فصل: في الفرق

٥٢ فقرة، ج ٢ ص ١٣٧

الصفحة ١ من ٢

  1. ١٠٦٥- فأما الفرق فقد ظهر خلاف أرباب الجدل [فيه] قديما وحديثا فذهب ذاهبون إلى أنه ليس باعتراض وسبق إليه طوائف من الأصوليين وذهب جماهير الفقهاء إلى أنه من أقوى الاعتراضات وأجدرها بالاعتناء به فأما من لم يعده اعتراضا مقبولا فإن متعلقه وجوه.

    ج ٢ ص ١٣٧
  2. منها: أن الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع للأصل في كل القضايا وإنما مغزاه ومنتهاه إثبات اجتماع الأصل والفرع في الوجه الذي يبغيه فإذا استتب له ما يريده من ذلك وينتحيه وكان وجها يعترف به الفقيه في قصد الجمع ويرتضيه فالفرق يقع وراءه وهو قار على حاله وصاحب الجمع معترف بأنه غير ملتزم اجتماع الفرع والأصل في كل ورد وصدر وكل سؤال استمكن المعلل من الاعتراف بمقتضاه مع الاستمرار على مقصده من العلة فليس قادحا وإنما الاعتراض القادح ما يرد مناقضا لمقصود المسألة نعم إن تمكن من [وقف موقف الفارقين] من إبطال الجمع فذاك السؤال اعتراض مقبول وليس فرقا وإنما يتحقق هذا بان يخرم ما جاء به المعلل زاعما أنه مناسب مخيل فيتبين أن الذي تعلق به غير مشعر بالحكم ويلتحق كلامه بالطرد المقضي ببطلانه فإذا تمكن السائل من ذلك فلا حاجة به إلى الفرق وإنما الفرق هو الواقع بعد سلامة فقه الجمع فينبغي ألا يلتزم لما سبق من أنه غير مناقض لمقصود المعلل.

  3. ١٠٦٦- وذهب معظم المحققين إلى قبول الفرق وعده من الأسئلة الواقعة.

    ج ٢ ص ١٣٨
  4. واحتج القاضي رحمه الله بأن متبوعنا في الأقيسة والعمل بها وما درج عليه الأولون قبل ظهور الأهواء واختلاف الآراء ولقد كانوا يجمعون ويفرقون وثبت اعتناؤهم بالفرق حسب ثبوت تعلقهم بالجمع وقد ثبت ذلك في وقائع جرت في مجامع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

  5. منها: القصة الجارية في إرسال عمر بن الخطاب١ رضي الله عنه رسوله وتحميله إياه تهديد مومسة وإجهاضها بالجنين لما بلغها الرسالة ثم أنه رضي الله عنه جمع الصحابة واستشارهم في الجنين فقال عبد الرحمن بن عوف٢ رضي الله عنه: إنه مؤدب ولا أرى عليك بأسا، فقال علي٣ رضي الله عنه: إن لم يجتهد فقد غشك وإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة.

    قال القاضي رحمه الله: كانوا رضى الله عنهم لا يقيمون مراسم الجمع والتحرير ويقتصرون على المرامز الدالة على المقاصد فكأن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا وجعل الجامع أنه فعل ما له أنه يفعله.

  6. فاعترض عليه علي رضي الله عنه وشبب الفرق وأبان أن المباحات المضبوطة النهايات ليست [كالتعزيرات] التي يجب الوقوف فيها دون ما يؤدى إلى إتلافات.

  7. ولو تتبع المتتبع مناظرات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل الجد وغيرها من قواعد الفرائض لألفى معظم كلامهم في المباحثات جمعا وفرقا ويهون على الموفق تقدير جريان الجمع والفرق من الأولين مجرى واحدا في طريق النقل المستفيض.

  8. ١٠٦٧- فهذا كلام القاضي ولا يتبين مدرك الحق إلا بتفصيل نبديه وفيه تبين

    ج ٢ ص ١٣٩مدرك الحق في الفرق.

