فصل: فيما يعلل وفيما لا يعلل
٧٦ فقرة، ج ٢ ص ٦٦
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ٧١
فأما ما يظهر فيه أمر كلي فهو كخواص النكاح فإنها مربوطة بأمر ظاهر في استصلاح العباد فتلك الأمور لا يلفى لها نظير في غير النكاح فإنا إنما نتكلم في خواص النكاح ولو قدرنا وجدان نظير [لها] لما كان ما فيه الكلام خاصا ولما تحقق تميز الأصول بخواصها وتحيزها بمقاصدها ولصارت القواعد كلها في التكليف تحت ربقة واحدة ضابطة في طريق الاستثناء وهذا محال.
-
فمن اعترف بأصل وأراد أن يعتبر خاصيته بأمر آخر فهو خارج عن الاعتبار.
- ج ٢ ص ٧٢
المرضي، والقياس الكلي والجزئي ومن أراد إثبات أصل منازع ذي خاصية فإنه لا يلقى لما بينته نظيرا إن حاوله فإن حاول إثبات ذلك ولم يكن في ثبوته بد من أحد أمرين فإما أن يسنده إلى ثبت من قول الشارع وإما أن يتمسك بالاستدلال إن صح القول به ولو ثبت أصل ذو خاصية فأراد الناظر أن يثبت أصلا مشتملا على قريب من تلك الخاصية فهذا متقبل عند الشافعي في طريق القياس.
-
٨٨٢- وبيان ذلك بالمثال: أن القراض مقتطع عن سائر المعاملات بخاصية فيه مقصودة وهو أنه لا يتأتي استنماء المال وتثميره من كل واحد منهما وإنما يعرفه من يعرف التجارات ووجهها ولو أثبت للمنصوب للتجارة أجرا معلوما وهو مستحق ربح أو خسر فقد لا يجد جده إذا كان لا يرقب لنفسه حظا من الربح فيثبت القراض مشتملا على الربح على حسب التشارط والتراضي.
-
فرأى الشافعي المساقاة في معنى القراض [في خاصية القراض] فاعتبرها به واحترز عن الإجارات في المزارع وغيرها ثم اعتبر ذلك بعد الاستظهار بالحديث الذي رآه نصا في المساقاة.
-
٨٨٣- ثم أجرى في المسألة كلاما بدعا فقال: لم يعهد القراض في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول ما جرى هذا الضرب من المعاملة في زمن عمر رضي الله عنه في قضية مشهورة لابنيه رضي الله عنهما فقال الشافعي: لا ينقدح الإجماع من غير ثبت ولو كان في القراض خبر لذكر وعنى بنقله فلا معنى لجواز اعتقاده حقا بسبب أصل واحد من الأصول ولا سيما إذا كانت المعاملة عامة والحاجة فيها مطردة والناس كانوا يعتنون بنقل الأصول العامة على قضية واحدة ثم بعد مساق كلامه قال: لا أدري للقراض أصلا إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساقاة.
-
٨٨٤- فإن قيل: هذا منه قلب لمجاري القياس فإن المختلف فيه يعتبر بالمتفق عليه والذي ذكره اعتبار المتفق عليه بالمختلف فيه.
-
قلنا: الشافعي يرسل تصرفه على قواعد الشريعة غير معرج على موضع الوفاق والخلاف ثم ما ذكره ليس بقياس وإنما هو يتعلق على حصول الغرض بمسلك أصولي لا يهتدي إليه غيره فإنه أثبت أن الإجماع لا يعقد هزلا ثم مزجه بمآخذ العادات وهي من أعظم القواعد في أصول الشريعة وما يتعلق بالنقل وعدم النقل.
-
٨٨٥- ومما ينبغي أن يتنبه الناظر له قبل الكلام في تحرير المسائل وضرب الأمثال:
ج ٢ ص ٧٣أن خواص الأصول لو اعتبر بعضها ببعض لكانت كل خاصية بدعا بالإضافة إلى الأخرى ولكن لو استد نظر الموفق ورأى كل شيء على ما هو عليه تبين له أن النظر السديد يقتضي تقرير كل خاصية وعدم اعتبارها بغيرها.
