فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة
٢٨٥ فقرة، ج ٢ ص ٩٧
الصفحة ١ من ٨
- ج ٢ ص ٩٧
...
-
الباب الرابع: الاعتراضات وأقسامها.
- ٩٥٣- [ونقسمها قسمين:
-
أحدهما: يشتمل على ما يصح عند المحققين ولا احتفال بما يشذ من خلاف منقول عمن لا اكتراث به.
-
والقسم الثاني: يحتوي على ما يفسد من الاعتراضات عند المحققين] .
-
فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة.
-
٩٥٤- [الأول] منها: المنع ١.
-
وهو يتوجه على الأصل ويقدر متوجها على الفرع فأما المنع في الأصل فإنه يجري من وجوه:
أحدها: منع كون الأصل معللا فإن الأحكام تنقسم باتفاق النظار إلى ما يعلل وإلى مالا يعلل فمن استمسك بأصل فهم مطالب بتثبيت كونه معللا٢ وهو عندي إنما يتوجه على من لم يذكر تحريرا بعد فأما إذا حرر فإنه قد ادعى أن ما أبداه من الوصف علة في حكم الأصل فان الفرع في العلة [المحررة] يرتبط بالأصل بمعنى الأصل وهو الجامع وسبيل افتتاح النظر من طريق القياس أن يبين الرجل حكما في الأصل٣ ويطلب علته فإذا صحت عنده علة الحكم وألفاها متعدية أصلها موجودة في غيره فإنه يحكم فيما توجد العلة فيه بحكم الأصل الذي ثبت عنده تعليله فأما إذا لم تظهر علة [فلم يأت بديل] فلا وجه [لعد] المنع في هذا المقام اعتراضا فإن المسئول إذا ذكر الأصل واقتصر عليه فلا ينتهض السائل للاعتراض بل يرتقب استتمام
ج ٢ ص ٩٨الكلام وما ذلك إلا لأنه لم يدخل وقت الاعتراض بعد.
-
وان اقتصر على ذكر الأصل وضم إليه ادعاء كون الفرع بمثابه عد عريا عن التحصيل من جهة أنه لم يذكر ربطا ولم يأت بصيغة قياس بعد فسبيل مكالمته إذا تردد وتبلد أن ينبه على اقتصاره على بعض صيغة القياس فإن ذكر معنى ادعاه علة فإن استمكن منه ففي ضمنه إثبات القول كونه معللا.
-
٩٥٥- ومن لطيف القول في ذلك أن تعيين العلة وإثبات أصل التعليل مسلك واحد فإن الإنسان يستبين كون الشيء معللا بأن يتجه فيه معنى يصلح لكونه علة وليس من الممكن أن يعرف بطريق الاستنباط كون الشيء معللا على الجملة نعم إن انعقد عليه إجماع أو ورد فيه نص فيستند [الاعتقاد] إليهما وإن كان التلقي من الاستنباط فتعيين العلة وتثبت الأصل في التعليل يثبت بمسلك واحد فهذا تحقيق القول في المطالبة بكون الأصل معللا وبيان محله ومنصبه في الجدل.
-
٩٥٦- والنوع الثاني من المنع: إنكار وجود ما ادعاه المستنبط علة وهذا كثير التدوار في المركبات فإن من قاس على انبة خمس عشرة سنة فقد يدعى بلوغها فينكره الخصم فهذا وما يضاهيه إنكار وجود العلة وعلى المطالب فيه أن [يثبت] بطريقة على ما سيأتي [ذلك] في تقاسيم المركبات إن شاء الله تعالى.