  9. فنقول: رب فرق يلحق جمع الجامع بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع فقهيا فما كان كذلك فهو مقبول لا محالة غير معدود من الفروق التي يختلف فيها ومن آية هذا القسم أن الفارق [يعيد] جمع الجامع ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره ومثال ذلك أن الحنفي إذا قال في مسألة البيع الفاسد معاوضة جرت على تراض فتفيد ملكا كالصحيح فيقول الفارق المعنى في الأصل أنها معاوضة جرت على وفق الشرع [فنقلت] الملك بالشرع بخلاف المعاوضة الفاسدة فينتهض هذا الكلام إذا وفي صاحبه بتحقيقه مبطلا إخاله كلام المعلل وما أدعاه من إشعاره بالحكم فهذا النوع مقبول ومن خصائصه إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق بأن يقول السائل: لا تعويل على التراضي بل المتبع الشرعي في الطرق الناقلة إلى حد ما يعرفه الفقيه.

  10. ١٠٦٨- ومما يقع مدانيا لهذا أن الحنفي إذا قال طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة فالفارق يعيد كلامه ويزيد قائل: المعنى في الأصل أنها طهارة بالماء عينيه والوضوء طهارة حكمية ومقصودة أن [يخرم] فقه الجامع ويلحقه بالطرد.

  11. وهذا محطوط عما استشهدنا به أولا من جهة أنا نرى مدار الكلام في هذه المسألة على الأشباه وقد يظن الحنفي أن الطهارة بالماء أشبه بالطهارة بالماء والفارق يدعى مسلكا فقهيا وإنما يبغي تشبيها ومدار الكلام في المسألة الأولى على اتباع التراضي أو اتباع الشرع فليفهم الفاهم ما يلقى إليه من حقائق الكلام.

  12. ١٠٦٩- ومما نجريه مثلا أن المالكي إذا قال الهبة عقد تمليك فيترتب على صحة الإيجاب والقبول فيها الملك [كالمعاوضة] فإذا قال الفارق: المعاوضة متضمنها النزول عن المعوض والرضا بالعوض وذلك يحصل بنفس العقد والتبرع عقد لا يقابله عوض فيشترط فيه [الإقباض] المشعر بنهاية الرضا [لم يكن هذا الفرق مبطلا بالكلية فقه الجمع ولكن سره أن الجامع أبدا يجمع بوصف عام] والفارق يفرق بوجه خاص فإن لم يبطل ما أبداه من خصوص الفرق في عموم الجمع فهذا مما تنازع فيه الأصوليون وإن أبطل فقه الجمع فلا شك في كونه اعتراضا.

  13. ١٠٧٠- ثم الفرق والجمع إذا ازدحما على فرق فاصل في محل النزاع فالمختار فيه اتباع الإخالة فإن كان الفرق [أخيل] أبطل الجمع وإن كان الجمع [أخيل] سقط الفرق وإن استوى أمكن أن يقال: هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتا على صيغة التساوي وأمكن أن يقال: الجمع مقدم من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض له والجامع يقول: لم ألتزم انسداد مسالك الفرق كما ذكره الذين ردوا الفرق فالأوجه اتجاهه ووجوب الجواب عنه.

    ج ٢ ص ١٤٠
  14. ١٠٧١- فإن قيل: هلا قلتم: الفرق يشتمل على معارضة معنى الأصل ثم معارضة العلة بعلة مستقلة في جانب الفرع فهو على التحقيق سؤالان؟ قلنا: قد قال بقبول المعارضة كل معتبر عليه معول ومضى في معارضة معنى الأصل ما فيه مقنع والكلام في الفرق وراء ذلك فإنه ينتظم من مجموع كلام الفارق فقه يناقض قصد الجامع وهو خاصية الفرق وسره ومن رد الفرق لا يرد المعارضة بل يرد خاصية الفرق.

