تنبيه

٧١ فقرة، ج ٢ ص ٢٣٤٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. وروى الحاكم (٧) عن نصر بن محمَّد المعدّل، عن محمَّد بن القاسم بن شعبان الفقيه، قال: حدثنا الحسن بن عياض، ومحمّد بن أحمد بن حماد، قالا:

    ج ٢ ص ٢٣٥٣حدثنا محمَّد بن عبد الله -يعنيان ابنَ عبد الحكم، قال: قال الشافعي كلامًا كلَّم به محمّد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمّد بن الحسن، فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الرّوايات وإن لم تصح، فأنت أعلم، وإن تكلّمت بالمناصفة كلَّمتُك. قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء حَرَّمته؟ قال: بقول الله عَزَّ وَجَل: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ، وقال: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، وَالحرث لا يكون إلَّا في الْفَرْجِ، قلت: أفيكون ذلك محرَّمًا لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها؟ أفي ذلك [حرث] (١) ؟ قال: لا. قلتُ: أفيحرم ذلك؟ قال: لا. قلت: فلم تحتجّ بما لا حجّة فيه. قال: فإن الله قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [الآية] (٢) . قال: فقلت له: إنّ هذا مما يحتجّون به للجواز، إن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته [وما] (٣) ملكت يمينه. فقلت: أنت [يتحفّظ من زوجته ومما ملكت يمينه] (٤) .

    قال الحاكم: لعلّ الشّافعي كان يقول بذلك في القديم، فأما في الجديد؛ فالمشهور أنّه حرَّمه.

    ج ٢ ص ٢٣٥٢
  2. ٢٠٤٠ - قوله: قال الربيع: كذب والله الذي لا إله إلا هو قد نصّ الشافعي على تحريمه في ستَةِ كُتب. هذا سمعه أبو العباس بن الأصمّ من الربيع، وحكاه عنه جماعة، منهم: الماوردي في "الحاوي" (١) وأبو نصر بن الصباغ في "الشامل" وغيرهما.

    ج ٢ ص ٢٣٥٤
  3. وتكذيب الرّبيع لمحمد لا معنى له؛ لأنه لم ينفرد بذلك، فقد تابعه عبد الرّحمن ابن عبد الله أخوه عن الشّافعي، أخرجه أحمد بن أسامة بن أحمد بن أبي السّمح المصري، عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن، فذكر نحوه عن الشّافعي، وأخرج الحاكم عن الأصمّ عن الربيع، قال: قال الشافعي: قال الله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} احتملت الآية معنيين:

    أحدهما: أن تُؤتى المرأةُ [من] (٢) حيث شاء زوجها؛ لأنّ {أَنَّى شِئْتُمْ} يَأتي بمعنى: أين شئتم.

  4. ثانيهما: أن الحرث إنما يراد به النّبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب كلا من الفريقين تأوّلوا ما وصفتُ من احتمال الآية، قال: فطلبنا الدِّلالَةَ من السنّة فوجدنا حديثَيْن مختلِفَيْن؛ أحدهما ثابتٌ وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به.

  5. ٢٠٤١ - قوله: وفي "مختصر الجويني" أن بعضهم أقام ما رواه -أي ابن عبد الحكم- قولًا. انتهى.

    ج ٢ ص ٢٣٥٥
  6. وإن كان كذلك فهو قولٌ قديمٌ، وقد رجع عنه الشّافعي كما قال الرّبيع، وهو أولى من إطلاق الرّبيع تكذيب محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم؛ فإنه لا خلاف في ثقته وأمانته، وإنما اغتر محمّد يكون الشّافعي قصّ له القصّة الّتي وقعت له بطريق المناظرة [بينه وبين محمَّد بن الحسن، ولا شكّ أن العالم في المناظرة يتقلّد القولَ وهو لا يختاره، فيذكر أدلّته إلى أن ينقطع خصمُه، وذلك غير مستنكر في المناظرة] (١) ، والله أعلم.

  7. ٢٠٤٢ - قوله: وروي عن مالك. وقال بعد ذلك: ويعلم قوله الإتيان في الدبر بالميم؛ لما روي عن مالك قال: وأصحابه العراقيون لم يثبتوا الرِّواية. انتهى.

