(وفد كندة)
١٢ فقرة، ج ١ ص ٥٤٢
- ج ١ ص ٥٤٢
حدثنا هارون بن هارون قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة الجذامي (٢) حدثه، أن زياد بن مغنم الحضرمي حدثه: أن وفد كندة قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم جمد (٣) . فبيناهم عنده أقبل رجل فقال: كلمت يا رسول الله. قال: أفلح المكلومون، فخرجوا فقالوا وقالوا، فأخذت جمدا اللقوة (٤) ، فأتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سيد الناس يا رسول الله ادع الله له.
قال: لم أكن لأفعل، ولكن حدّوا فسلة (٥) ، فاقلبوا ما في عينيه أو بشفرة فاكووه بها فهي شفاؤه وإليها مصيره، الله أعلم ما قلتم
ج ١ ص ٥٤٣حين أدبرتم (فصنعوه به فبرئ) (١) قالوا: أرأيت أكلتنا في الجاهلية؟ قال: وهي لكم حتى ينزعها الله منكم قالوا: فديتنا، قال: ليأتين عليكم زمان ترضون بالكفاف، قالوا: فنجيتنا. قال: قد جاء الله بخير منها الإسلام، وارتد جمد بعد ذلك، فقتل كافرا بعد وفاة رسول الله ﷺ قال عمرو: فحدثني كعب ابن علقمة: أنهم قالوا أتينا هذا الغلام المضري فما سألناه شيئا إلا أعطانا، حتى لو أردنا أن نأخذ بأذنه لفعلنا، وأن رسول الله ﷺ كان يقول «لعن الله جمدا وأبضعة وأخته العمردة» .
-
حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا يزيد بن يزيد بن جابر، عن رجل، عن عمرو بن عنبسة:
أن النبي ﷺ قال «ما أبالي أن يهلك الحيّان جميعا فلا قيل ولا ملك، ألا فلعن الله الملوك الأربعة. جمدا ومسرحا ومخوسا وأبضعة وأختهم العمردة.
قال أبو زيد بن شبة: وكان مخوس ومسرح وجمد وأبضعة بنو معدي كرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن حجر القرد، وفدوا على رسول الله ﷺ مع الأشعث بن قيس
ج ١ ص ٥٤٤فأسلموا، ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير (١) ، وكان لكل رجل منهم واد يملكه، فسموا بذلك الملوك الأربعة وقيل فيهم.
يا عين بكي للملوك الأربعة … جمد ومخوس مسرح وأبضعة
قال أبو زيد بن شبة: قال أبو عبيدة: لم يكن من كندة ملك قط، إلا أن نزارا لما كثرت وخاف بعضها بعضها أجمعت قبائل من ربيعة أن يأتوا تبّعا فيسألونه أن يبعث رجلا يكفّ قويّهم عن ضعيفهم، على أن يعطوه من أموالهم خرجا، فوجّه معهم الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية الكندي وهو جدّ امرئ القيس بن حجر بن الحارث الكندي الشاعر، فصار إلى بطن عامر فنزلها وفرّق بنيه؛ فجعل ابنه يزيد على كنانة، وابنه حجرا على بني أسد، وابنه شرحبيل على بني تميم وعبد مناة، وابنه سلمة على بني ثعلب، وغزا ملوك غسّان بالشام، وملوك لخم بالحيرة حتى أحجه المنذر بن ماء السماء إلى تكريت (٢) ، فأشار سفيان ابن مجاشع على المنذر أن يخطب إليه ابنته ففعل، فزوجه ابنته هندا فقيل فيها يا ليت هندا ولدت ثلاثة، فولدت عمرا وقابوسا والمنذر أبا النعمان بن المنذر، ولم ينشب أن مات الحارث فقتلت
ج ١ ص ٥٤٥بنو أسد ابنه حجرا، واختلف ابناه سلمة وشرحبيل وتحاربا، فقتلت بنو ثعلب شرحبيل بن الحارث، وبعث المنذر بن ماء السماء إلى من بقي منهم فقتلهم بجفر الأملاك (١) بالحيرة، فقال رجل من أهل الحيرة وهي تحمل على امرئ القيس بن حجر:
ألا يا عين بكّي لي شنينا … وبكّي للملوك الذّاهبينا (٢)
ملوكا من بني حجر بن عمرو … يساقون العشيّة يقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا … ولكن في ديار بني مرينا (٣)
ولم تغسل جماجمهم بغسل … ولكن بالدّماء مرمّلينا (٤)
تظلّ الطّير عاكفة عليهم … وتنتزع الحواجب والعيونا (٥)
قال أبو عبيدة: ثم انقطع الأمر منهم فلم يكن فيهم ملك قطّ ولكنهم كانوا ذوي أموال، فكانوا يدعون ريحانة اليمن، وإنما ملوك اليمن التتابعة من حمير.
