مراتب قياس المعنى

١٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٥

الصفحة ٤ من ٥

  1. ١٢٩٩- ومما يلتحق بهذا الفن القول في تقدير أروش أطراف العبيد بالسبب الذي يقدر [به] أطراف الأحرار فالذي يقتضيه القياس المعنوي نفي التقدير واعتبار ما ينتقص من القيمة نظرا إلى المملوكات سيما على رأي تقديره قيمه العبيد وتنزيلهم منزلة البهائم التي تضمن بأقصى قيمتها وهذا مذهب ابن سريج والظاهر

    ج ٢ ص ٢١٩من مذهب الشافعي أنها تقدر ومعتمده الشبه.

    ج ٢ ص ٢١٨
  2. ١٣٠٠- فإن قيل: فما الوجه في المثالين؟.

  3. قلنا: الوجه في مسألة التقدير مذهب الشافعي فإن الشارع أثبت [للحر] بدلا حتى لا يحبط إذا قتل خطأ ثم قاسموا أطرافه بجملة بمعان لا تنتهي أفهام المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن ألا [تتقدر] أروش أطراف الحر فإنا ألفينا في جراح الأحرار حكومات غير مقدرة فلئن اقتضى شرف الحر تقدير دينه فهذا لا يطرد في أطرافه فلما تأصل في الطرف تقدير وطرف العبد في العبد كطرف الحر في الحر فلا التفات إلى خروج قيمة العبد عن التقدير.

  4. ١٣٠١- فإن قيل: [فقدروا] أطراف البهائم.

  5. قلنا: لم يتحقق فيها أنها تقع موقع أطراف الأحرار في الأحرار فهذا الشبه أولى من المعنى الكلي من جهة أنه أجلى وأليق بالغرض وأميز للمقصود هذا والمضمون من الحر والعبد الدمية.

  6. ١٣٠٢- أما القول في تحمل العقل والقيمة فالأظهر عندنا التمسك بالمعنى لعبد تحمل العاقلة العقول عن مدارك العقول وقد يظن أن العبيد لا يخالفون الأحرار في تعاطيهم الأسلحة وإن ذكر فيهم ذلك فقد يتعدى إلى الدواب في تجاول الفرسان فكان تقدير أروش أطراف الأحرار معللا بمعان اعتقدناها ولم ندرك حقيقتها وضرب العقل [يشبه] تحكم المالك على المملوكين [فالأحزم] أن [لا] يضطرب فيها [بالخطى] الوساع.

  7. ١٣٠٣- ومما يعده الفطن قريبا مما نحن فيه إلحاق القليل من الدية بالكثير في الضرب على العاقلة.

  8. ونحن نرى ذلك المسلك الأعلى من الشبه من جهة أن أصل الضرب ثابت وهو جاز في القليل عند كثرة الشركاء جريانه في الكثير وليس هو مبينا على الإجحاف بالمحمول عنه فإن الدية محمولة على الموسرين فكأن الضرب ثبت في الشرع مسترسلا [على الأقدار] من غير اعتبار مقدار وهذا من جملة الأمثلة التي ذكرناها تكاد أن تلتحق بالمرتبة المعلومة أو تدانيها.

  9. ١٣٠٤- فهذه قواعد الأشباه المعتبرة ونحن نجدد فيها ترتيبا بعد ما وضحت.

  10. الأصول ونبني الغرض على سؤال وجواب وهو السر وكشف الغطاء.

    ج ٢ ص ٢٢٠
  11. ١٣٠٥- فإن قيل: إن تعلق الناظر بوجه من الشبه فما وجه تقريره إذا نوقش فيه؟.

  12. فإن قال المشبه: ما ذكرته يغلب على الظن.

