النجاسة إنما يعفى عنها عند فرض تعذر الاحتراز وليس الأمر كذلك في غير نجاسة البلوى فإن استعمال الماء يسير لا عسر فيه.

    وقال: زعمتم أن القهقهة تبطل الصلاة واعتقد تم ذلك معدولا عن القياس ثم زعمتم أنها تبطل صلاة ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولم ينقدح لكم فرق معنوي ولكنكم اعتقدتم قضية جرت لو صحت في صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم أن تقتصروا على مورد النص ثم قلتم القهقهة تبطل صلاة النفل وإن لم تكن القضية في النفل فليت شعري ما الذي عن لكم في التخصيص من وجه والإلحاق من وجه.

  23. ٨٧٤- وقال في مساق هذا الكلام: اعتمدتم في الوضوء بنبيذ التمر الخبر وقد جرى في الوضوء واعتبرتم الغسل به ولم تعتبروا نبيذ الزبيب بنبيذ التمر مع اشتمال كلام الرسول عليه السلام لو صح الحديث على التنبيه لذلك فإنه قال عليه السلام: "ثمرة طيبة وماء طهور" ، فهذه جمل جمعها الشافعي في مساق هذه المسألة عليهم وبالجملة ليس معهم من علم الأصول قليل ولا كثير وإن أقام واحد منهم لقب مسألة فسننقضها في تفصيل الفروع فإن صاحبهم ما بنى مسائله على أصول وإنما أرسلها على ما تأتي له فمن أراد من أصحابه ضبط مسائله بأصل تناقض عليه القول في تفصيل الفروع.

  24. ٨٧٥- ونحن نرد الكلام إلى الحجاج فنقول لهم لم منعتم إجراء القياس في هذه الأصول؟ فإن قالوا: الحدود تدرأ بالشبهات والأقيسة مظنونة فلا ينبغي أن نهجم على إثباتها بمظنون والظان معترف ببقاء إمكان وراء ظنه فيحصل بذلك الإمكان الدرء.

  25. ٨٧٦- وهذا الذي ذكروه يعارضه القصاص لأنهم لم يمتنعوا من إجراء القياس فيه وإن كان يندرئ بالشبهات ويبطل ما ذكروه بالعمل بخبر الواحد في الحدود فإنه ليس مقطوعا به ولا خلاف في قبوله والذي ذكروه إنما كان يستمر أن لو كانوا لا يثبتون الحد في مظنون وهذا باطل قطعا.

  26. ثم الجواب فيه أن وجوب العمل بالقياس ليس مظنونا وقد تمهد ذلك في مواضع من الكتاب فسقط ما ذكروه ثم إن كانت الحدود تسقط بالشبهات والكفارات تجب معها فلم يمتنع إجراء القياس فيها وهي بمثابة سائر المغارم.

    ج ٢ ص ٧٠
  27. ٨٧٧- وأما المقدرات فقد قالوا فيها لا تتعدى العقول إلى معان تقتضيها فلا يجري القياس فيها.

  28. قلنا: إن كان ينحسم فيها المعاني المخيلة المناسبة فلم ينسد مسلك الأشباه.

  29. ٨٧٨- وأما الرخص فقد قالوا فيها: إنها منح من الله تعالى وعطايا فلا نتعدى بها مواضعها فإن [في] قياس غير المنصوص على المنصوص [في] الأحكام الاحتكام على المعطى في غير محل إرادته وهذا هذيان فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ولا يختص بها الرخص.

  30. فإن قيل: فما الذي ترون؟

  31. قلنا: قد وضح بما قدمناه ما يعلل وما لا يعلل ونحن نتخذ تلك الأصول معتبرنا في النفي والإثبات فإن جرت مسالك التعليل في النفي والإثبات أجريناها وإن انسدت حكمنا بنفي التعليل ولا يختص ذلك بهذه الأبواب.

  32. ٨٧٩- ومما نختتم القول به: أن التعليل قد يمتنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص أمكن التعليل وهو كقوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ١ وقال عليه السلام: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والأرض" ٢ وقال لأبي بردة٣ بن نيار وقد جاء بعناق وكان لا يملك غيرها فأراد التضحية بها رغبة في مساهمة المسلمين "تجزىء عنك ولن تجزىء عن أحد بعدك" ٤.

  33. فمهما منعنا نص من القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر.

  34. فإذا لم يكن منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس إمكانه عند الشرائط المضبوطة فيه والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأتيه على ما يشترط فيه.

    ج ٢ ص ٧١
  35. ٨٨٠- فهذه جملة كافية فيما يعلل وما لا يعلل ونحن نختتمها بكلام نفيس قائلين: رب شيء يمنع فيه جريان القياس وامتناعه في أمرين وأمور ولن يصفو هذا الفصل على ما نحب ونؤثر إلا باستقصاء القول في ذلك.

  36. ومثاله: أن الكتابة فيها أمور لا تنقاس وأمور يتطرق إليها القياس وكذلك القول في النكاح والإجارة والمعاملة المسماة قراضا مع النظر في المساقاة.

  37. وحق الناظر أن يتدبر هذه المواقف ويتبين المواقع التي يجري فيها القياس والمواقف التي يقف عندها ولا يطرد فيها القياس نظرا إلى محل الوقف وكذلك لا يطلق إثباتا نظرا إلى المحل المنقاس وكل كلام مفصل في موضع فإطلاق النفي والإثبات فيه خلف إن كان نصا أو ظاهرا مؤولا.

  38. فالكتابة مع اعتقاد ثبوتها عقد من العقود مستند إلى الإيجاب والقبول والتراضي منطو على عوض من شرطه أن يكون معلوم الوصف والمقدار فهذه الأصول جارية على قياس سائر المعارضات فمن قاس عليها في هذه الأحكام معاوضة أو قاسها على معاوضة فهو قايس في محل القياس.

  39. والذي لا ينقاس من الكتابة أصلها فإنها على الحقيقة معاملة الملك بالملك فمن سوغ معاملة متضمنها ذلك ورام قياسا على الكتابة كان قايسا في محل لا يجري القياس فيه.

  40. ٨٨١- ثم القول في ذلك ينقسم إلى ما ينقدح فيه مصلحة كلية تصلح لتمهيد الأصول والقواعد وإلى مالا يتجه فيه ذلك على ظهور.