فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة
٢٨٥ فقرة، ج ٢ ص ٩٧
الصفحة ٦ من ٨
- ج ٢ ص ١٢٥
١٠٣١- والغرض من مضمون هذه المسألة أن افتراق البابين على الجملة فيما نحن فيه ليس يوجب افتراقهما أبدا بل إن أطلق ذلك فالمراد به الافتراق في خصوص أحكام في صورة معينة فليجتنب الجامع في جمعه محل افتراق البابين وليلزم مع هذا الاجتناب شرائط الأقيسة فهذا الرشد والمسلك القصد.
- والسادس- من الاعتراضات- القلب ١:
-
١٠٣٢- وهو ينقسم إلى قلب فيه التصريح بالحكم وإلى قلب وضعه إبهام الغرض.
-
فأما القلب الصريح: فقد مثله أهل هذا الشأن [بأن] الشافعي إذا قال عضو من أعضاء الطهارة فلا يتقدر الفرض فيه بالربع قياسا على سائر الأعضاء فيقول الحنفي عضو من أعضاء الطهارة فلا يكتفي فيه بما ينطلق عليه الاسم قياسا على سائر الأعضاء وهو مما ظهر فيه الاختلاف.
-
١٠٣٣- فذهب ذاهبون إلى رده وتمسكوا بأن ما جاء به القالب ليس مناقضا
ج ٢ ص ١٢٦لمقصود المعلل ومقصود المعلل نفى التقدير بالربع وضده أن يتقدر بالربع فلا يستمكن القالب من ذلك أبدا فإن أصل المعلل والقالب واحد ولا يتصور أن يشهد أصل واحد على التصريح بنقيضين وإن فرض إجزاء ذلك فالأصل يشهد لأحد الوجهين دون الثاني فالقلب إذا حائد عن مقصد المعلل ومحل العلة وهو في حكم معارضة في غير محل التعليل والمعارضة إذا لم تجر على المناقضة المحققة بموجب العلة فهي غير قادحة لوقوعها مجانبة لمقصود العلة.
-
١٠٣٤- ومن قال: إن القلب قادح استدل بأن العلة وقلبها في الصورة التي ذكرناها مشتملان على حكمين لا سبيل إلى الجمع بينهما فإن من يكتفي بالاسم لا يقدر ومن يقدر لا يكتفي بالاسم فإذا كان كذلك فقد تحقق اشتمال العلة والقلب على أمرين لا يتأتى التزام جمعهما على الموافقة فكان ذلك كالتصريح بالمناقضة.
-
١٠٣٥- ثم للقلب عند القائل به مرتبة على المعارضة من جهة أن العلتين المتعارضتين تعتزى كل واحدة منهما إلى أصل لا يشهد للعلة الأخرى والأصل متحد في العلة وقلبها [فكان ذلك أبين] في التناقض.
-
ومن أسرار هذا أن القالب لا يأتي بالقلب وهو يجوز كونه متعلقا بما يريده ولو كان رام ذلك لكانت العلة قلبا لما يبغيه فإن كان القلب قادحا من جهة كونه قلبا فعلة الخصم قلب القلب فإذا وضع القالب على الإبطال وهو في حكم معارضة الفاسد بالفاسد وإبانة عدم شهادة الأصل على المراد فالعلة إذا عورضت بأخرى فلا يمتنع ارتباط الحكم بإحداهما للترجيح كما سيأتي مفصلا إن شاء الله تعالى فهذا مغزى قول الفريقين.
-
١٠٣٦- ونحن نقول: ما وقع الاستشهاد به في حكم مسح الرأس باطل [لا] من جهة القلب ولكن من جهة جريان الكلام من الجانبين طردا فإن إطلاق اسم العضو لا يشعر بمقصود المعلل ولا مقصود القالب فخرج الكلامان عن رتبة الإشعار ووقعا طردين.