    فقال له المعترض: ليس كذلك فما سبيل درئه وكيف الجواب عن سؤاله؟

  13. ولا شك أن غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى شبه يقتضيها ولا بد من ذكره وبه يتميز الشبه عن الطرد وكل شبه يقتضي الظن فلا بد أن تنتظم عبارة وعربة عنه ثم أن تأتي وانتظم ذلك سالما عن القوادح فهو معنى إذا فترجع الأشباه إلى معان خفية ويبطل تقسيم الأقيسة إلى المعنوي والشبهي.

  14. ١٣٠٦- قلنا: هذا السؤال بحث عن لباب الفصل وحقيقته فلا يتصور استقلال [شبه] دون ما ذكره السائل ولكن سبيل القول فيه أن الشبه يستند إلى مأخذين هما الأصل وبعدهما أمر ثالث ينبه [عليه] .

  15. أحدهما: الأمثلة وجريانها على مقتضى الشبه.

  16. وهذا كإلحاقنا اليسير بالكثير في الضرب على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة آحاد الشركاء مع تناهيها في القلة وينضم إليه بطلان اعتبار المواساة المشروعة بسبب خيفة الإجحاف.

  17. فيخرج [مما] ذكرناه وأمثاله أن ضرب العقل لا ينتهي إلى موقف في قلة [ولا كثرة] وليس هذا معنى مخيلا [مناسبا] وإنما هو متلقى من أصل الوضع بالمسلك الذي ذكرناه فهذا إذا ظهر قليلا التحق [بالقسم] الذي يسمى قياسا في معنى الأصل كما سنذكره في آخر هذا الفصل فهذا وجه.

  18. ١٣٠٧- والوجه الثاني: وهو الذي يدور عليه معظم الأشباه إن ثبت معنى على الجملة في قصد الشارع ولا يدخل في الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا أن الشارع قدر أرش يد الحر بنصف الدية لنسبة لها مخصوصة إلى الجملة لا يضبطها والإصبع دونها في [الغناء] وهذا لا شك فيه ولكنا إذا أردنا أن نطلع عليه وعلى الوجه الذي لأجله يقتضي التشطير لم يكن ذلك ممكنا وهذا يناظر علمنا بأن الشارع فرق بين التافه والنفيس من المسروق ثم قدر النفيس بدينار أو ربع دينار.

  19. فالأصل معلوم ولا اطلاع على المعنى الذي يقتضي هذا المقدار ويناسبه.

    ج ٢ ص ٢٢١
  20. فإذا تمهد ذلك وكان اعتبار يد العبد بيد الحر شبها فإنا نعلم أن غناء يد العبد من جملته كغناء يد الحر من جملته فهذا إذا يستند إلى معنى معتقد [على الجملة] من قصد الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه.

  21. ومهما اتجه هذا النوع كان بالغا جدا مقدما على المعاني الكلية المناسبة.

  22. ١٣٠٨- فأما الأمر الثالث الموعود: فالتشبيه بالمقصود وهذا لا استقلال له إلا أن يضطر إلى التمسك بتقدير علم الحكم المنصوص عليه.

  23. ومثال ذلك الأشياء الستة المنصوص عليها في الربا فلو هجم الناظر عليها ولم يتقدم عنده وجوب طلب علم لم يعثر على فقه قط ولا شبه فإن الفقه مناسب جار مطرد سليم على السبر والشبه متلقي من أمثلة أو مخيل معنى جملي والرأي لا يقضي بواحد منهما في نصب الطعم علما ولكن إذا ثبت طلب العلم وانحسم المعنى المسبور والجملي فلا وجه إلا أن يقال: إذا لم يثبت الحكم لأعيان هذه الأشياء ثبت لمعانيها هي المقصودة منها.

  24. ١٣٠٩- ثم ينتصب على ذلك شاهدان:
  25. أحدهما: من قبيل التخصيص وهو اختلاف الحكم باتحاد الجنس واختلافه.

  26. والثاني: عموم قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" ١ [إلا مثل بمثل] فهذه معاقد الأشباه ثم لا حاجة إلى تكلف الميز بينها وبين الطرد.