-
وبيان ذلك: أن الإجارة موضوعها يقتضي أعلام المنافع بالمدة أو بالعمل الموصوف فإنها من عقود المعاوضات والمكايسات ولو أثبت المنافع فيها مجهولة لكان إثباتها كذلك خارجا عن مقصود العقد والنكاح أثبت مؤبدا والتأبيد يجر جهالة ولكن هذه الجهالة منطبقة على مقصود النكاح إذ الغرض منه الوصلة والاستمتاع على الائتلاف وهذا ينتقض بالتأقيت وليست منافع البضع متمولة له حتى يدعى لمكان أعواضها تقديرها وليست المناكحات من عقود المغابنات فإذا خاصية كل عقد وإن خالفت خاصية آخر فمعناها في موضوعها كمعنى الأعلام في موضع الأحكام فليس الإعلام موضوعا لعينه وإنما عين لعوض يقتضيه.
-
فكل كلام يجريه القايس ويسوقه يخالف موضوع المعاملة وإن كان يجد لما [ذكره] شواهد [وأمثلة] في غير الموضع الذي ينظر فيه فذلك الكلام حائد.
-
٨٨٦- وإذا تعارض معنيان: وترجح أحدهما بالأمثال واعتضد الآخر بما يشعر به خاصية الأصل فهو أرجح عند الشافعي على ما سيأتي مشروحا [في كتاب] الترجيح إن شاء الله تعالى وهذا كله فيه إذا كان الأصل لا ينقدح فيه توجيه معناه كليا.
-
وقد ثبت أصل لا يتجه فيه استصلاح عام ظاهر كالكتابة فإنها مائلة جدا عن الأصول وأقصى ما يذكر فيها استحثاث السادة على الإعتاق والعبيد على الكسب في تلك الجهة وهذا في حكم أمر خفى يرد على أمر جلي على حكم المناقشة فإن المالكية لها قضية جلية في منع معاملة العبيد والأمر الخافي في توقع العتق ليس مضاهيا في مراتب المعاني لقضية المالكية فإن مقتضى الملك أجلى وليست الكتابة فيما ذكرناه كالنكاح المختص بخاصية عن البيع فإنهما أصلان كل واحد منهما منقطع عن الثاني وليس واحد منهما واردا على الثاني على حكم المعارضة والمناقضة ورود الكتابة على المالكية فما كان كذلك فهو المنتزع عن القياس من حيث أنا تخلينا لأحكام الملك جريانا ثم الكتابة صرفتها عن جريانها بخلاف الأصول الواقعة أفرادا.
-
فالآن لو أراد مريد أن يلحق معاملة بالكتابة إلحاق الشافعي المساقاة بالقراض
ج ٢ ص ٧٥٨٩١- منها: أن قائلا لو قال: إن استقام ما ذكرتموه في الوضوء فما وجهه في التيمم وهو تغبير الوجه؟ وذلك يناقض ما استروحتم إليه.
-
فيقال [له] : إن خرج التيمم عن كونه معقول المعنى لم يلزم من خروجه خروج الوضوء ومن يبدي في الوضوء معنى لا يلزم طرده في التيمم فهذا وجه.
-
والوجه الآخر: أن التيمم أقيم بدلا غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين أن الغرض من التيمم إدامة الدربة في إقامة وظيفة الطهارة فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعواز الماء فيها ليس نادرا فلو أقام الرجل الصلاة غير طهارة ولا بدل عنها لتمرنت نفسه على إقامة الصلاة من غير طهارة والنفس ما عودتها تتعود وقد يفضى ذلك إلى ركون النفس إلى هواها وانصرافها عن مراسم التكليف ومغزاها فهذا سؤال والجواب عنه.
-
٨٩٢- فإن قال قائل: لو توضأ المرء وأسبغ وضوءه ثم عمد إلى تراب فتعفر به أو تطلى بالطين وصلى صحت صلاته فلو كان الوضوء متعينا للتنقي لوجب أن ينتقض بما وصفناه لأنه إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فبتحققه أولى وهذا واقع على هذه الطائفة وقد تكلفوا جوابا عنه.
فقالوا: الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يشذ ويندر وضربوا لذلك أمثلة مبنية على مغمضات من قضايا الأصول.
-
منها: إن النكاح شرع لتحصين الزوجين من فاحشة الزنا وغيره من المقاصد والحرة محتاجة إلى التحصين بالمستمتع الحلال كالرجل ثم حق عليها أن تجيب زوجها مهما رام منها استمتاعا ولا يجب على الرجل إجابتها وغرض الشارع في تحصينها على قضية واحدة ولكن لما خص الرجل بالتزام المؤن والمهر والقيام عليها اختص بالاستحقاق ومنه الاستيلاء والملك فاكتفى الشارع في جانبها باقتضاء جبلة الرجل والإقدام على الاستمتاع والأمر مبني على أحوال الملتزمين الشريعة والمعظمين لها ومن انحصر مطلبه في الحلال واستمكن منه واستحثته الطبيعة عليه وتغلب عليه المغارم فإنه سيعتاض عنها قضاء أربه ومستمتعه وكذلك يقل في الناس من يطلى ويتضمخ بالقاذورات فكان ذلك موكولا إلى ما عليه الجبلات.