-
فإن قيل: إن لم [يستد] القياس المعنوي فهلا قدر أحد الكلامين شبها وهلا قدرا شبهين متعارضين قلنا ما نرى الأمر كذلك فإن أعضاء الوضوء غير متشابهة لا في أقدار محل الفرض ولا في كيفية تأدية الفرض إذ بعضها مستوعب وبعضها غير مستوعب وبعضها مغسول وبعضها ممسوح.
-
فإذا قال القائل: عضو من أعضاء الطهارة فلا يتقدر فرضه بالربع فليس.
- ج ٢ ص ١٢٧
الذي جاء به من الشبه في شيء إذ ليس في عضو من الأعضاء ما ينافى تقديرا وإنما لها أوضاع في الشرع وفاقية وهي في وضع الشرع على التقارب فمن يبغى شبها في التسوية في نفي أو إثبات فليس كلامه واقعا في مظنة التشبيه.
-
فإن عاود معاود بأن الأعضاء الثلاثة التي هي أصل القياس متساوية في عدم التقدير بالربع والمطلوب التشبيه في هذه الخصلة قيل له: هي وإن لم تتقدر ففرضها مختلف الأقدار في وضعها فلم يتأصل فيها شبه في ثبوت ولا نفى وما [يتخيله] القائل على بعد يصادمه ما تقرر من وقوع فرائضها على التفاوت في الشرع والمتمسك بما لم يقع في جميعها لا حاصل له إذ لم يقع في الوجه واليدين ما وقع في الرجلين ولم يقع في الرجلين ما وقع في الوجه واليدين لما ذكرناه من ابتناء الأصل على التفاوت فلم [يمنع أن] يتفق الربع في الرأس ولا يقع في سائر الأعضاء.
-
١٠٣٧- نعم، لو قال القائل: ورد ذكر الرأس محلا للمسح وثبت بالسنة المأثورة أن الاستيعاب غير واجب ولم يثبت توقيف في مقدار والتقدير استنباط واعتبار [والتحكم] به محال فيبقى اسم المسح مطلقا مع بطلان المصير إلى طرفي الاستيعاب والتقدير فيتعين والحال هذه حمله على أقل مقتضيات الاسم.
-
فهذا مسلك حسن بالغ في المسألة ولكنه ليس من القياس بسبيل وإنما هو متلقى من الكتاب والسنة وإبطال [الاحتكام] بالتقدير فليس قياسا ولا يستقل في هذا الطريق ظاهر الكتاب ولا يقتضى ما نقل أن النبي عليه السلام مسح بناصيته وظاهر عمامته ولا يختص إبطال مذهب الخصم في التقدير بل لا بد من التعرض لإبطال اشتراط الاستيعاب بالسنة وإبطال التقدير وإذا بطلا وانحسم جواز فهم كل واحد منهما من ظاهر الخطاب لم يبق للمسح مصرف إلا التنزيل على أقل مقتضى التسمية.
-
وأين يقع هذا من القياس؟ وإنما هو مسلك بدع جدا لا يعهد له نظير.
-
١٠٣٨- فإن قيل لو قدر التعليل الذي ذكرتموه مثلا مخيلا مناسبا وقدر القلب مناسبا في غرضه فماذا كنتم تقولون قلنا هذا أولا لا يتصور فليثق الفاهم بهذا فإن الأصل الواحد لا يجوز أن يدل على حكمين نقيضين ويشعر بكل واحد منهما.
-
وإذا كان لا يتفق وقوع الشيء فلا معنى لتقدير بفرض الكلام عليه فإن كانت إخالة فإنها تختص بالعلة ويقع القلب طردا ويختص بالقلب وتقع العلة طردا ثم
ج ٢ ص ١٢٨يبطل ما وقع طردا ولا معنى والحالة هذه لابتغاء مسلك في البطلان وراء ما ذكرناه فإن الطرد ليس على صيغ الأدلة حتى يتوقع فيه اعتراض وإنما هو دعوى عرية بمثابة دعوى المذاهب.
