ذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم وإبطالها
فقرة واحدة، ج ١ ص ٢٥
- ج ١ ص ٢٥
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَالِكِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ , قَالَ: " فَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ , فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ لَا يُحَصِّلُ عِلْمَ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ حَقِّهِ أَلَّا يَكُونَ عِلْمًا عَلَى الْحَقِيقَةِ بِظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ , إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ مَعْلُومُهُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ " قَالَ: وَتَعَلُّقُهُمْ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: ١٠] بَعِيدٌ , لِأَنَّهُ أَرَادَ تَعَالَى _ وَهُوَ أَعْلَمُ _: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ فِي إِظْهَارِهِنَّ الشَّهَادَتَيْنِ وَنُطْقِهِنَّ بِهِمَا , وَظُهُورُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ مَعْلُومٌ يُدْرَكُ إِذَا وَقَعَ , وَإِنَّمَا سُمِّيَ النُّطْقُ بِهَا إِيمَانًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهِ , وَعَلَمٌ فِي اللِّسَانِ عَلَى إِخْلَاصِ الِاعْتِقَادِ وَمَعْرِفَةِ الْقَلْبِ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا , وَلِذَلِكَ نَفَى تَعَالَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لَهُ , فِي قَوْلِهِ: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: ١٤] , أَيْ: قُولُوا: اسْتَسْلَمْنَا فَزَعًا مِنْ أَسْيَافِهِمْ. قَالَ: وَأَمَّا التَّعَلُّقُ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
ج ١ ص ٢٦لَمَّا أَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهِ وَجَبَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ وَصِحَّتِهِ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦] , وَقَوْلِهِ {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٦٩] فَإِنَّهُ أَيْضًا بَعِيدٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى تَعَالَى بِذَلِكَ أَنْ لَا تَقُولُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ إِيجَابَهُ , وَالْقَوْلُ وَالْحُكْمُ بِهِ عَلَيْكُمْ , وَلَا تَقُولُوا سَمِعْنَا وَرَأَيْنَا وَشَهِدْنَا , وَأَنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا وَتَرَوْا وَتُشَاهِدُوا , وَقَدْ ثَبَتَ إِيجَابُهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَتَحْرِيمِ الْقَطْعِ عَلَى أَنَّهُ صَدَقَ أَوْ كَذَبَ , فَالْحُكْمُ بِهِ مَعْلُومٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ , وَشَهَادَةٌ بِمَا يَعْلَمُ وَيَقْطَعُ بِهِ , وَلَوْ كَانَ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لَدَلَّ عَلَى صِدْقِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ صِدْقِ يَمِينِ الطَّالِبِ لِلْحَقِّ , وَأَوْجَبَ الْقَطْعَ بِإِيمَانِ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي , إِذْ لَزِمَنَا الْمَصِيرُ إِلَى أَحْكَامِهِمْ وَفَتْوَاهُمْ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ , وَهَذَا عَجْزٌ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ , فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ "