زيارة القبور
١٠٦ فقرة، ج ١ ص ١٧٨
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ١٩٥
وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكل هذه الاشياء من البدع التي تضارع دين النصارى).
-
وذكر قبل ذلك بسطور عن الامام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام عليه.
-
وهو مذهب الشافعية أيضا، فقال النووي في (المجموع) (٥/ ٣١١) : وقال الامام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني - وكان من الفقهاء المحققين - في كتابه في (الجنائز) : (ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله) .
قال: (وعلى هذا مضت السنة) .
قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الان من المبتدعات المنكرة
ج ١ ص ١٩٦شرعا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله) قال: (فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة) .
-
وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، فقال شيخ الاسلام في (القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة) (ص ١٢٥) : (ومذهب الائمة الاربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الاسلام أن الرجل إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، تم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام. وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة) .
-
وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه صلى الله عليه وسلم ويستدبر القبلة (١) ، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الاسلام في (الجواب الباهر) (ص ١٤) بعد أن ذكر هذا المعنى: وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الاكثرين أرجح، وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح) قلت: لقد ترك الشيخ رحمه الله المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة،
ج ١ ص ١٩٧لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الاكثرين يقولون باستقبال وجهه صلى الله عليه وسلم أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة.
- (١)وأما ما رواه اسماعيل القاضي في (فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) (رقم ١٠١ بتحقيقي وطبع المكتب الاسلامي) عن ابن عمر (أنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيضع، يده على قبره ويستدبر القبلة ثم يسلم عليه) فضعيف منكر كما بينه في التعليق عليه.
-
الامر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل.
-
لاثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحدا من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو في القبور عامة.
-
نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الاثر) .
-
أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦) والضياء في (المختارة) (٥٨/ ١٩٢ / ١) من طريق الطبراني
وقال الترمذي: (حسن غريب) .
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: (ليس بالقوي) .
وقال ابن حبان: (ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له) .
قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الاحاديث الصحيحة وقد مضى قريبا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) منكر لتفرد هذا الضيف به.
-
إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في (مرقاة المفاتيح) (٢/ ٤٠٧) : (فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء) .
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله صلى الله عليه وسلم بوجهه على القبور، وأما الاقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر
ج ١ ص ١٩٨غير هذا، وهو مما لا أعرفه.
-
فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلا واضحا على أن المار بالقبور يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلا.
-
ولا ينافي ما تقدم عن الامام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، لانها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل في إسحاق القاضي وغيره.
-
ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لانفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه فمن البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال (لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها) (١)
- (١)انظر (قاعدة جليلة) لابن تيمية (ص ٥٣ - ٦٢).
-
١٢٥ - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار، كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: في النار، فكأن الاعرابي وجد من ذلك، فقال: يارسول الله! فأين أبوك؟ قال:
(حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار).
قال: فأسلم الاعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار).
-
أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١/ ١٩١ / ١) وابن السني في (عمل اليوم والليلة)
- ج ١ ص ١٩٩
رقم (٥٨٨) والضياء المقدسي في (الاحاديث المختارة) (٣٣٣١) بسند صحيح، وقال الهيثمي (١/ ١١٧ - ١١٨) :
(رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح) .
-
وقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧) من هذا الوجه لكنه جعله من مسند عبد الله ابن عمر، وقال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ٢) :
(إسناده صحيح، رجاله ثقات) .
قلت: لكنه شاذ، والمحفوظ أنه من مسند سعد كما بينته في (سلسلة الاحاديث الصحيحة) (١٨) .
-
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: (إذا مررتم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية، فأخبروهم أنهم من أهل النار) .
-
رواه ابن السني في (اليوم والليلة) (رقم ٥٨٧) بسند فيه يحيى بن يمان وهو سيئ الحفظ عن محمد بن عمر، ولم أعرفه عن أبي سلمة عنه.
-
لكن الظاهر انه (ابن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ثم واو بعد الراء، سقط من الطابع حرف الواو. وهو حسن الحديث.
-
وما ذكرنا في هذه المسألة هو مذهب الحنابلة كما في (كشاف القناع) (٢/ ١٣٤) وغيره من كتبهم.