-
٩٥٧- والنوع الثالث: منع الحكم في الأصل ١ فإذا توجه ذلك على المسئول تعين عليه إثباته فإن [أثبته] بطريق إثباته استد قياسه وكان بانيا والبناء مقبول [من المسئول] ولو رددنا إلى حكم الدين فليس فيه ما يمنع سائلا من نصب دليل ولكن مواقف النظار وأهل الجدال على مسلك رأوه اقرب المسالك [إلى الدرك] وأقصدها فأثبتوا الدليل والبناء والابتداء للمسئول وأقاموا السائل مقام المعترض حتى ينتظم على القرب غرض ويلوح في المطلوب مدركه فلو تصدى كل واحد للدليل والاعتراض لانتشر الكلام وطال المرام ولا ينقضي مجلس [عن] فائدة ثم المسئول لا يدل في كل موضع بل يدل حيث [يبنى] ولو اعترض على علة أبداها.
- ج ٢ ص ٩٩
السائل معارضا معترضا أو مسندا إليها تأويل ظاهر فإذا أورد المسئول عليها نقضا فمنعه السائل لم يكن للمسئول إثباته بالدليل فإنه بإثباته النقض لا يستفيد إثبات مذهبه الذي سئل عن إثباته وإنما يستفيد إبطال علة السائل وهو في هذا المقام معترض والاعتراض والبناء إذا اجتمعا انتشر الكلام ووقع المعنى المحذور الذي لأجله أقام الجدليون بانيا ومعترضا.
-
ثم قد يأتي السائل بما يصلح للبناء وهو يبغي به الاعتراض بطريق المعارضة كما سيأتي ذلك فأما المسئول فيضطر إلى الاعتراض [بطريق المعارضة] إذا عارض السائل.
-
٩٥٨- والنوع الرابع من المنع: المنع من كون ما أبداه المسئول علة ١
فيقال: ما الدليل على أن ما أظهرته علة فيتمسك المسئول بما يثبت به العلل وقد مضى القول فيه مفصلا.
-
٩٥٩- فوجوه المنع إذا على ما نظمه هؤلاء أربعة: المنع من أصل التعليل والمطالبة بتعيين ٠ التعليل] والمطالبة بتحقيق [وجود] ما ادعاه المعلل علة ومنع الحكم والمطالبة بإثبات ما عينه.
-
٩٦٠- وزاد بعض المتكلفين منع القياس والمطالبة بإثبات أصل القياس وهذا ليس بشيء [فإنا] في الاعتراضات على القياس وقد ثبت أصله على منكريه فهذه وجوه المنع في الأصل.
-
٩٦١- فأما المنع في الوصف٢ فلا يتجه فيه إلا منع واحد وهو منع وجود علة الأصل في الفرع وباقي الوجوه توجه على الأصل فإن من وجوه المنع في الأصل المطالبة بأن ما أظهره والمستنبط يصلح لكونه علة وهذا حقه أن يخصص بالأصل إذ منه الاستنباط وإليه الرد به والاعتبار إذا ثبت صلاح ذلك المعنى لكونه علة لم يحتج إلى ذلك في الفرع وقد انتجز الفراغ منه فلا يبقى مع الفراغ من مطالبات الأصل إلا ممانعة في أن المعنى الذي ثبت علة في الأصل غير موجود في الفرع وهذا يسمى منع الوصف وقد انتهى غرضنا من القول في المنع
ج ٢ ص ١٠٠و [الثاني] من الأعتراضات الصحيحة: طلب الإخالة.
-
- ٩٦٢ذا وهذا من أهم الأسئلة وأوقعها في الأقيسة المعنوية فعلى المتمسك بما يدعيه معنى أن يوضح [مناسبته] للحكم واقتضاءه له وإشعاره به فإذا عجز عن ذلك مع ادعائه المعنى كان ذلك انقطاعا منه بينا.
-
٩٦٣- قد وقد قال القاضي رحمه الله في بعض مجاري كلامه: ليس هذا من الأسئلة والاعتراضات بل حق على كل مسئول أن يبدأ بإظهار الإخالة قبل أن يطالب بها فإنه لا يكون آتيا بصورة القياس المعنوي إلا على هذا الوجه ولو سكت عن إظهاره كان مقتصرا على بعض العلة.