-
وروى الكلبي أن وفد كندة قدموا على رسول الله صلى الله عليه
ج ١ ص ٥٤٦وسلم وفيهم الجفشيش أو الخفشيش (١) وعمرو بن أبي الكيشم وابن أبي سهر بن جبلة والأشعث بن قيس وامرؤ القيس بن عابس (٢) .
فقال الجفشيش: يا رسول الله، إنّا نزعم أنكم من العمور عمور كندة، فيقال إنّ النّبي ﷺ قال: ذاك شيء كان يقوله العباس وأبو سفيان إذا قدما عليكم. نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا ولا ندع أبانا.
- ج ١ ص ٥٤٧
حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة السلمي، عن مسلم بن هيصم، عن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال: أتيت النبيّ ﷺ في نفر كندة لا يروني أفضلهم، فقلت: يا رسول الله، إنا نزعم أنكم منا، فقال ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا (١) - قال الكلبي: فصالحهم رسول الله ﷺ على أن لهم ريع ما أخرجت حضرموت، وقال: ارجعوا إلى بلادكم مصاحبين» واستعمل عليهم وعلى الصدقات المهاجر بن أميّة بن المغيرة، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدوا إلا طائفة من بني عمرو بن معاوية معهم امرؤ القيس بن عابس، فلما قتل من كندة من قتل وأسر من أسر قال امرؤ القيس بن عابس:
ألا أبلغ أبا بكر رسولا … وفتيان المدينة أجمعينا
فلست مبدّلا بالله ربّا … ولا متبدّلا بالسلم دينا
شأمتم قومكم وشأمتمونا … وغابركم كأشأم غابرينا
فلما قتل ابن الأشعث قدم على عبد الملك وفد الأذذ فيهم ابن امرئ القيس، قال: أنت ابن الرجل الصالح الذي يقول:
شأمتم قومكم وشأمتمونا … وغابركم كأشأم غابرينا
صدق والله، لقد شأم أولكم وآخركم أمركم، وقال الخفشيش لما ارتد:
ج ١ ص ٥٤٨أطعنا رسول الله ما كان بيننا … فيا لعباد الله ما لأبي بكر (١)
أيملكنا بكر إذا كان بعده … فذاك وبيت الله قاصمة الظهر
فإن التي أعطيتم أو منعتم … لكالتمر أو أحلى مذاقا من التمر
أقوم ولا أعطي القيام معادة … أبيت وإن كان القيام على الجمر
فأخذ أسيرا وقتل صبرا.
-
حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال، حدثنا يحيى بن حمزة العبسي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن عمرو بن عبسة (السلمي (٢) قال، قال رسول الله ﷺ : «لا قايل (٣) ولا كاهن
ج ١ ص ٥٤٩ولا ملك إلا الله، ولعن الله الملوك الأربعة جمدا ومخوسا ومسرحا وأبضعة وأختهم العمردة» قال وكانت تأتي المؤمنين إذا سجدوا فتركلهم برجلها.