- ج ٢ ص ٧٦
وإنما الذي قد يتسامح فيه أهل المروءات إقامة الطهارات من غير مصادفة الغبرات تخفيفا فخصص الشارع الأمر بالتنقي بالأحوال التي لا يظهر استحثاث الطبع فيها.
-
٨٩٣- ومن الأصول الشاهدة في ذلك: أن البيع إنما جوزه الشرع لمسيس الحاجة إلى التبادل في الأعواض ثم لم ينظر الشارع إلى التفاصيل بعد تمهيد الأصول فلو باع الرجل ما يحتاج إليه واستبدل عنه مالا يحتاج إليه فالبيع مجرى على صحته فإن هذا لا يعم وقوعه وما في النفوس من الدوافع والصوارف [في ذلك] وازع كامل وتكثر نظائر ذلك في قواعد الشرع.
-
٨٩٤- فإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص وجوبه بوقوع الحدث وأجمع علماء الشرع على أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة أعضاء الوضوء والذي ثبت موجبا وفاقا غير ملطخ ولم يحوج إلى غسل الأعضاء والذي يلطخ الأعضاء لا يوجب الوضوء.
فقالوا مجيبين: غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى وهذا لا ينافى كون أصله معقولا.
-
وأما ما أدرجوه في أثناء الكلام من أن تلطيخ الأعضاء لا يوجب تنقيتها وغسلها فهذا هو السؤال الذي انتجز الجواب عنه الآن.
-
٨٩٥- وقد تكلف بعض النظار في ذلك كلاما وقال لا تدخل الأحداث تحت الحجر واعتمادها من غير أرب يناقض دأب أهل المروءة فجمع الشارع بين الأمر بالوضوء للغرض الكلي في التنقي وبين تأقيته بالأحداث حتى ينتهض مطهرا طاهرا ومردعة عن الأحداث من غير إرهاق مسيس حاجة ثم هذا النظر يتضمن منعا من غير تحريم وإذا استمر المكلف على هذه المراسم انتظم له منها محاسن الشيم في كل معنى فهذا الباب ما جاء به الفريقان اعتراضا وجوابا في هذا الطرف.
-
٨٩٦- فأما ما ذكره أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في أن إزالة النجاسة معقولة المعنى فيتوجه عليهم في هذا الشق سؤال لا ينقدح لهم عنه جواب فإنه يقال لهم إزالة النجاسة لا تجب لغير الصلاة فما علة وجوبها للصلاة وهلا صحت الصلاة معها؟ فإن تكلفوا في تعليل وجوب الإزالة كلاما فغايتهم أن المصلى مأمور أن يأخذ للصلاة أنقى زي وأحسن هيئة والأمر بالتطهر مندرج تحت هذه الجملة.
- ج ٢ ص ٧٧
فهذا غير مستقيم دليلا وهذا على الحقيقة أعادة للمذهب والسؤال قائم فلم يجب التنقى؟ وهلا احتمل ذلك كما احتمل في غير الصلاة وهذا ينعكس بستر العورة ثم ما بالها لم تؤثر في سائر العبادات فلا يكادون يرجعون إلى حاصل وهو أجلى مما ادعاه الذين عللوا وجوب الوضوء بما ذكرناه فإذا لم ينتظم في وجوب رفع العين معنى ولم يظهر في وجوب إمساس أعضاء الوضوء [بمائع] معنى فهلا قام في الوضوء كل مائع مقام الماء كما قام مقامه في الإزالة.
-
فإن قالوا: الإزالة متحققة حسا بالخل.
-
قلنا: فاستيعاب الوجه وغيره من أعضاء الوضوء على حكم الوضاءة حاصل بماء الورد حسا وهذا سيئول إلى تدقيق وهو أنه إن فرض الماء أرق المائعات وأدفعها فقد يعتقد مع ذلك أنه لا يقوم غيره مقامه في حقيقة الرفع فأما حيث لا مرفوع وإنما الغرض إمساس أعضاء وهذا المعنى يحصل بكل مائع إلى غير ذلك من فصول تطول ولم نذكر هذه الطريقة لنعتقدها ولكنا أصيبنا أن نصير هذه المسألة ومسائل يعدها أمثالا لفائدة سنربطها إن شاء الله تعالى [بغرضنا في التحقيق] فلينظر الناظر في هذه المسألة واللواتي بعدها نظر من يعدها أمثالا ويستعدها لما يستعقب المسائل به إن شاء الله تعالى.