-
١٠٣٩- ولو تكلف متكلف في محال الأشباه استمساك المعلل والقالب بوجهين من الشبه يطابق في طريق الظن كل وجه من الشبه مراد صاحبه في الوجه الذي أبداه معللا أو قالبا.
-
فهذا إن تشبثوا به موضع الكلام وتلتبس به الحظوظ المعينة بالمراسم الجدلية فلا يشك ذو نظر أن القلب لا يعارض العلة معارضة المضادة ومناقضة النفي للإثبات بل يقع القلب للعلة في طرفين فيتجه من طريق الجدل إذا كان المسئول هو المقلوب عليه أن يقول للسائل: لم تتعرض لمقصود علتي؟ وأنت محمول على حصر كلامك في الاعتراض على مساق كلامي ممنوع عما يكون فرضا وتخصيصا للكلام بجانب من جوانب المسألة فهذا وجه لائح من وجوه الجدل.
-
١٠٤٠- وإن قال السائل: اتباع المقاصد أولى من التمسك بالصيغ والألفاظ فالعلة وقلبها يعسر الجمع بينهما مذهبا ومعنى والمعارضة المناقضة على التصريح إنما كانت اعترافا من جهة استحالة الجمع بينها وبين العلة وإذا تحقق عسر الجمع بين مقتضى العلة وموجب القلب كان القلب في وجه قدح المعارضة كالمعارضة.
-
وقد تحقق هذا النوع من الكلام بأن المجتهد إذا استنبط علة لعمل أو فتوى وعن له وجه من القلب فلا يحل له إمضاء الاجتهاد بموجب العلة [ما لم] يدفع القلب وإذا كان كذلك فشرط سلامة العلة السلامة من القلب والمسئول قد التزم الإتيان بعلة سليمة من الاعتراضات فعليه الوفاء بالملتزم ويقع القلب على هذا التقدير مطالبة بتسليم العلة عما يقدح فيها.
-
وإذا اتجه هذا المسلك المعنوي لم تقف له تلفيقات الجدليين.
-
١٠٤١- ومما يحقق الغرض والمقصد منه أن منصب السائل في وضع الجدل يمنعه من الدليل ويحصر كلامه في التعرض للاعتراضات ثم إذا عارض علة المسئول بعلة فهو في مقام المستدلين ولكن قبل ذلك لوقوع ما أتى به اعتراضا.
-
١٠٤٢- فهذا منتهى كلام الجدليين وأصحاب المعاني من الأصوليين ولى بعد
ج ٢ ص ١٢٩المسلكين نظر آخر وهو مختاري.
-
فأقول: إن كان مضمون القلب تعرضا لطرد لا يناسب مضمون العلة من طريق المعنى ولكن اتفق مذهب الخصم في الطرفين على مقتضى في نفي أو إثبات ولا يمتنع أن يفرق بينهما فارق فيثبت أحدهما وينفى الثاني ولكن القائل قائلان أحدهما: يثبت أمرا والثاني: ينفيه ولو قدر مصير صائر إلى إثبات أحدهما: ونفى، الثاني: لم يكن ذلك متناقضا فإذا وقع القلب والعلة على هذا النسق فالقالب فارض وقلبه غير قادح [لا] جدلا ولا معنى إذ لا تعلق لواحد من الطرفين بالثاني وكأن المسئول فرض الكلام في طرف وفرض السائل الكلام في طرف آخر وهذا ممنوع لا شك فيه.
-
ويمكن أن نمثل [هذا] بما قدمناه في العلة والقلب في مسح الرأس لو أخذنا بكونهما شبهين فإن المعلل قال في حكم علته: لا يتقدر الفرض بالربع وقال القالب: لا يكتفى بالاسم [ولا يمتنع من طريق المعنى ألا يتقدر بالربع ولا يكتفى بالاسم] وهذا يقوى جدا إذا صح مذهب معتبر غيرهما.