  8. قرأت (٢) في "رحلة ابن الصلاح" أنه نقل ذلك من كتاب "المحيط" للشّيخ أبي محمَّد الجويني، قال: وهو مذهب مالك، وقد رجع متأخرو أصحابه عن ذلك، وأفتوا بتحريمه، إلا أن مذهبه الجواز، قال: وكان عندنا قاضٍ يُقال له أبو واثلة، وكان يرى بجوازه، فرفعت إليه امرأةٌ زوجها، واشتكت منه أنه يطلب منها ذلك، فقال: قد ابتليتِ فاصبري.

  9. وقال القاضي أبو الطيب في "تعليقه" نصّ في "كتاب السر" عن مالك على إباحته. ورواه عنه أهلُ مصر وأهل المغرب.

    قلت: و "كتاب السر" وقفت عليه في كراسة لطيفة، من رواية الحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، وهو يشتمل على نوادر من المسائل، وفيها كثير مما يتعلّق بالخلفاء، ولأجل هذا سمي كتابَ السرِّ (١) ، وفيه هذه المسألة (٢) . وقد رواه أحمد بن أسامة التجيبي، وهذّبه ورتبة على الأبواب، وأخرج له أشباهًا ونظائرَ في كلِّ باب. وروى فيه من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكا عنه؟ فقال: ما أعلم فيه تحريمًا.

    ج ٢ ص ٢٣٥٦
  10. وقال ابن رشد في كتاب "البيان والتحصيل في شرح العتبية" : روى العتبي عن [ابن] (٣) القاسم، عن مالك أنه قال له. وقد سأله عن ذلك مُخْلِيًا (٤) به

    ج ٢ ص ٢٣٥٧فقال: حلال، ليس به بأس. قال ابن القاسم: ولم أدرك أحدًا أقتدي به في دين يشكّ فيه، والمدنيّون يروون فيه الرّخصة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

  11. يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر، وأبي سعيد.

  12. أمّا حديث ابن عمر؛ فله طرقٌ رواه عنه نافع، وزيد بن أسلم، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن يسار، وغيرهم.

  13. أمَّا نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدًّا، منها: رواية مالك، وأيوب، وعبيد الله بن عمر العمري، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر بن محمّد بن زيد (١) ، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.

  14. [٥٠٠١] - قال الدارقطني في "أحاديث مالك التي رواها خارج الموطأ" : حدثنا أبو جعفر الأسواني المالكي بمصر، حدثنا محمَّد بن أحمد بن حماد، حدثنا أبو الحارث أحمد بن سعيد الفهري، حدثنا أبو ثابت محمَّد بن عبيد الله (٢) ، حدّثني الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك على المصحف يا نافع، فقرأ حتى أتى على هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ، فقال: تدري يا نافع فيم أُنزلتْ هذه الآية؟ قال: قلت لا، قال: فقال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم النّاس ذلك، فأنزل الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} . الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟ قال: لا، [إلاّ في] (٣) دبرها. قال أبو

    ج ٢ ص ٢٣٥٨ثابت: وحدّثني به الدَّراوردي عن مالك، وابن أبي ذئب، وفيهما: عن نافع مثله.

  15. وفي تفسير البقرة من "صحيح البخاري" (١) :

    [٥٠٠٢] - حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان [ابن] (٢) عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، قال: فأخذت عليه يومًا، فقرأ سورةَ البقرة، حتى انتهى إلى مكان فقال: تدري فيم أنزلت؟ فقلت: لا. قال: نزلت في كذا وكذا، ثمّ مضى.

    [٥٠٠٣] - وعن عبد الصمد، حدثني أبي -يعني عبد الوارث- حدثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} قال: يأتيها في ... (٣) .

    قال: ورواه محمّد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، هكذا (٤) وقع عنده. والرّواية الأولى في "تفسير إسحاق بن راهويه" مثل ما ساق، لكن عين الآية وهي: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} وعَيَّنَ قولَه: "كذا وكذا" ، فقال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.

  16. وكذا رواه الطبري (٥) من طريق بن علية، عن ابن عون.

  17. وأمّا رواية عبد الصمد فهي في "تفسير إسحاق" أيضا عنه، وقال فيه: يأتيها

    ج ٢ ص ٢٣٥٩في الدبر.

  18. [٥٠٠٤] - وأما رواية محمَّد؛ فأخرجها الطبراني في "الأوسط" (١) عن علي ابن سعيد، عن أبي بكر الأعين، عن محمَّد بن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما نزلت {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} رخصةً في إتيان الدبر.