-
نعم لو ضمن تعليله لفظا ظاهرا أشعر بالإخالة كفى ذلك فإن وجه السائل طلبا كان منسوبا إلى القصور عن درك لفظ التعليل هذا إذا كان تمسكه بقياس المعنى.
-
٩٦٤- فأما إذا تمسك بقياس الشبه فلا مناسبة ولا إخالة على الوجه المذكور في المعاني ولكن قد يحتاج المشبه إلى إظهار الشبه الخصيص المغلب على الظن فيكون الطلب بذلك والجواب عنه على حسب ذلك كما إذا شبهنا الوضوء بالتيمم فقد التزمنا أن نذكر شبها أو أشباها تقرب الفرع من الأصل وإن كان لا يقتضي الحكم اقتضاء الإشعار والإخالة ولا يقع الاكتفاء بأمور عامة لا تغلب على الظن ولا يتعرض المشبه لأمر عام إلا وينتقض عليه تشبيهه وإذا تصون عن النقض بارتياد خصوص الأشباه فقد خصص شبها مغلبا على الظن.
-
و [الثالث] من الاعتراضات الصحيحة: القول بالموجب ١.
-
٩٦٥ - ولا شك أنه إذا استد على شرطه أسقط الاستدلال وقطع المستدل.
-
ثم الأصوليون تارة يقولون٢: القول بالموجب ليس اعتراضا وهو لعمري كذلك لأنه لا يبطل العلة لأنه إذا جرت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تجري وحكمها متفق عليه أولى ولكن المتمسك بها في محل النزاع منقطع فإنه أبداها محتجا
ج ٢ ص ١٠١بها وهو يروم إثبات المتنازع [فيه] وقد تبين أن الأمر على خلاف ما قدر وهو بمنزلة ما لو رام إثبات المختلف فيه ونصب علة في غير محل النزاع.
-
٩٦٦- ثم القول بالموجب ينشأ من اعتناء المعلل بموجب الحكم ولا يتصور قول [بالموجب] ومضمون العلة نفي حكم وإثبات حكم فإن المعلل يثبت ما ينفيه الخصم من الحكم أو ينفي ما يثبته فكيف يتصور المطابقة والأمر كذلك؟
-
نعم، إذا قال الحنفي في مسألة ماء الزعفران: ماء طاهر خالطه طاهر فالمخالطة لا تمنع صحة الوضوء قال السائل [الشافعي] المخالطة لا تمنع.
-
ثم ينقسم في هذا مقام السائل فقد ينقدح له [إبداء مقتضى] آخر سوى ما ذكره المعلل مع الاستمرار على الخلاف في الحكم فهذا إن اتفق فهو الغاية في هذا الفن من الاعتراض والغالب في ذلك أن يكون المعلل ذاكرا لبعض ما هو [علة] عند السائل فيبين المعترض أنه ليس موجبا على حياله وهو كما ضربناه مثالا الآن فإن المخالطة لها أثر عند الشافعي ولكنها بمجردها لا توجب منع الاستعمال.
-
فإن زاد المسئول فقال: المخالطة المغيرة لا توجب منع الاستعمال ألزم السائل القول بالموجب أيضا فإن المخالطة المغيرة لا تمنع التوضؤ فإن زاد وقيد الاعتلال بتفاحش التغيير وإمكان الاحتراز لم يجد أصلا يقيس عليه فإن حذف التعرض للموجب فقال: ماء طاهر خالطه طاهر فيجوز التوضؤ به انتقضت العلة كماء الباقلاء إذا كان مغليا بالنار وهذا مضيق يدفع فلا يجد المعلل محيصا عن التعرض للنقض أو القول بالموجب.
-
- ٩٦٧ ومما يطرأ في هذا الفن شيء ليس للرد والقبول فيه مجال وقد ينتهي الأمر بين المعترض والمجيب إلى قريب من الإلباس ونحن نبين الوجه فيه.
