الباب الثالث: في تقاسيم العلل والأصول
٩٨ فقرة، ج ٢ ص ٧٩
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٧٩
٩٠١- هذا الذي ذكره هؤلاء أصول الشريعة ونحن نقسمها خمسة أقسام.
-
أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه مع تقرير غاية الإيالة الكلية والسياسية العامية وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه فهو معلل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة والزجر عن التهجم عليها فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص تصرف فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى [فيه] وهو الذي يسهل تعليل أصله ويلتحق به تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ظاهرة فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ثم قد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا ثبتت قواعدها فلا نظر إلى [طلب] تحقيق معناها في آحاد النوع وهذا ضرب من الضروب الخمسة.
-
٩٠٢- والضرب الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة وهذا مثل تصحيح الإجارة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ [الضرورة المفروضة في البيع وغيره ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ] ضرورة الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرار لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس ما ينال الاحاد بالنسبة إلى الجنس وهذا يتعلق بأحكام الإيالة والذي ذكرناه مقدار غرضنا الآن.
-
٩٠٣- والضرب الثالث: ما لا يتعلق بضرورة [حاقة] ولا [حاجة] عامة ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وأزالة الخبث وإن أحببنا عبرنا عن هذا الضرب وقلنا: ما لاح ووضح الندب إليه تصريحا كالتنظيف فإذا ربط الرابط أصلا كليا به تلويحا كان ذلك في الدرجة الأخيرة والمرتبة الثانية البعيدة في المقايس وجرى وضع التلويح فيه مع الامتناع.
- ج ٢ ص ٨٠
عن التصريح وضع حمل المكلفين على مضمونه مع الاعتضاد بالدواعي الجبلية كما سبق تقرير هذا في المسالك السابقة والصور الممثلة.
-
٩٠٤- والضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحا ابتداء وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلي وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث.
-
وبيان ذلك بالمثال: أن الغرض من الكتابة تحصيل العتق وهو مندوب إليه والكتابة المنتهضة سببا في تحصيل العتق تتضمن أمورا خارجة عن الأقيسة الكلية كمعاملة السيد عبده [و] كمقابلته ملكه بملكه والطهارات قصاراها إثبات السبب وجوبا إلى إيجاب ما لا تصريح بإيجابه وليس فيها اعتراض على أصل آخر سوى ما ذكرناه من التصريح والتلويح وقد مثلناها بوضع الشرع النكاح على تحصين الزوجين.
-
٩٠٥- والضرب الخامس من الأصول: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة وهذا يندر تصويره جدا فإنه إن امتنع استنباط معنى جزئي فلا يمتنع تخيله كليا ومثال هذا القسم العبادات البدنية المحضة فإنه لا يتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد أن يقال تواصل الوظائف يديم مرون العباد على حكم الانقياد [وتجديد العهد بذكر] الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر وهذا يقع على الجملة ثم إذا انتهى الكلام في هذا القسم إلى تقديرات كأعداد الركعات وما في معناها لم يطمع القايس في استنباط معنى يقتضي التقدير فيما لا ينقاس أصله فهذا بيان ضروب الأصول على الجملة.
-
٩٠٦- ونحن الآن تعطف عليها ونذكر في كل أصل ما يليق بمذهب القياسين إن شاء الله تعالى.
-
فأما الضرب الأول: فهو ما يستند إلى الضرورة فنظر القايس فيه ينقسم إلى اعتبار أجزاء الأصل بعضها ببعض وإلى اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل إذا اتسق له الجامع فأما اعتبار الجزء بالجزء مع استجماع القياس لشرائط الصحة فهو يقع في الطبقة العليا من أقيسة المعاني.
-
ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي فيه وإن كان جليا إذا صادم القاعدة الكلية ترك القياس الجلي للقاعدة الكلية.
- ج ٢ ص ٨١
وبيان ذلك بالمثال: إن القصاص معدود من حقوق الآدميين وقياسها رعاية التماثل عند التقابل على حسب ما يليق بمقصود الباب وهذا القياس يقتضي ألا تقتل الجماعة بالواحد ولكن في طرده والمصير إليه هدم القاعدة الكلية ومناقضة الضرورة فإن استعانة الظلمة في القتل ليس عسيرا وفي درء القصاص عند فرض الاجتماع خرم أصل الباب.