-
حدثنا محمد بن زياد الحارثي قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن السلماني، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لفروة بن مسيك المرادي (١) «اذهب فقاتل بقومك من أدبر بمن أقبل» فلما أدبر قال «ردّوه عليّ» فلما أتاه قال «إنه قد نزل القرآن بعدك» قال ما هو يا رسول الله؟ قال «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ﴾
- ج ١ ص ٥٥٠
﴿رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ» (١) فقال ناس من حول رسول الله ﷺ : يا رسول الله، ما سبأ، أرض أو امرأة؟ قال «لا أرض ولا امرأة ولكن رجل من العرب، وله عشرة أبطن فتيامنت ستة وتشاءمت أربعة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال «أما الذين تيامنوا فكندة ومذحج والأشعريون وحمير وأنمار والأزد (٢) ، وأما الذين تشاموا فجذام ولخم وعاملة وغسّان» فقال قائل من القوم: يا رسول الله فما خثعم وبجيلة؟ قال: «بطنان من أنمار» (٣) حدثنا ابن أبي شيبة قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثنا الحسن ابن الحكم قال، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيكة العطيفي ثم المرادي (٤) قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ قال بلى، ثم بدا لي فقلت: يا رسول الله، بل أهل سبأ هم أعزّ وأشدّ قوة، قال، فأمرني وأذن لي قتال سبأ، فلما خرجت من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل. فقال رسول الله ﷺ «ما فعل العطيفي؟ فأرسل إلى منزلي فوجدني قد سرت فردّني، فلما أتيت وجدته قاعدا وأصحابه، وقال «ادع القوم فمن أجابك منهم فاقبل منه ومن أبى
ج ١ ص ٥٥١فلا تعجل عليهم حتى أحدث إليك (١) »، فقال رجل من القوم:
يا رسول الله، ما سبأ أرض أو امرأة؟ قال «ليست بأرض ولا امرأة، ولكن رجل ولد عشرة من العرب، فأما ستة فتيامنوا، وأما أربعة فتشاءموا؟ فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسّان، وأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير والأشعريون وأنمار ومذحج» فقال رجل: يا رسول الله، ما أنمار، قال «هم الذين منهم خثعم وبجيلة» (٢) .
-
حدثنا أحمد بن عيسى، وهارون بن معروف قالا، حدثنا عبد الله ابن وهب قال، أخبرني موسى بن علي، عن أبيه، عن يزيد بن حصين بن نمير: أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت سبأ، رجل أو امرأة؟ قال «بل رجل» قال: فما ولد من العرب؟ قال «عشرة:
(ستة) (٣) يمانون وأربعة شآمون، فأما اليمانون فكندة ومذحج والأزد والأشعرون وأنمار، وأمسك في يده واحدا لم يسمه (٤) ، وأما الشآمون فلخم وجذام وغسّان وعاملة» قال: يا رسول الله فحمير؟ قال «هم وما كلّهم» .
- ج ١ ص ٥٥٢
ويروى عن الشعبي: أن مرادا لما قدمت على رسول الله ﷺ قال لعروة بن ميسرة: أيسرك ما لقي قومك من الروم يوم الروضة؟ قال: لا، أما إن ذلك برفضهم للإسلام، قال: وقالت مليكة بنت أبي حية: والله إن كنا لنترابا العطيفي بيننا في الجاهلية كما ترابون أنتم بني أمية اليوم».
