مراتب قياس المعنى
١٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٥
الصفحة ٣ من ٥
- ج ٢ ص ٢١٤
١٢٨١- وأبعد المذاهب عن الصواب إيجاب القصاص على المكره دون المكره المحمول فإنه زعم أن فعل منقول إلى مكره وكأنه آلة له.
-
وهذا ساقط مع المصير إلى [أن] النهي عن القتل متجه مستمر على المكره القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف الشرع إياه ومن ضرورة كون الشيء آلة انقطاع التكليف عنه فتخصيص المكره بإلزام القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له.
-
١٢٨٢- [ووجه] مذهب زفر في القياس لائح وهو: أنه رأى المحمول ممنوعا ولم ير أثر الإكراه في سلب المنع والنهي والمباشرة تغلب على السبب إذا استقلت فارتبط بها التكليف والتصريف من الشارع.
-
١٢٨٣- والذي يختاره أصحاب الشافعي ينبني على ما ذكرناه لزفر في استقلال المباشرة وهذا يقتضي إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء إحباط الإكراه وإسقاط أثره [بالكلية] فإنه موقع القتل غالبا والإكراه من أسباب تقرير الضمان فيبعد تعطيله وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة فالوجه تنزيلها منزلة الشريكين ولا شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل صاحبه من.
- ج ٢ ص ٢١٥
جهة أنه يخرجه عن كونه قتلا ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما.
-
فإذا لم يصر أحد إلى إسقاط القصاص عن الحامل والمحمول لضعف ما صدر عن كل واحد منهما أما ضعف المباشر فمن جهة كون المباشرة [محمولا] وأما ضعف الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف يوهي أثر الإكراه فليس أحدهما بالضعف أولى من الثاني فلا سبيل إلى تخصيص القصاص بأحدهما وقد ثبت أن القصاص أولى بأحدهما وقد ثبت أن القصاص لا يسقط عنهما وقرب تنزيلهما منزلة الشريكين.
-
١٢٨٤- ولكن القول في هذا ينحط عن القول في الشريكين من جهة اختلاف السبب والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس بابه ثم يتعارض مأخذ مذهب زفر وأبي حنيفة والترجيح لزفر.
-
١٢٨٥- ومأخذ إيجاب القصاص عليهما يتشوف إلى جمع نكتتي المذهبين مع امتناع إسقاط القصاص [عنهما جميعا وإيجاب القصاص] على شهود الزنا إذا رجعوا بعد إقامة الرجم أظهر من إيجاب القصاص على المكره الحامل من جهة أن الإكراه يضعف ببقاء التكليف على المحمول ولا خيرة للقاضي بعد إقامة البينة وليس ممنوعا منع المكره المحمول بل النية أوجبت على القاضي إقامة الرجم ولذلك لم يختلف قول الشافعي في وجوب القصاص عليهم اختلافه في المكره.
-
أما الشهود على القصاص إذا رجعوا فإن فرض رجوع المدعي واعترافه فلا وجه لوجوب القصاص على الشهود فالطريق القطع بتغليب المباشرة وإن فرض الكلام في استمرار المدعي على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط في مرتبة الاجتهاد عن شهود الزنا فإن المدعي على خيرته.
-
ولو ذهبنا نستقصي هذه الأمثلة لطال الكلام وإنما غرضنا التنبيه.
-
١٢٨٦- ولم يوجب الشافعي عقوبة في هذا المساق أبعد من إيجابه حد الزنا على المرأة إذا نكلت عن اللعان بعد لعان الرجل فإن هذا سفك دم بقول المدعي وهو في مسلك القياس يداني إيجاب القصاص بأيمان المدعي في مسلك لوث القسامة ولولا الخبر لما اقتضى القياس ذلك.
-
١٢٨٧- وهذا أوان تغليب حق المدعي عليه من طريق القياس.
قال الشافعي: إذا كان القصاص لحقن الدم والهلاك لا يستدرك وإذا رجع
ج ٢ ص ٢١٦الغرض إلى حقن دم الباقين فرعاية حقن دم الجاني وهو غير مسفوك أولى واللعان أبعد من القسامة من جهة أن الشرط فيها ظهور اللوث عند الحاكم وهو غير مشروط في اللعان غير أن المعتمد في القسامة الخبر الصريح والمعتمد في اللعان يستند إلى شيئين:
أحدهما: أنا لا نجد بدا من الخروج عن قانون الحجج فالاستمساك بظاهر القرآن العظيم أقرب وحمل العذاب على الجنس بعيد.
-
وبالجملة نفي إيجاب الحد وتغليب حقن دمها أقرب عندي إلى مأخذ الشريعة.
-
١٢٨٨- ومن عجيب الأمر أن قول الشافعي اختلف في القصاص:
هل يجب بأيمان القسامة؟ ولم يختلف في وجوب الحد على المرأة مع تعرض الحد الواجب [لله تعالى] فيه للسقوط بما لا يسقط القصاص به وسبب هذا أن خبر القسامة ورد في [الغرم] وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهذا وغيره في أمثال ما ذكرناه من قواعد الشريعة.
- ونحن نختتمه بأمر بديع يقضي الفطن [العجب] منه:
-
١٢٨٩- فالمرتبة الأولى: العلمية تكاد أن لا تكون جزءا من المنصوص عليه.