-
وحاصل القول في ذلك يئول إلى أن مقابلة الشيء بأكثر منه ليس يخرم أمرا ضروريا فهذا معنى تسميتنا لهذا جزئيا وإلا فالتماثل في الحقوق المغربة إلى الآدميين من الأمور الكلية في الشريعة غير أن القاعدة التي سميناها كلية في هذا الضرب مستندها أمر ضروري والتماثل في التقابل أمر مصلحي والمصلحة إذا لم تكن ضرورة جزء بالإضافة إلى الضرورة وهذا يعضد فيما أجريناه مثلا في القصاص بأمر آخر وهو أن مبنى القصاص على مخالفة [الأعواض جمع] وأن أعواض المتلفات مبناها على جبران الفائتان كالمثلى إذا تلف وضمن بالمثل وكالقيمة إذا جبرت متقوما متلفا فالقصاص لا يجبر الفائت ولا يسد مسده والغالب فيه أمر الزجر وحظ مستحقه منه شفاء الغليل وهذا ميل قليل بالقياس إلى مأرب الناس في [الأعواض] فلما خرج أصله عن مضاهاة الأعواض هذا الخروج احتمل فيه الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل.
-
٩٠٧- وإذا قسنا الأطراف عند فرض الاشتراك في قطعها بالنفوس كان ذلك واقعا جليا معتضدا بالمعنى الأصلي وهو الضرورة في الصون مع اجتماع الأطراف والنفوس في كونها مصونة بالقصاص.
-
وهذا في نهاية الوضوح لا [يغض] شيء منه إلا فرض [صدور] القطع من شخصين مع تمييز أحد الفعلين عن الثاني فإنه إذا جرى ذلك لم يقطع يد واحد منهما فإن منع مانع ذلك وقال يقطع من يد كل واحد من الجانبين مثل ما قطعه من يد المجني عليه فهذا انفصال على وجه ولكن يبقى مع ذلك أن يد المجني عليه مبانة باشتراكهما ولا يبان يد واحد من الجانبين والإبانة معصومة بالقصاص وإذا كان القطع مما يقبل القسمة فقد يتناوش المتناظران عند ذلك الكلام [و] يتجاذبان أطراف النظر فهذا هو اعتبار الجزء بالجزء في الضرب الأعلى من القياس.
-
٩٠٨- ولو أراد القايس أن يعتبر قاعدة أخرى بقاعدة والضرورة الكلية تجمعهما.
- ج ٢ ص ٨٢
فهذا متقبل معمول به أيضا فإذا اعتبر القايس حدا واجبا بقصاص أو قصاصا بحد فذلك حسن بالغ وكذلك إذا اعتبر معتبر عقدا تمس الضرورة إليه بالبيع كان حسنا على شرط السلامة فخرج من مجموع ذلك جريان القياس من الوجهين في هذا الضرب أحدهما الجزء بالجزء والضرورة شاملة لهما والثاني اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل والجامع الضرورية الكلية.
-
٩٠٩- وأما الضرب الثاني: وهو ما يبنى على الحاجة كالإجارة فلا خلاف في جريان قياس الجزء منه على الجزء فأما اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل مع جامع الحاجة فهذا امتنع منه معظم القياسين.
-
٩١٠- ونحن نرى أن ننبه قبل تبيين القول فيه على أمر وهو أن الإجارة [جازت] خارجة عن الأقيسة التي سميناها جزيئة في القسم الأول فإن مقابلة العوض الموجود [بالعوض] المعدوم خارج عن القياس المرعي في المعاوضات فإن قياسها ألا يتقابل إلا موجودان ولكن احتمل ذلك في الإجارة لمكان الحاجة وقد ذكرنا أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في [حق] آحاد الأشخاص والبيع يلتحق بقاعدة الضرورة من جهة مسيس الحاجة إلى تبادل العروض والعروض لا تعني لأعيانها وإنما تراد لمنافعها ومتعلق تصرفات الخلق في الأعيان محال منافعهم منها وإذا أطلق الفقيه ملك العين أراد به الاستمكان من التصرف الشرعي على حسب الإرادة ما بقيت العين ثم المنافع إذا قدرت نوعا من العروض وظهر مسيس الحاجة [إليها] في المساكن والمراكب [وغيرها] التحق هذا بالأصول الكلية واشتراط مقابلة الموجود بالموجود من باب الاستصلاح والحمل على الأرشد والأصلح ولا يظن تعلق هذا الفن بالحاجة ولهذا يسمى [القياس] الجزئي وليس المراد بكونه جزئيا جريانه في شخص أو جزء ولكن الأصل الذي لا بد من رعايته الضرورة.
-
ثم الحاجة والاستصلاح في حكم الوجوه الخاصة في حكم الجزء عند النظر في حكم الضوابط الكلية فإذا القياس على الإجارة إذا استجمع الشرائط لا يدرؤه إلا الاستصلاح الجزئي في مقابلة الموجود بالموجود وهذا كقياسك النكاح مثلا في وجه الحاجة إلية على الإجارة.