-
والأمر كذلك في المسح فإن مالكا رضي الله عنه أوجب الاستيعاب فلا ينتهض اتفاق مذهبي [الخصمين] في الطرفين على نفي وإثبات سببا في توجه الاعتراض إذا لم يكن الكلام في وضعه قادحا.
-
فأما إذا كان في القلب تعرض من طريق المعنى لمناقضة مقتضى العلة أصلا وسياقا وتفريعا فهذا إذ ذاك قدح من جهة تلاقي العلة والقلب على قضية التناقض ضمنا وإن لم يتلاقيا صريحا.
-
وهذا بمثابة قول القائل: مكث في محل مخصوص فلا يكون قربة لعينه كالوقوف بعرفة وغرض المعلل اشتراط الصوم في الاعتكاف ولكنه لم يستمكن من اشتراط ذلك صريحا لأنه لو صرح به لم يجد أصلا.
-
فإذا قال الشافعي: مكث فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفة فهذا القلب لم يتعرض للعلة تعرضا بينا فكان قادحا.
-
١٠٤٣- والقول الضابط في ذلك أن قول القائل لا يستقل بإثبات مذهبة من جهة أنه لا يكتفى بانضمام كل عبادة إلى الاعتكاف ولكن لم يتأت له التصريح فأبهم.
- ج ٢ ص ١٣٠
وأثبت طرفا من المذهب فإذا استمكن القادح تصريحا في مصادمته فيما [شبب] به تلويحا كان ذلك قدحا معينا.
-
- ١٠٤٤وفي القلب شيء يجب التنبه له وهو أن الصوم عبادة مستقلة فوقوعها شرطا بعيد وهي عبادة معينة في ذاتها والخصم لا يكتفي بانكفاف المعتكف عن المفطرات حسب اكتفاء المصلي الصائم بالإمساك والذي وقع القياس عليه لا يشترط فيه قربة مستقلة بل هو ركن من عبادة فكان لزوم القلب متجها.
-
- ١٠٤٥ولو علل الشافعي بما ذكرناه على صيغة القلب فقال: مكث في مكان مخصوص فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفه.
فقال الحنفي: فلا يقع بمجرده قربة كالوقوف بعرفة فهذا معترض لعله الشافعي من جهة أن متضمن القلب [إنكار] وقوع المكث المحض قربة فعلى الشافعي أن يدرا هذا القلب ودرؤه ممكن بأن يقول الوقوف جزء في عبادة وليس الاعتكاف من الصوم ولا الصوم من الاعتكاف إذ ليسا عبادة واحدة واشتراط عبادة في عبادة بعيد خلا الإيمان فإنه أصل ولا يعقل ملابسة فرع دونه وليس القلب في صورته [مبطلا إبطالا] لا يستدرك كالنقض فإنه لا ينفع بعد اتجاهه فرق ولا تعليل فإن القلب وإن اتجه فهو في معرض المعارضة وإذا عورضت علة المجيب وتمكن من إبطال ما عورض به وترجيح علته سلمت العلة واندفعت المعارضة.
-
فهذا منتهى الكلام في القلب المصرح به.
-
١٠٤٦- فأما القلب المبهم فينقسم قسمين:
أحدهما: إبهام في غير تسوية.
-
والآخر: إبهام بالتسوية.
-
فالإبهام من غير تسوية مثل أن يقول الحنفي صلاة شرع فيها الجماعة فلا يثنى فيها الركوع في ركعة واحدة قياسا لصلاة الخسوف على صلاة العيدين فيقول القالب فجاز أن تختص بزيادة كصلاة العيدين إذ فيها تكبيرات زائدة فهذا قلب مبهم.
-
١٠٤٧- والقاضي رحمه الله قضى بإبطال هذا القلب وذكر وجوها [نسردها] ونتتبعها.