(مقتل كعب بن الأشرف)
٧ فقرات، ج ١ ص ٤٥٤
- ج ١ ص ٤٥٤
(١) حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا فليح بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: كان كعب بن الأشرف اليهودي أحد بني النّضير قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وقدم على قريش فاستعان بهم عليه، فقال أبو سفيان ابن حرب: أناشدك، أديننا أحبّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن ونطعم ما هبّت (الشمال (٢) قال: أنتم أهدى منهم
ج ١ ص ٤٥٥سبيلا. ثم خرج مقبلا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ ، معلنا بعداوته وهجائه. فقال رسول الله ﷺ : من لنا من ابن الأشرف، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن تقدم فينا طبائعهم، ثم قرأ النبي ﷺ على المسلمين ما أنزل الله فيه أن كذلك والله أعلم. قال «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً» (١) وآيات معها فيه وفي قريش.
-
حدثنا عبد الله بن رجاء قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطيه العوفي في قوله ﴿بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ قال: الجبت:
الشيطان. والطاغوت: كعب بن الأشرف.
-
حدثنا ابن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو (بن دينار) (٢) عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من يكفينا كعب بن الأشرف، فإنه آذى الله ورسوله؟» فقال محمد بن مسلمة (٣) : أتحب أن أقتله؟ قال:
ج ١ ص ٤٥٦«نعم» قال: ايذن لي. فأقول (١) ، قال: «قل» فقتله.
قال ابن شهاب في حديثه: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت» فقال محمد بن مسلمة» أنا يا رسول الله، أقتله؟ فقال النبي ﷺ : «نعم» فقام محمد منقلبا إلى أهله، فلقي سلكان بن سلامة (٢) في المقبرة عائدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له محمد:
إن النبي ﷺ أمرني بقتل كعب بن الأشرف، وأنت نديمه في الجاهلية، ولن يأمن غيرك، فأخرجه لي حتى أقتله، فقال سلكان: إن أمرني رسول الله ﷺ فعلت، فرجع محمد إلى رسول الله ﷺ ، فقال سلكان: يا رسول الله، أمرت بقتل كعب بن الأشرف؟ قال «نعم» قال: يا رسول الله
ج ١ ص ٤٥٧أمحلّلي ممّا قلت لابن الأشرف؟ قال: «أنت في حلّ ممّا قلت» فخرج سلكان، ومحمد بن مسلمة، وعبّاد بن بشر بن وقش (١) ، والحارث بن أوس بن (٢) معاذ، وأبو عبس بن (٣) جبر، حتى أتوه في ليلة مقمرة فتواروا في ظلال جذوع النخل، وخرج سلكان فصرخ بكعب، فقال كعب: من هذا؟ فقال سلكان: هذا يا أبا ليلى أبو نائلة، وكان كعب يكنى أبا ليلى، فقالت امرأته: لا تنزل
ج ١ ص ٤٥٨يا أبا ليلى، فإنه قاتلك، قال: ما كان يأتيني إلا بخير ولو يدعى الفتى لطعنة لأجاب (١) فخرج كعب، فلما فتح باب المربض قال: من أنت؟ قال: أخوك قال: فطأطئ لي رأسك. فطأطأ له فعرفه، فنزل إليه، فمشى به سلكان نحو القوم، فقال له سلكان:
جعنا وأصابنا شدة مع صاحبنا. فجئتك لأتحدث معك، ولأرهنك درعي في شعير، فقال له كعب: قد حدّثتك أنكم ستلقون ذلك، ولكن عندنا شعير، ولم تأتونا لعلنا أن نفعل. قال: ثم أدخل سلكان يده في رأس كعب ثم شمّه فقال: ما أطيب عبيركم (٢) هذا. فصنع ذلك به مرة أو مرتين حتى آمنه، ثم أخذ سلكان برأسه أخذة فصّاه (٣) منها. فخار عدو الله خارة رفيعة، فصاحت امرأته: وا صاحباه، فعانقه سلكان، وقال: اقتلوا عدوّ الله، فلم يزالوا يتخلصون (٤) بأسيافهم حتى طعنه أحدهم في بطنه طعنة بالسيف فخرج منها مصرانه، وخلصوا إليه فضربوه بأسيافهم، وكانوا في بعض ما يتخلصون إليه - وسلكان يعانقه - أصابوا عباد بن بشر في وجهه أو في رجله ولا يشعرون، ثم خرجوا يشتدون سراعا حتى إذا كانوا بجرف بعاث (٥) فقدوا صاحبهم ونزف الدم
ج ١ ص ٤٥٩فرجعوا أدراجهم فوجدوه من وراء الجرف فاحتملوه حتى أتوا به أهاليهم من ليلتهم، فقتل الله ابن الأشرف بعداوته لله ورسوله، وهجائه إيّاه، وتأليبه عليه قريشا، وإعلانه ذلك.