-
٩١١- ومن قال: الإجارة [خارجة] عن القياس فليس على بصيرة في قوله فإنها إن خرجت بخروجها عن الاستصلاح فهي جارية على مقتضى الحاجة والحاجة هي.
- ج ٢ ص ٨٣
الأصل والاستصلاح بالإضافة إليها فرع.
-
٩١٢- وأنا أضرب لذلك مثلا تقديرا فأقول من سبق عقده قبل ورود الشرائع إلى تقدير ورودها بالمصالح فإنه يسبق مع هذا العقد إلى درء الحاجات والضرورات ويختبط في وجوه الاستصلاحات فإنه يتعارض فيها الظنون بالإضافة إلى الحالات والدرجات فيتوقف لا جرم فيها الضبط على ورود الشرائع ثم إذا تمهد باب من الاستصلاح بالشرع جرى القياس فيه ومستنده يكاد أن يكون غيبا لا يطلع العقل على حقيقته فيكله إلى فاطر البرية سبحانه وتعالى.
-
ثم قد يظهر الاستصلاح وهو مع ذلك جزئي فإن متضمنة حجرة على مطلق من غير حاجة ولا ضرورة في أمر تطرق المطلق فيه إلى البدل الكلي من غير منع ولا حجر ولكن ضنة النفوس وازعة مع وفور عقلها عن السرف والبذل العرى عن العوض وقد يحملها السرف وفرط الشره على أغرار وأخطار في المعاملات مغباتها وخيمة وغوائلها عظيمة والله تعالى عليم بها فسيصلح الله عباده بما علمه من غيبهم ولو تطرق إلى العقل الوازع عن البدل العرى عن العوض خلل طرد الشارع حجرا ولهذا يطرد الحجر على الصبيان والسفهاء.
-
فإذا باب الاستصلاح غايته تقليد وتفويض الأمر إلى مالك الأمر وهو باب محاسن الشريعة وقد يعيب [كلى] الاستصلاح [وجزؤه] عن الناظر ومن هذا القبيل عندي تحريم ربا الفضل والحجر المتمهد في ربا [النسيئة] .
-
٩١٣- ومن دقيق ما يجري في هذا الفن وهو العلق النفيس في هذا القبيل أن الشافعي ألحق إثبات الخيار والأجل [بأبواب] الرخص من جهة أن [قياس] التقابل في المعاوضات أن يخرج العوض عن ملك أحد المتعاقدين حسب دخول مقابله في ملكه وإذا حل أحد العوضين وتأجل الثاني كان ذلك خارجا عن هذا القانون وكذلك الخيار الطارئ على العقد المبني على اللزوم في حكم الرخص والتأجيل أثبت فسحة [لمن لا يملك الثمن] [في الحال ورجاء أن يتمحله] إلى منقرض الآجال والخيار أثبت لتروي من لا بصيرة له وعدم الدراية في السلع أعم وأغلب من المعرفة بها.
-
٩١٤- والقول في ذلك عندنا أن [أصل] البيع مستندة الضرورة أو الحاجة النازلة منزلة الضرورة واللزوم [فيه] بمطلق البيع قد لا يستند إلى الضرورة نعم لو قيل لا يفضى البيع قط [إلى لزوم] جر ذلك ضرارا بينا من حيث لا يثق المتعاوضان بما يتقابضان وكان من الممكن أن يقال إذا تراضى المتعاقدان على الإلزام لزم وإن.
- ج ٢ ص ٨٤
أطلقاه فالحكم [بلزومه] من غير تراضيهما [فيه] مصلحي وليس ضروريا [وكذلك] المصير إلى اقتضاء مقتضى العقد حلول العوضين مصلحي.
-
فإذا تمهد ذلك فشرط الخيار والأجل لا يخرم أمرا ضروريا فليفهم الفاهم ذلك وليتئد إذا انتهى إلى هذا المقام.
-
٩١٥- ولكن الشافعي نظر إلى تعبدات الشارع فقد مهد في العقود تمهيدا عاما وإن لم يكن مستنده إلى ضرورة مدركة بالعقول أو حاجة ثم رأى ما يطرأ عليها بمثابة ما يطرأ على وظائف العبادات [من] الرخص والتخفيفات وإن كانت العبادات في أصولها غير مستندة إلى أغراض وإلا فالقاعدة الكلية اتباع الحاجة [والضرورة] أو أتباع رضا المطلقين فإن [ألحق ملحق الخيار] والأجل بالرخص من جهة [ندورهما] بالإضافة إلى [ما] تمهد في التعبد والاستصلاح في العقود وإلا فاتباع الرضا من غير اقتحام أمر كلي أمس للقياس الكلي من الاستصلاحات وأنا أذكر [الآن] مسألة كلية يقضى الفطن العجب منها فأقول.
- [مسألة] :
-
٩١٦- لو درست تفاصيل الشريعة وتعافى نقلتها وبقيت أصولها على [بال] من حملة الدين فالذي يقتضيه التحقيق تصحيح كل بيع استند إلى رضا ولو لم يقل به وتفاصيل الاستصلاحات لا تطلع عليها العقول ولا يحسم باب البيع ففي انحسامه ضرورة عظيمة وقد ذكرت طرفا من هذا [في] الكتاب [الغياثي] والغرض منه الآن أن الكلى ما يتطرق إليه العقل مع نسيان التفاصيل وهذا كاف في هذا الضرب.
-
٩١٧- وأما الضرب الثالث: وهو ما لا ينتسب إلى ضرورة ولا إلى حاجة وغايته الاستحثاث على مكارم الأخلاق ووضع الاستصلاح [ينافي] إيجاب ذلك على كافة في عموم الأوقات [لعسر] الوفاء به والقدر الذي على يقتضيه الاستصلاح لا ينضبط بقدر أفهام المكلفين [ودرك المتعبدين] فإذا عسر الضبط وتعذر الإيجاب العام فيثبت الشارع وظائف [تدعو] إلى مبلغ المقصود الواقع في [علم] الغيب وإن كان لا ينضبط هو في عينه لنا.
-
ويعضد هذا [القسم] في غالب الأمر وبأمور جلية حتى كان الشريعة تتأيد بموجب الجبلة والطبيعة فيكل إليها قدرا ويثبت للوظائف قدرا وهذا كالوضوء فليس [ينكر] العاقل ما فيه من إفادة النظافة [والأمر بالنظافة] على استغراق الأوقات [يعسر] الوفاء به.
- ج ٢ ص ٨٥
فوظف الشارع [الوضوء] في أوقات وبنى الأمر على [أفادته] المقصود وعلم الشارع أن أرباب العقول لا يعتمدون نقل الأوساخ والأدران إلى أعضائهم البادية منهم فضلا فكان ذلك نهاية في الاستصلاح ومحاولة الجمع بين [تحصيل] أقصى الإمكان في هذه المكرمة ورفع [التضييق في التدنس والتوسخ] إذا حاول المرء ذلك فهذا وضع هذا الفن.
-
٩١٨- ولكن إزالة النجاسة أظهر في هذا الفن من النظافة الكلية المرتبة على الوضوء فإن النجاسات تتقذر في الجبلات واجتنابها أهم في المكارم والمروءات من اجتناب [الشعث] والغبرات.
-
ولهذا ذهب طوائف من الفقهاء إلى أنه يحرم على الإنسان التضمخ بالنجاسات من غير حاجة ماسة والشافعي نص هذا في الكثير وقد ردد [في] مواضع من [كتبه] تحريم لبس جلد الميتة قبل الديباغ وحرام على المرء لأن يلبس جلود الكلاب والخنازير فتميز ظهور الغرض في إزالة النجاسة عن النظافة الكلية المعينة في الوضوء ولهذا خصص الشافعي الوضوء بالنية من حيث التحق بالتعبدات العرية عن الأغراض وضاهى العبادات [البدنية] .
-
٩١٩- ثم هذا الضرب الذي يفضى الكلام إليه يضيق نطاق القياس فيه فليس للناظر أن يؤسس في هذا الضرب أصلا يتخيل فيه مثل هذا المعنى الذي تكلفنا نظم العبارة [منه] لمعتبره بالقاعدة الثانية.
-
والسبب فيه أن هذا يدق مدرك النظر فلا يستقل بالتطرق إليه القوى البشرية ولا ينبغي أن يؤتى الإنسان عن خداع فإن مجال الظنون متسع لما يظهر ويدق فإنا لم نؤمر بربط الحكم لكل مظنون.
-
٩٢٠- فالقول الوجيز فيه أن المعنى الذي ذكرناه في هذه القاعدة الثانية محال على غيب ينفرد بعلمه الشارع وعليه ابتني الإيهام الكلى بين التصريح والتلويح المذكورين في الطهارة [فإنا قلنا] تعميم الأمر بالنظافة عسر ورفعه مناقض للمكارم والمحاسن والقدر المعين لا تدركه أوهام البشر ولا عسر في امتثال أمر الشارع في طهارات متعلقة بأوقات [ثم الفطن] يظن أنها في علم الشارع منطبقة على القدر المقصود الواقع في الغيب وليس من الممكن ربط الظن به فضلا عن دركه يقينا.