-
١٢٦ - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه، لحديث بشيرين الحنظلية قال: (بينما أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ... أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك، فنظر، فلما عرف الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه، فرمى بهما) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وقد مضى بتمامه في المسألة (٨٨) (١)
- (١)قال الحافظ في (الفتح) (٣ - ١٦٠): (والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنعال = = السبتية دون غيرها! وهو جمود شديد. وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الحيلاء، فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها. وهو حديث صحيح. وقال الطحاوي: (يحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى). قلت: وهذا الاحتمال بعيد، بل جزم ابن حزم (٥/ ١٣٧) ببطلانه، وأنه من التقول على الله! والاقرب أن النهي من باب احترام الموتى، فهو كالنهي عن الجلوس على القبر الاتي في المسألة (١٢٨ فقرة ٦)، وعليه فلا فرق بين النعلين السبتيتين وغيرهما من النعال التي عليها شعر، إذ الكل في مثابة واحدة في المشي فيها بين القبور ومنافاتها لاحترامها، وقد شرح ذلك ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٥) ونقل عن الامأم أحمد أنه قال: (حديث بشير إسناده جيد، أذهب إليه إلا من علة). وقد ثبت أن الامام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨): (رأيت أحمد إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه). فرحمه الله، ما كان أتبعه للسنة.
- ج ١ ص ٢٠٠
١٢٧ - ولا يشرع وضع الاس ونحوها من الرياحين والورود على القبور، لانه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه " وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما:
(كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة) .
-
(١) رواه ابن بطة في (الابانة عن أصول الديانة) (٢/ ١١٢ / ٢) واللالكائي في (السنة)
- (١)ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبي صلى الله عليه وسلم شقي جريدة النخل على القبرين وقوله: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). متفق عليه وقد خرجته في (صحيح أبي داود) (١٥). فإنه خاص به صلى الله عليه وسلم بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف ولامور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي رحمه الله تعالى في (معالم السنن) (١/ ٢٧) تعليقا على الحديث: (إنه من التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الحوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه). قال الشيخ أحمد شاكر في تعيلقه على الترمذي (١/ ١٠٣) عقب هذا: (وصدق الحطابي، وقد ازداد العامة إصرارا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصا في بلاد مصر، تقليدا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للاحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه (الجندي = = المجهول) ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدا للافرنج، واتباعا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الاوقاف التي تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكررها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا) .. قلت: ويؤيد كون وضع الجريد على القبر خاص به، وأن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها أمور: أ - حديث جابر رضي الله عنه الطويل في (صحيح مسلم) (٨/ ٢٣١ - ٢٣٦) وفية قال صلى الله عليه وسلم: (إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين). فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعته صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بسبب النداوة، وسواء كانت قصة جابر هذه هي عين قصة ابن عباس المتقدمة كما رجحه العيي وغيره، أو غيرها كما رجحه الحافظ في (الفتح)، أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الاحتمال الاخر، فلان النظر الصحيح يقتضي أن تكون العلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولان كون النداوة سببا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعا ولا عقلا، ولو كان الامر كذلك لكان أخف الناس عذابا إنما هم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان لكثرة ما يزرع فيها من النباتات والاشجار التي تظل مخضرة صيفان شتاء! يضاف إلى ما سبق أن بعض العلماء كالسيوطي قد ذكروا أن سبب تأثير النداوة في التخفيف كونها تسبح الله تعالى، قالوا: فإذا ذهبت من العود ويبس انقطع، تسبيحه! فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله تبارك وتعالى: (وإن من شئ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم). ب - في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، أو بالاحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله (ثم دعا بعسيب فشقه