  15. ١٠٧٢- وحاصل القول في مذاهب الجدليين يئول إلى ثلاثة مذهب:

    أحدها: رد الفرق جملة وإنما يستمر هذا المذهب مع المصير إلى رد المعارضة في جانبي الأصل والفرع جميعا وخاصية الفرق مردودة هذا عند القائل بما سبق تقريره من أن الجامع إذا استمر جمعه لم يحتفل بالافتراق في وجه لم يقع له التعرض ورد الفرق على الإطلاق يستند إلى إبطال المعارضة في الأصل والفرع وعدم المبالاة بوقوع الفرق من وجه بعد استمرار الجمع من الجهة التي أرادها الجامع.

  16. فهذا مذهب وهو عند المحصلين ساقط مردود.

  17. ١٠٧٣- والمذهب الثاني: وهو معزو إلى ابن سريج وهو مختار الأستاذ أبي إسحاق رحمه الله: أن الفرق ليس سؤالا على حياله واستقلاله وإنما هو معارضة [معنى] الأصل بمعنى ومعارضة العلة التي نصبها المسئول في الفرع بعلة مستقلة ومعارضة العلة بعلة مقبولة فإن تردد المترددون في معارضة معنى الأصل فالفرق عند هذا القائل آيل إلى ما ذكره والمقبول منه المعارضة وقد مضى القول بالغا في قبول المعارضة.

  18. ١٠٧٤- والمذهب الثالث: وهو المختار عندنا وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين أن الفرق صحيح مقبول وهو وإن اشتمل على معارضة معنى الأصل ومعارضته علة [الفرع] بعلة فليس المقصود منه المعارضة وإنما الغرض منه مناقضة الجمع.

  19. ثم الصحيح المقبول منه ينقسم على الوجه المقدم إلى ما يبطل فقه الجمع رأسا ويلحقه بالطرد وهذا على التحقيق ليس هو الفرق المطلوب فإنه أبدى سقوط فقه علة الخصم على صيغة مخصوصة.

    ج ٢ ص ١٤١
  20. ومنه مالا يحيط فقه الجمع بالكلية ولكنه يشتمل على فقه آخر مناقض لقصد الجامع ثم ذلك ينقسم إلى زائد في الإخالة على العلة وإلى مساويها كما سبق.

  21. ١٠٧٥- والقول الوجيز فيه أن قصد الجمع ينتظم بأصل وفرع ومعنى رابط بينهما على شرائط بينة والفرق معنى يشتمل على ذكر أصل [وفرع] وهما يفترقان فيه وهذا يقع على نقيض غرض الجمع ومن ضرورته معارضة معنى الأصل والفرع ولكن الغرض منه مضادة الجمع بوجه فقه أو بوجه شبه إن كان القياس من فن الشبه فعلى هذا إذا لو سمى [مسم] الفرق معارضة لم يكن مبعدا ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمعارضة على الطرد والعكس لاتصال أحدهما بالآخر بل القصد منه فقه ينتظم من معارضتين يشعر بمفارقة الأصل للفرع على مناقضة الجمع.

  22. فهذا سر الفرق وسنبين أثر ذلك في التفاصيل.

  23. ١٠٧٦- ومن وفر حظه من الفقه وذاق حقيقته استبيان أن المعارضة الكبرى التي عليها تناجز الفقهاء وتنافس الكلام على الفرق والجمع أبدا يأتي بما يخيل اقتضاء الجمع ويكون ما يأتي به في محل يأتي الفرق صفة عامة بالإضافة إلى الفرق ويأتي الفارق بأخص منه مع الاعتراف به ويبين أن الفرع والأصل إذا افترقا في الوجه الخاص كان الحكم بافتراقهما أوقع من الحكم باجتماعهما للوصف العام ثم يتجاذبان أطراف الكلام.

  24. فهذا قول بالغ في تحقيق المذهب وسر كل رأي وبيان المختار الذي ينتحيه المحققون وما مهدناه يتهذب بمسائل نذكرها تترى إن شاء الله تعالى.

  25. مسائل في الفرق.

  26. مسألة:
  27. ١٠٧٧- إذا ذكر الفارق معنى في الأصل مغايرا المعنى المعلل وعكسه في الفرع وربط [به] الحكم مناقضا لحكم علة الجامع فهل يشترط رد معنى الفرع إلى الأصل على القول بقبول الفرق.