- مسألة:
-
٨٩٧- قال الخائضون في هذا الفن: رب أصل يتطرق إليه التعليل من وجه ويتقاعد عنه التعليل من وجه وضربوا لذلك أمثلة ونحن نذكر منها مثالا أو مثالين ثم يقيس الناظر بما نذكره ما لم نذكره.
-
فمن أمثلة ذلك اختصاص القطع بالنفيس وهذا على الجملة معلل بأمر ظاهر وهو أن أربا العقول لا يهجمون على التغرير بالأرواح والمخاطرة بالمهج بسبب التافه الوتح وإن غرر مغرر فإنه يربط قصده بمال نفيس.
قالوا: هذا معلوم على الجملة ويشهد له القواعد الزجرية التي تستحث الطبائع على الهجوم على الفواحش فيها فانتصبت الحدود مزحزحة عنها والمحرمات التي لا صغو ولا ميل للطبائع إليها لم يرد الشرع في المنع عنها بحدود بل وقع الاكتفاء بما في جبلات النفوس من الارعواء عنها مع الوعيد بالعذاب الشديد والتعرض للأئمة والخروج عن سمة العدالة في الحالة الراهنة ثم قال هؤلاء: القياس وإن اقتضى.
- ج ٢ ص ٧٨
الفصل على الجملة بين التافه والنفيس فليس فيه التنصيص على النفيس ومبلغه فكان ذلك موكولا إلى الشرع ونصاب السرقة منصوص عليه.
-
٨٩٨- ومن أمثلة ذلك النصب في أموال الزكاة والأقيسة قد ترشد إلى اختصاص وجوب الإرفاق بالأموال المحتملة له المتهيئة لارتفاق مالكها فيكون الإرفاق في مقابلة الاستمكان من الارتفاق ثم القدر المرفق لا ينص عليه الرأي فاتبع القايسون فيه مراسم الشريعة وإن عللوا الأصل تعليلا كليا.
-
٨٩٩- ثم لما ذكر القاضي ما ذكرناه من مسالك الفقهاء انعطف عليه فقال كيف يطمع الطامع في الميز بين الخسيس والنفيس وذلك يختلف بهمم النفوس والخسة والنفاسة لا يتصف بها مبلغ بعينه بل هما من أحكام النسب والإضافات فقد يستعظم الفقير الفلس ولا تكثر القناطير في حق الملك وهذا ينسحب على النصب فإن القانع بالبلاغ قد يجتزئ بالارتفاق عما ينقص عن النصاب وذو البسطة [والعيلة] والذرية الضعاف لا ترفغه العشرون والمائتان من التبرين.
-
فإن قال قائل: بنى الشارع الأمر على الوسط وهو شوف الاعتدال في كل شيء فإن طرفي الاعتدال لا ينضبطان بل هما مردودان إلى حكم الوسط فيقال له أوسط الناس لا يكثر في أعينهم الربع ولا الدينار في مقابلة ما يلقون من الأغرار وإن وقع [الفرض] في ذوي الغرامة الذين انتهى بهم الاستجراء إلى اقتحام العظائم فهؤلاء قد يصادمون الأغرار مستقبلين من غير مآرب ظاهرة ولا يكاد ينضبط في ذلك معنى.
-
٩٠٠- ثم وجه القاضي [على نفسه] السؤال المعروف في الخمر فإنها لا تغنى عن مرارتها لعينها وإنما تعني لما لا يحصل إلا عند الاستكثار منها وهي النشوة والطرب والسكر ثم يتعلق بتعاطي القليل منها من الحد ما يتعلق بتعاطي الكثير وقد تكلف الفقهاء وجوها من الكلام لا نراها ونقتصر على أقربها متناولا وذلك أنهم قالوا قليل الخمر داع إلى الكثير وليس في الإكثار منها عند الاستمكان من جنسها ركوب خطر واقتحام غرر فلو لم يوضع الحد في القليل لدعا إلى الكثير منه والغرر في المهج مع قلة المال كاف في الورع فهذا منتهى المطلوب في ذلك.
-
وإذا لاح مسلك الكلام في النفي والإثبات في هذه المسائل فنحن نذكر بعدها كلاما وجيزا يتخذه الناظر معتبره ويرقى به عن تعارض وجوه الكلام في فن يقصد منه بغية القطع فنقول.