اثنين) يعني طولا، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبسه بسرعة، فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق، فلو كانت هي العلة لابقاه صلى الله عليه وسلم بدون شق ولوضع عل كل قبر عسيبا أو نصفه على الاقل، فإذا لم يفعل دل على أن النداوة ليست هي السبب، وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذي أذن الله به استجابة لشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم كما هو مصرح به في حديث جابر، وبذلك يتفق الحديثان في تعيين السبب، وإن احتمل اختلافهما في الواقعة وتعددها. فتأمل هذا، فإنما هو شئ انقدح في نفسي، ولم أجد من نص عليه أو أشار إليه من العلماء، فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فهو مني، واستغفره من كل ما لا يرضيه. ج - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والاس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فعلوا لاشهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا، لانه من الامور التي تلفت النظر، وتستدعي الدواعي نقله، فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع، وأن التقرب به إلى الله بدعة، فثبت المراد. = = وإذا تبين هذا، سهل حينئذ فهم بطلان ذلك القياس الهزيل الذى نقله السيوطي في (شرح الصدور) عمن لم يسمه: (فإذا خفف عنهما بتسبيح الجريدة فكيف بقراءة المومن القرآن؟ قال: وهذا الحديث أصل في غرس الاشجار عند القبور)! قلت: فيقال له: (أثبت العرش ثم انقش)، (وهل يستقيم الظل واعوج)؟ القياس صحيحا لبادر إليه السلف لانهم أحرص على الخير منا. فدل ما تقدم على أن وضع الجريد على القبر خاص به صلى الله عليه وسلم، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعته صلى الله عليه وسلم ودعائه لهما، وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الاعلى ولا لغيره من بعده صلى الله عليه وسلم، لان الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، وهو من الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الرسول كما جاء في نص القرآن (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) واعلم أنه لا ينافى ما بينا ما أورده السيوطي في (شرح الصدور) (١٣١): (وأخرج ابن عساكر من طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن أبا برزة الاسلمي رضي الله عنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قبر وصاحبه يعذب، فأخذ جريدة فغرسها في القبر، وقال: عسى أن يرفه عنه ما دامت رطبة. وكان أبو برزة يوصي: إذا مت فضعوا في قبري معي جريدتين. قال: فمات في مفازة بين (كرمان) و (قومس)، فقالوا: كان يوصينا أن تضع في قبره جريدين وهذا مو ضع لا نصيبهها فيه، فينما هم كذلك إذ طلع عليهم ركب من قبل (سجستان)، فأصابوا معهم سعفا، فأخذوا جريدتين، فوضعوهما معه في قبره. وأخرج ابن سعد عن مورق قال: أوصى بريدة أن تجعل في قبره جريدتان). قلت: ووجه عدم المنافاة، أنه ليس في هذين الاثرين - على فرض التسليم بثبوتهما معا - مشروعية وضع الجريد عند زيارة القبور، الذي ادعينا بدعيتة عدم عمل السلف به، وغاية ما فيهما جعل الجريدتين مع الميت في قبره، وهي قضية أخرى، وإن كانت كالتي قبلها في عدم المشروعية لان الحديث الذي رواه أبو برزة كغيره من الصحابة لا يدل على ذلك، لا سيما والحديث فيه وضع جريدة واحدة، وهو أوصى بوضع جريدتين في قبره على أن الاثر لا يصح إسناده، فقد أخرجه الخطيب في تاريخ (بغداد) (١/ ١٨٣ ١٨٢) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) في آخر ترجمة نضلة بن عبيد بن أبي برزة الاسلمي عن الشاه بن عمار قال: ثنا أبو صالح سليمان بن صالح الليثي قال: أنبأنا النضر بن المنذز بن ثعلبة العبهدي عن حماد بن سلمة به. قلت: فهذا إسناد ضعيف، وله علتان: الأولى: جهالة الشاه والنضر فإني لم أجد لهما ترجمة. والأخرى: عنعنة قتادة فإنهم لم يذكروا له رواية عن أبي برزة، ثم هو مذكور بالتدليس فيخشى من عنعنته في مثل إسناده هذا. = = وأما وصية بريدة، فهي ثابتة عنه، قال ابن سعد في (الطبقات) (ج ٧ ق ١ ص ٤): أخبرنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عاصم الاحول قال: قال مورق: أوصى بريدة الاسلمي أن توضع في قبره جريدتان. فكان أن مات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في جوالق حمار. وهذا سند صحيح، وعلقه البخاري (٣/ ١٧٣) مجزوما. قال الحافظ في شرحه: (وكان بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين، قال ابن رشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: إنما يظله عمله). قلت: ولا شك أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة فيه، لانه رأى والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق. و (خير الهدى هدى محمد).
- ج ١ ص ٢٠١
(١/ ٢١ / ١) موقوفا بإسناد صحيح، والهروي في (ذم الكلام) (٢/ ٣٦ / ١) مرفوعا،
ج ١ ص ٢٠٢وما أراه إلا وهما.
-
وإنما يصح منه مرفوعا الشطر الأول منه وقد مضى حديث جابر.