  27. ١٣١٠- فإن قيل: المعلوم الذي يسمى قياسا في معنى الأصل ما مستند العلم فيه؟.

  28. قلنا: اكتفى بعض الضعفة بادعاء العلم وانتهى إلى دعوى البديهة وزعم أن جاحده في حكم جاحد الضرورات.

  29. ونحن نوضح الحق في ذلك ونقول: كون العتق في العبد بمثابة كونه في الأمة والرق فيهما أيضا على وتيرة واحدة وهذا معلوم قطعا ولا يمتنع أن ينص الفصيح على واحد من الأمثال ويرغب عن التعلق بالألفاظ العامة ويجعل ما ذكره مثالا

    ج ٢ ص ٢٢٢لحكم يؤسسه [كالواحد] منا إذا أراد أن يبين حكم البيع فقد يقول: من باع [ثوبا] فقد زال ملكه عنه فيؤثر ضرب مثل لخفته عليه في مجارى الكلام وهذا أن ساغ لا استكراه فيه ولا يمتنع في تحكمات الشرع تخصيص سريان العتق بالعبد.

  30. لكن لو كان كذلك لتعين في حكم البيان التنصيص على التخصيص [فإذا] لم يجر ذلك انتظم من مجموعة القطع بثبوت القياس في معنى الأصل.

  31. ١٣١١- ولو نص الشارع على موصوف وذكر فيه حكما تقتضيه تلك الصفة اقتضاء اختصاص فهذا النوع من التخصيص بتضمن نفي ما عدا المنصوص وهو المفهوم وقاعدته كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" ١ فأما لو قدر مقدر من الشارع أن يقول في عفر الغنم زكاة فهذا ليس في مرتبة المفهوم ولا يصلح [أيضا] لإجراء مثالا بخلاف العبد الذي يجرى مثالا في المملوكين.

  32. فإذا لا يقول الشارع مثل هذا فإنه من التخصيص العرى عن الفائدة.

  33. فليفهم الناظر هذه المنازل والترتيب بعد ذلك كله.

  34. ١٣١٢- فالمرتبة الأولى: للمعلوم وقد بينا مأخذه.

  35. ١٣١٣- والمرتبة الثانية: لما يتلقى من الأمثلة كإلحاق القليل من العقل [في الضرب] على العاقلة بالكثير فإن ذلك قريب جدا من الرتبة المعلومة.

  36. ١٣١٤- والمرتبة الثالثة: ما يستند إلى معنى كلى لا تحيط الأفهام والعبارات بتفصيله كما ذكرناه في تقدير أروش الأطراف وافتقار طهارة الحدث إلى النية.

  37. ١٣١٥- وأنا أرى الطهارة تنحط في الرتبة عن تقدير الأروش فإن تقدير الأروش يستند إلى أغراض ناجزة نعتقد أصولها ونقصر عن درك تفصيلها وأمر الثواب خفي في الطهارة لا يتأتى فيه من الاطلاع ما يتأتى في مستند تقدير الأروش فلا بأس إذا لو قدر افتقار الطهارة إلى النية كرتبة متأخرة عن تقدير أروش أطراف العبيد.

  38. وأما نصب المقاصد فمسترسل كما سبق تقديره في الربويات فهذا لا يستقل بنفسه دون الإرهاق إلى نصب العلم وهو دون المرتبة الثالثة.

  39. ١٣١٦- ونحن نختم هذا الأصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول:

    ج ٢ ص ٢٢٣اختلف العلماء في أن العبد هل يملك؟.

  40. ومأخذ الكلام من طريق التشبيه ما نصفه أما من يقول يملك فشبهه بالحر من جهة أن الحر فطن مؤثر مختار طلوب لما يصلحه دافع لما يضره لبيب فطن أريب والعبد في هذا كالحر فهذا شبه فطري غير عائد إلى [الصورة] وإنما راجع إلى المعاني التي بها يتهيأ الإنسان لمطالبة ومآربه.