  28. ذهب طوائف من الجدليين إلى أن ذلك لا بد منه وهذا ينبني على أصلين: أحدهما: المصير إلى إبطال الاستدلال على ما سيأتي القول فيه مشروحا بعد نجاز القول في القياس إن شاء الله تعالى ومن ينفي الاستدلال لا يجوز الاستمساك قط بمعنى غير مستند إلى أصل وإن كان مناسبا مخيلا فهذا أحد الأصليين.

    ج ٢ ص ١٤٢
  29. و [الأصل] الثاني: أن الغرض من الفرق المعارضة [والمعارضة] ينبغي أن تشتمل على علة مستقلة.

  30. فهذا مأخذ هذا المذهب.

  31. ١٠٧٨- قال القاضي رحمه الله: رأينا تصحيح الاستدلال على ما سيأتي ولو كنت من القائلين بإبطال الاستدلال لقبلته على صيغة الفرق فإن الغرض [من الفرق] إبداء فقه يناقض غرض الجامع وهذا يحصل من غير رد إلى أصل ثم قد يقع الكلام وراء ذلك في ترجيح العلة على ما أبداه الفارق من حيث إن العلة مستندة إلى أصل وما أظهره الفارق لا أصل له وفيه كلام يطول استقصاؤه في الترجيح.

  32. فآل حاصل القول في هذه المسألة إلى أن من يري الفرق معارضة ينزل منزلة المعارضات ومن يرى خاصية الفرق [في] مضادة جمع الجامع فلا يشترط فيه ما يشترط في العلة المستقلة.

  33. مسألة:

  34. قريبة المأخذ من التي تقدمت:
  35. ١٠٧٩- ذهب ذاهبون من الذين صاروا إلى أن شرط الفرق استناده في جانب الفرع إلى أصل [إلى] أن الفارق إذا أبدى في الأصل معنى مغايرا لمعنى المعلل فينبغي أن يرد ذلك أيضا إلى أصل فيأتي في كلامه في شقي الفرع والأصل بأصلين ولا شك أن صدر هذا الكلام عن رأي من ينكر الاستدلال ولا يراه حجة.

  36. وذهب آخرون ممن يشترط استناد الفرع إلى الأصل إلى أن ذلك غير مشروط في الأصل واحتج كل فريق على مخالفة بما عن له.

  37. ١٠٨٠- فأما من لم يشترط ذلك فتمسك بأن الغرض الأظهر من الفرق معارضة معنى الأصل والتحاقه في محل النزاع فإذا [أيد] ذلك بأصل فقد وفى بالمعارضة في محل الخلاف فكفاه ذلك وأيضا فإنا لو [كلفناه] إلحاق معناه الذي أبداه.

  38. في جانب الأصل بأصل فقد لا يمتنع في ذلك الأصل الذي نقدره معارضه معنى آخر ثم قد ينقدح رد ذلك المعنى إلى أصل ثابت.

    ج ٢ ص ١٤٣
  39. ويلزم من مساق ذلك أن يقال إذا عورض معنى الأصل فعلى المسئول وقد عورض معناه بمعنى غيره أن يأتي بمعناه الذي ادعاه بأصل [آخر] فإنه والمعترض تساويا في ادعاء معنيين فليس أحدهما [بالاحتياج] إلى إبداء أصل آخر أولى من الثاني إذ المسألة فيه [إذا] لم يبطل أحدهما معنى صاحبه بل اقتصر على معارضته ثم لا يزالان كذلك في كل مستند وتتعطل المسألة عن غرضها وتحوج المعلل والمعترض إلى أصول لا ينتهي القول فيها إلى ضبط وهذا ظاهر البطلان.

  40. ١٠٨١- وقد نقل بعض النقلة: أن من صار إلى التزام ذلك يذهب إلى أن الكلام لا يقف أو ينتهي الكلام إلى أصل يتحد معناه ولا يتأتي معارضة فيه وهذا تكلف عظيم وأمر معوص.