-
[فإذا] قال الشافعي في مسألة تمكين العاقلة مجنونا: جنون أحد المتواطئين لا يوجب درء الحد عن الموصوف بالعقل كجنون الموطوءة.
-
فقد يقول الحنفي: الجنون ليس دارئا وإنما الدارئ خروج وطء المجنون عن كونه زنا فليست المرأة ممكنة زانيا.
-
فيقول المجيب: إن صح ما قلت فالجنون هو الذي أخرج فعله عن هذه التسمية وغرضي إسقاط أثر الجنون فيقول المعترض: نصبت الجنون علة وهو عندي علة العلة وإطلاق التعليل [بالجنون] يشعر بكونه مماسا للحكم من واسطة فيجر التفاوض
ج ٢ ص ١٠٢لبسا والذي يختاره المعلل أن [يقي] [علته] مواقع اللبس حتى لا يكون متمسكا بما يلتحق بمجملات الألفاظ على ما سنعقد في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.
-
٩٦٨- فالوجه إذا أن نقول: لا ينتهض الجنون سببا فإن قيل بموجب علته أمكن الدفع فإنما يؤثر وإن كان لا يستقل يسمى سببا وإن كان لا يحسن تسميته موجبا ما لم يستقل وحفر البئر سبب الهلاك في الشرع وتسمية سببا لا يجحده أحد من حملة الشريعة وإن كان لا يستقل ما لم ينضم إليه أسباب.
-
وإذا قال القائل: ثبت هذا الحكم بأسباب كان كلاما منتظما ومعناه أنه أثبت باجتماع أسباب ولا يحسن أن يقال ثبت هذا الحكم بعلل إذا كانت كل واحدة لا تستقل بالاقتضاء فإن العلة المركبة من أوصاف يجوز أن يسمي كل وصف منها سببا في الحكم من حيث إنه لا بد منه وليس كل وصف علة وإنما العلة مجموع الأوصاف وإذا قال القائل لا ينتهض كذا سببا وكان لما ذكره أثر عند الخصم ولا يستقل الحكم دونه فلا يمكنه والحالة هذه أن يقول بموجب العلة.
-
و [الرابع] من الاعتراضات: النقض.
-
٩٦٩- وهو تخلف الحكم في بعض الصور مع وجود ما أدعاه المعلل [علة] ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة.
-
وحكى أصحاب المقالات عن طوائف من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله أنهم قالوا ليس النقض من مبطلات العلل ولكن متى عورضت علة المعلل بنقض فعليه تعليل تلك المسألة التي ألزمها نقضا والفصل بينهما وبين [المسائل] التي ادعى اطراد العلة فيها.
-
ونحن نذكر مسالك الفريقين ولا نتعدى مسلكا حتى نتبعه بما عندنا فيه ثم نذكر عند نجاز المسألة ما هو الحق المبين عندنا.
-
٩٧٠- فأما الصائرون إلى أن النقض يبطل العلة فقد تمسكوا بطرق: منها أنهم قالوا: النقض يلحق العلة بعد أن نقضت بالقول المتكافئ والأقوال المتكافئة ساقطة وبيان ذلك بالمثال: أن من قال في محاولة إثبات تحليل النبيذ: مائع فيحل [كالماء] والمعلل غير مبالي بدخول الخمر وغيرها نقضا والمعترض يقول: مائع فيحرم كالخمر وهو أيضا لا يحتفل بما يرد عليه من النقض وليس أحد المسلكين بأولى من الثاني
ج ٢ ص ١٠٣وهذا فيه نظر عندنا من جهة أن بطلان المسلكين كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسالك المعاني والأشباه المعتبرة فلا يكاد يقوى التعلق بهذا والمعترض متمكن من إبداء وجه من الإبطال سوى ما ادعاه المتمسك بالطريقة.