-
قال الحزامي (١) حدثنا ابن وهب (٢) ، عن حيوة بن شريح.
-
وابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله ﷺ وأصحابه، ويحرّض عليهم كفار فريش في شعره، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وهي أخلاط: منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ﷺ ، ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء الحيّين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم استصلاحهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا، والرجل يكون مسلما وأخوه مشركا، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه
ج ١ ص ٤٦٠وسلم يؤذونه وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصّبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى : ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) وفيهم أنزل الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) فلما أبى كعب أن ينزع عن أذى رسول الله ﷺ وأذى المسلمين أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ في خمسة رهط فأتوه عشيّة في مجلسه بالعوالي (٣) ، فلما رآهم كعب أنكر شأنهم، وكاد يذعر منهم، فقال لهم، ما جاء بكم؟ قالوا: جاء بنا حاجة إليك، قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بها، فدنا إليه بعضهم فقال:
جئناك لنبيعك: أدراعا لنا نستعين بأثمانها. فقال لهم: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم ثم جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل، ثم واعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدأ عنه الناس، فجاءوه فناداه رجل منهم، فقام ليخرج إليهم، فقالت له امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب. قال: بلى إنهم قد حدثوني حديثهم. فخرج إليهم، فاعتنقه محمد بن مسلمة، وقال لأصحابه لا تستنكروا إن قتلتموني وإيّاه جميعا. قال: وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته،
ج ١ ص ٤٦١فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: قد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من سادتنا فقتل غيلة، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقوله في أشعاره ويؤذيهم به، ودعاهم إلى أن تكتب بينهم وبينه وبين المسلمين صحيفة فيها جماع أمر الناس، فكتبها ﷺ .
-
حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي ابن يزيد، عن سعيد بن المسيّب: أن ابن نامين اليهودي أخذ يعذّر رسول الله ﷺ في قتل كعب بن الأشرف.
فقال له محمد بن مسلمة: ألا سيف، ألا سيف؟ فأخذ السيف، وغيّبوا اليهوديّ، فقال محمد لمروان: ألا أراه يعذّر النبي ﷺ عندك؟.
-
حدثنا الحزامي قال، وحدثنا ابن وهب قال، حدثني ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن قال: إن (ابن (١) الأشرف عدوّ الله وهو أحد بني النضير اعتزل قتال بني النضير، وزعم أنه لم يظاهر على المسلمين، فتركه النبي ﷺ ، ثم انبعث يهجوه والمؤمنين، ويمتدح عدوهم من قريش، ويحرّضهم عليهم، فلم يرض بذلك حتى ركب إلى قريش فاستعداهم على رسول الله ﷺ ، فقال أبو سفيان والمشركون:
ننشدكم الله أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأن ديننا أهدى في رأيك أو أقرب إلى الحق، فقال لقريش: أنتم
ج ١ ص ٤٦٢أهدى منه سبيلا وأفضل، ثم خرج معلنا بعداوة رسول الله ﷺ وأصحابه. فقال رسول الله ﷺ «من لنا من ابن الأشرف؟، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله جل وعز بذلك» ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشا، ثم قرأ ما أنزل الله عليه ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ وخمس آيات فيه وفي قريش (١) .