-
حدثنا أحمد بن معاوية بن بكر قال، حدثني أخي العباس بن معاوية، عن معد بن النحاس، عن أبيه، عن الشعبي قال: قدم ظبيان بن كدادة (١) على رسول الله ﷺ وهو في مسجده بالمدينة، ثم سلّم، ثم قال: إن الملك لله والجهادين إلى الخير، آمنا به وشهدنا أن لا إله غيره، ونحن (قوم) (٢) من سرارة مذحج بن يحابر بن مالك، لنا مآثر ومآكل ومشارب، أبرقت لنا مخائل السماء، وجادت علينا شآبيب الأنواء فتوقلت (٣) بنا القلاص من أعالي
ج ١ ص ٥٥٣الجوف (١) وروؤس الهضاب، ورفعتها عرار (٢) الثرى، وألحقتها دآدئ الرحى وخفضتها بطنان الرّقاق (٣) وقطرات الأعناق، حتى حلّت بأرضك وسمائك، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك، والله مولانا ومولاك، إن وجّا (٤) وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل ابن قينان، غرسوا ودانه (٥) وذنبوا خشانه (٦) ورعوا قربانه (٧) ، فلما عصوا الرحمن هبّ عليهم الطوفان فلم يبق على ظهر الأرض منهم أحدا إلا من كان في سفينة نوح، فلما أقلعت السماء وغاض الماء أهبط الله نوحا ومن معه في حزن الأرض وسهلها، ووعرها وجبلها،
ج ١ ص ٥٥٤فكان أكثر بنيه ثباتا من بعده عادا وثمودا (١) ، وكانا من البغي كفرسي رهان، فأما عاد فأهلكهم الله بالريح العقيم والعذاب الأليم، وأما ثمود فرماها الله بالدّمالق (٢) وأهلكها بالصواعق، وكانت بنو هانئ بن هدلول بن هرولة بن ثمود تسكنها (٣) وهم الذين خطّوا مشايرها (٤) ، وأتّوا جداولها (٥) ، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها، ثم إن ملوك حمير (٦) ملكوا معاقل الأرض وقرارها ورؤوس الملوك وغرارها (٧) وكهول الناس وأغمارها (٨) حتى بلغ أدناها أقصاها، وملك أولاها أخراها، فكان لهم البيضاء والسّوداء وفارس الحمراء، والجزية الصفراء (٩) ، فبطروا النّعم واستحقوا النّقم، فضرب الله
ج ١ ص ٥٥٥بعضهم ببعض وأهلكهم في الدنيا بالغدر، فكانوا كما قال شاعرنا:
الغدر أهلك عادا في منازلها … والبغي أفنى قرونا ساكني البلد
من حمير حين كان البغي مجهرة … منهم على حادث الأيام والنضد (١)
-
ثم إن قبائل من الأزد نزلوها على عهد عمرو بن عامر، نتّجوا فيها النّزائع (٢) وبنوا فيها المصانع (٣) ، واتخذوا فيها الدسائع (٤) ، فكان لهم ساكنها وعامرها وقاربها وسائرها حتى نقلتها مذحج بسلاحها ونحّتهم عن بواديها فأجلوا عنها مهانا وتركوها عيانا وحاولوها أزمانا، ثم ترامت مذحج بأسنتها وتشزّنت (٥) بأعنتها فغلب العزيز أذلها، وأكل الكثير أقلها وكنا معشر يحابر (٦) أوتاد مرساها، ونظاهر أولاها، وصفاء مجراها، فأصابنا بها القحوط، وأخرجنا منها القنوط، بعد ما غرسنا بها الأشجار وأكلنا بها الثمار، وكان بنو
ج ١ ص ٥٥٦عمرو بن خالد بن جذيمة يخبطون (١) عضيدها ويأكلون حصيدها (٢) ، ويرشحون خضيدها (٣) حتى ظعنّا منها، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار نزلوها، فلم يصلوا بها حبلا، ولم يجعلوا لها أكلا، ولم يرضوا بها آخرا، ولا أولا، فلما أثرى ولدهم، وكثر عددهم، وتناسوا بينهم حسن البلاء، وقطعوا منهم عقد الولاء، فصارت الحرب بينهم حتى أفنى بعضهم بعضا، قال: ردّ علينا بلدنا يا رسول الله، قال فوافق عند رسول الله الأخنس بن شريق (٤) والأسود بن مسعود الثقفيين، فقال الأسود مجيبا له: يا رسول الله، إن بني هلال بن هدلول بن هوذاء بن ثمود كانوا ساكنين بطن وجّ بعدها آل مهلائيل بن قينان، فعطلت منازلها، وتركت مساكنها خرابا، وبناءها يبابا (٥) ، فتحامتها العرب تحاميا، وتجافت عنها تجافيا،
ج ١ ص ٥٥٧مخافة أن يصيبها ما أصاب عادا وثمودا من معاريض البلاء ودواعي الشقاء، فلما كثرت قحطان وضاق فجاجها ساق بعضهم بعضا، وانتجعوا أرضا أرضا، وأقامت بنو عمرو بن خالد بن جذيمة، ثم إن قيس بن معاوية وإياد بن نزار ساروا إليهم فساقوهم السمام، وأوردوهم الحمام، فأجلوهم عناء، فتوجهوا منها إلى ضواحي اليمن.