-
والمرتبة الأخيرة: نعنى اللعان والقسامة لا يستقل المعنى فيها ولم نرسمها مرتبة في القياس من حيث لم نرها مستقلة.
-
فهذه جملة كافية في التنبيه على المراتب وضابطها القريب من القاعدة والبعيد منها مراتب قياس الشبه.
-
١٢٩٠- ونحن نذكر الآن مراتب قياس الشبه.
-
فنقول: مجال هذا القسم [عند] انحسام المعنى المخيل المناسب فإذا لم نجد معنى للحكم الثابت أو صادفنا ما يخيل غير صحيح على السبر فالوجه رد النظر إلى التشبيه.
-
١٢٩١- ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام [مراتب] قياس المعنى.
-
فالواقع في المرتبة الأولى هو الذي يسميه الأصوليون في معنى الأصل ولا يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع معلوما كان في المرتبة العالية.
- ج ٢ ص ٢١٧
وقد سبق [القول في] الاختلاف فيها هل يسمى قياسا أو هو ملتقى من الألفاظ والنص؟
-
١٢٩٢- والوجه عندنا في ذلك أن يقال إن كان في اللفظ إشعار به من طريق اللسان فلا نسميه قياسا كقوله عليه السلام من أعتق شركا له في عبد قوم عليه فهذا وإن كان في ذكر فالعبودية مستعملة في الأمة وقد يقال للأمة عبدة وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا في وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس مفض إلى العلم وهو قاعدة الأشباه بعد ونظيره إلحاق الشافعي عرق الكلب بلعانة في التعبد برعاية العدد والتعفير.
-
١٢٩٣- فإذا زال العلم وكان الشبه يفيد غلبة الظن ولا يفسد لدى السبر والعرض على الأصول [فهو مقبول] وإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند المحققين والأشباه بين طرفي قياس المعنى والطرد.
-
١٢٩٤- والذي لاح من كلام الشافعي أن أقرب الرتب من المراتب المعلومة إلحاق الزبيب بالتمر في الربا وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج عن الرتبة إلحاق [الرز بالحنطة والذرة بالشعير ثم يلي هذه الرتبة] الوضوء بالتيمم في الافتقار إلى النية ولهذا قال الشافعي [مستبعدا] طهارتان فكيف تفترقان؟
-
١٢٩٥- ونحن نقول في ذلك كل شبة يعتضد بمعنى كلي فهو بالغ في فنه وذلك إذا كان المعنى لا يستقل مخيلا مناسا.
-
وبيان ذلك فيما وقع المثل به: أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا من كلى الشريعة أنها [مبنية] على الاستصلاح فإذا لم يلح صلاح ناجز يظهر من المآخذ الكلية ربط ما لا غرض فيه ناجز بصلاح في العقبى وهو التعرض للثواب ولا سبيل إليه إلا بقصد التقرب فإذا وجدنا طهرا كذلك متفقا عليه ثم كان المختلف فيه غير معقول المعنى ظهر فيه وقع التشبيه في الافتقار إلى النية المحصلة غرض العقبى.
-
١٢٩٦- فليتخذ الناظر هذا معتبرا في الرتبة الأولى من الأشباه المظنونة ولم يبلغ مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهرين في أحكام وشرائط.
-
وإلحاق المطعومات التي لا تقدر بكيل ووزن طريقة الأشباه عندنا فإن مسالك.
- ج ٢ ص ٢١٨
الإخالات باطلة فلا يبقى إلا التشبيه.
-
ثم سبيل هذا التشبيه النظر إلى المقصود من المنصوص عليه وقد لاح أن المقصود هو الطعم وبطل اعتبار القوت لمكان الملح وسقط اعتبار [التقدير] لجريانه في الجنسين والجنس على وتيرة واحدة ولاح النظر إلى المقصود مع الاعتراف بأنه غير مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض في العقبى كما ذكرناه في القسم الأول من المظنونات.
-
ولولا ما ثبت عندنا في الاضطرار إلى تعليل المنصوصات في الربا لما لاح لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع القياسين وجدنا إتباع المقصود أقرب مسلك ولهذا وقع في المرتبة الثانية.
-
١٢٩٧- فإن قيل: هل ترون الشبه الخلقي في غير مجانسة ومماثلة معتبرا؟.
-
قلنا: لا، إلا أن نشير إلى أن اعتبار الخلقي أصل الشريعة كما ثبت ذلك في جزاء الصيد وقد ثبت قريب منه في الحيوانات المشكلة في الحل والحرمة.
-
وما ذكره أبو حنيفة في [اعتبار الانطراق] والانطباع في الجواهر المعدنية في الزكاة طرد عندنا.
-
١٢٩٨- ومن أبواب الشبه ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض فيقع لذلك الشبه ثانيا وهو كالتردد في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة؟
-
فالذي يقتضيه القياس المعنوي عدم الضرب اعتبارا بجملة المملوكات والذي يقتضيه الشبه اعتباره بالحر.
-
فإن قيل: هذا أيضا في الشبه الخلقي وقد أنكرتموه.
-
قلنا: ليس الأمر كذلك فإن العبد يفرض قتله على الجهة التي يفرض فيها قتل الحر إذ قد يظن على بعد أن سبب التعاون في الحمل في الديات ما يقع [من] الخطأ بالقتل بين أصحاب الأسلحة وهذا يتفق في الحر والعبد على جهة واحدة.