  19. وأخرجه الحاكم في "تاريخه" من طريق عيسى بن مثرود، عن عبد الرحمن ابن القاسم، ومن طريق سهل بن عمار، عن عبد الله بن نافع.

  20. ورواه الدارقطني في "غرائب مالك" من طريق زكريا السّاجي عن محمَّد بن الحارث المدني، عن أبي مصعب.

  21. ورواه الخطيب في "الرواة عن مالك" من طريق أحمد بن الحكم العبدي.

  22. ورواه أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" والدارقطني أيضا من طريق إسحاق بن محمّد الفروي.

  23. ورواه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" من طريق محمَّد بن صدقة الفدكي، كلهم عن مالك.

    قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك.

  24. [٥٠٠٥] - وأما زيد بن أسلم؛ فروى النّسائي (٢) والطبري (٣) من طريق أبي بكر ابن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر: أنّ رجلًا أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجد من ذلك [وجدًا] (٤) شديدًا،

    ج ٢ ص ٢٣٦٠فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} الآية.

  25. [٥٠٠٦] - وأمّا عبيد الله بن عبد الله بن عمر، فروى النسائي (١) من طريق يزيد ابن رومان، عنه: [أن] (٢) ابن عمر كان لا يرى به بأسا. موقوف.

  26. [٥٠٠٧] - وأما سعيد بن يسار؛ فروى النسائي (٣) والطحاوي (٤) والطبري (٥) من طرق عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إنّ عندنا بمصر الليث بن سعد يحدّث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار، قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري (٦) فنحمض (٧) لهن -والتحميض الإتيان في الدبر- فقال: أفٍّ! أَوَ يَفعل هذا مسلم؟ ! قال ابن القاسم: فقال لي مالك: أشهد على ربيعة يحدثني (٨) عن سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر عنه؟ فقال: لا بأس به.

  27. [٥٠٠٨] - وأما حديث أبي سعيد، فروى أبو يعلى (٩) وابن مردويه في

    ج ٢ ص ٢٣٦١"تفسيره" والطبري (١) والطحاوي (٢) من طرق، عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا أصاب امرأةً في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أثفرها (٣) . فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .

  28. ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب، عن هشام بن سعد، ولفظه: كنّا نأتي النّساء في أدبارهنّ، ويسمى ذلك الإثفار، فأنزل الله الآية.

  29. ورواه من طريق معن بن عيسى، عن هشام، ولم يسمّ أبا سعيد، قال: كان [رجل] (٤) من الأنصار ...

    قلت: وقد أثبت ابن عباس الرواية في ذلك عن ابن عمر، وأنكر عليه في ذلك، وبين أنه أخطأ في تأويل الآية:

    [٥٠٠٩] - فروى أبو داود (٥) من طريق (٦) محمَّد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، [و] (٧) كانوا يرون لهم فضلا عليهم من العلم، فكانوا يقتدون

    ج ٢ ص ٢٣٦٢بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل امرأةً من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنّا نُؤتَى على حرف، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني. فَسرى أمرُهما حتى بلغ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} -أي مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، يعني بذلك: موضعَ الولد.

  30. وله شاهد من حديث أم سلمة:
  31. [٥٠١٠] - قال الإمام أحمد (١) : حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله ابن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرّحمن فقلت: إنّي سائلكِ عن أمرٍ وأنا أستحيي أن أسألك، قالت: فلا تستحيي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء، [في أدبارهن؟ فقالت: حدثتني أمّ سلمة قالت: كانت الأنصار لا تجبي، وكانت المهاجرون تجبي] (٢) ، وكانت اليهود تقول: إنه من جَبى امرأتَه كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار، فجبوهن فأبت امرأةٌ أن تطيع زوجَها، وقالت: لن نفعل ذلك حتى آتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخلت على أمِّ سلمة فذكرت لها ذلك

    ج ٢ ص ٢٣٦٣فقالت: اجلِسي حتّى يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استحيت الأنصاريّة أن تسأله، فخرجت، فحدّثت أمُّ سلمةَ رسولَ الله، فقال: "ادعي (١) الأنصاريَّة" . فدُعيت فتلا عليها هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} صمامًا واحدًا.