-
والتمست إياد الناصف لما أصابوا من المغنم فأبت قيس عليهم، وكانت قيس أكثر من إياد عددا، وأوسع منهم بلدا، فرحلت إياد إلى العراق، وأقامت قيس ببطن وجّ ليست لهم سائبة يأكلون ملاّحها (١) ويرعون سراحها، ويحتطبون طلاحها، ويأبرون نخلها، ويأرون (٢) نجلها، سهلها وجبلها، حتى أوقدت الحرب في هبواتها، وخاضوا الأصابي (٣) في غمراتها، وأخرجوهم من سرواتها، وأناخوا على إياد بالكلكل، وسقوهم بصبير النّيطل (٤) ، حتى خلا لهم خيارها وحزونها، وظهورها وبطونها، وقطورها وعيونها، فقال رسول الله ﷺ «إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لمسلم بها لحاق
ج ١ ص ٥٥٨ولا لكافر خلاق (١) ، ولو علم المخلوق مقدار يومه لضاقت عليه برحبها، ولم ينفعه فيها قوم ولا خفض، ولكنه عمّي عليه الأجل، ومدّ له في الأمل، وإنما سمّيت الجاهلية لضعف أعمالها، وجهالة أهلها لمن أدركه الإسلام وفي يده خراب أو عمران، فهو له على وطف ركاها لكن مؤمن خلص أو معاهد ذمي، إن أهل الجاهلية عبدوا غير الله، ولهم أجل ينتهون إلى مدته ويصيرون إلى نهايته، مؤخر عنهم العقاب إلى يوم الحساب، أمهلهم الله بقدرته وجلاله وعزته، فغلب الأعز الأذل، وأكل الكبير فيها الأقل، والله الأعلى الأجل، فما كان في الجاهلية فهو موضوع من سفك دم أو انتهاك محرم، «عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» (٢) فلم يرددها رسول الله ﷺ على مراد، وقضى بها لثقيف. وقال ظبيان بن كداد في ذلك شعرا هذا منه:
فأشهد بالبيت العتيق وبالصفا … شهادة من إحسانه متقبل (٣)
بأنك محمود لدينا مبارك … وفيّ (٤) أمين صادق القول مرسل
أتيت بنور يستضاء بمثله … ولقيت في القول الذي يتبجل
متى تأته يوما على كل حادث … تجد وجهه تحت الدجى يتهلّل
عليه قبول من إلهي وخالقي … وسيماء حق سعيها متقبل
ج ١ ص ٥٥٩حلفت يمينا بالحجيج وبيته … يمين امرئ في القول لا يتنحّل
فإنّك قسطاس البرية كلّها … وميزان عدل ما أقام المسلل
وقال في ذلك الأسود بن مسعود الثقفي:
أمسيت أعبد ربي لا شريك له … ربّ العباد إذا ما حصل البشر (١)
أهل المحامد في الدنيا وخالتها … والمبتدا حين لا ماء ولا شجر
لا أبتغي بدلا بالله أعبده … ما دام بالجزع من أركانه حجر
إن الرسول الذي ترجي نوافله (٢) … عند القحوط إذا ما أخطأ المطر
هو المؤمل في الأحياء قد علمت … عليا معدّ إذا ما استجمعت مضر
مبارك الأمر محمود شمائله … لا يشتكى منه عند الهيعة الخور
أعز متصل للمجد متزر … كأنما وجهه في الظلمة القمر
لا أعبد اللات والعزّى أدينهما … [أو دينهما ما كان لي السمع والبصر (٣) ]
لكنني أعبد الرحمن خالقنا … ما أشرق النور والعيدان تعتصر