مقدمة التحقيق
١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥
الصفحة ٦ من ٣٧
- رابعًا: الإمام مالك:
-
قال أبو محمَّد ابن أبي حاتم (٣) : «وسُئِل أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَر بْنِ عُثْمان بْنِ عَفَّان، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ؟
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الرواةُ يَقُولُونَ: عَمْرٌو، وَمَالِكُ يَقُولُ: عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ.
قَالَ أَبُو محمَّد: أمَّا الرواةُ الَّذِينَ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: فسفيانُ بنُ عُيَيْنَة، ويونسُ بن يزيد، عن الزُّهْري» .
- ج ١ ص ٧١
وذكر ابن أبي حاتم أيضًا (١) عن عليِّ بن المَدِيني أنه قال: «سمعتُ يَحْيَى بنَ سَعِيد يَقُولُ: قال مالكٌ في حديث ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْن: عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، يعني: عَنْ أسامةَ بنِ زَيْدٍ، عَنْ النَّبيِّ (ص) : «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافرَ» . قَالَ يحيى بن سعيد: فقلتُ لمالك: عمرو بن عثمان، فأبى أن يَرْجِعَ، وقال: قد كان لعثمانَ ابنٌ يقال له: عُمَر، هذه داره» .
-
وذكر ابن عبد البر (٢) أنَّ الشافعي ويحيى القطان كانا يراجعانِهِ في هذا الحديث، فأبى أن يَرْجِعَ، وقال كما قال ليحيى بن سعيد.
ثم قال ابن عبد البر: «ومالكٌ لا يكاد يُقَاسُ به غيرُهُ حفظًا وإتقانًا، لكنَّ الغَلَطَ لا يَسْلَمُ منه أحدٌ، وأهلُ الحديث يَأْبَوْنَ أن يكونَ في هذا الإسنادِ إلا عمرو - بالواو - وقال علي بن المَدِيني، عن سفيان بن عيينة: إنه قيل له: إنَّ مالكًا يقول - في حديث: «لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ» -: عمر بن عثمان، فقال سفيان: لقد سمعتُهُ من الزُّهْري كذا وكذا مَرَّةً، وتفقَّدته منه، فما قال إلا: عمرو بن عثمان» .
ثم قال ابن عبد البر: «وممَّن تابَعَ ابنَ عيينة على قوله: عمرو بن عثمان: مَعْمَرٌ، وابنُ جريج، وعُقَيْلٌ، ويونس بْنُ يَزِيدَ، وشُعَيْب بْنُ أَبِي حمزة، والأوزاعيّ، والجماعةُ أولى أن يُسَلَّمَ لها» .
- ٢) النِّسْيَانُ:
-
وهو من الأمور التي تعتري جميعَ الناس، وتقدَّم قولُ ابن عبد البر - في حديث سَهْوِ النَّبيّ (ص) -: «وفي هذا الحديثِ بيانٌ أنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ من الوَهَمِ والنِّسْيان؛ لأنَّه إذا اعترَى ذلك الأنبياءَ، فغيْرُهُمْ بذلك أحرى» .
وقال الأعمش (١) : «سمعتُ مِنْ أبي صالح (٢) أَلْفَ حديثٍ، ثم مَرِضْتُ فنسيتُ بعضَها» .
وقال أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المثنَّى (٣) : «سمعتُ رِيَاحَ بنَ خالد يقول لِسُفْيان بن عُيَيْنة في مسجدِ الحرامِ (٤) سنة إحدى وتسعين: يا أبا محمَّد، أبو معاوية (٥) يحدِّث عنك بشيءٍ ليس تحفَظُهُ، ووكيعٌ يحدِّثُ عنك بشيءٍ ليس تحفظُهُ! فقال: صَدِّقهم؛ فإنِّي كنتُ قبل اليومِ أحفَظَ مني اليومَ» .
-
وكان بعضُ المحدِّثين ربَّما حدَّث بالحديث، ثم نسيه، وأنكَرَ أنْ يكونَ حدَّث به:
فمن ذلك: ما أخرجه مسلم (٦) ، من طريق سُفْيان بن عُيَيْنة، عن
ج ١ ص ٧٣عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَد (١) مولى ابن عباس: أنه سمعه يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَا كُنَّا نعرفُ انقضاءَ صلاةِ رسولِ الله (ص) إلا بالتكبير.
قال عمرو: فذكرتُ ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدِّثْكَ بهذا. قال عمرو: وقد أخبَرَنِيهِ قبل ذلك.
-
وربَّما صاحَبَ إنكارَ الشيخِ خشونةُ لفظِ الراوي عنه في مقابل إنكارِ شيخه؛ كما حصَلَ من الأعمش مع حصين بن عبد الرحمن السُّلَمي:
فقد أخرَجَ الخَطِيب (٢) ، من طريق أبي بَكْر ابن عَيَّاش، عن الأعمش، عن حُصَيْن بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة ابن مسعود؛ قال: استدانَتْ ميمونةُ زَوْجُ النَّبيِّ (ص) ثلاثَ مِئَةِ درهمٍ ليس عندها وفاؤها، فنهيتُها عن ذلك! فقالتْ: إني سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: «مَنِ ادَّانَ دَيْنًا يريدُ أداءَهُ؛ أعانَهُ اللهُ عليه» .
قال أبو بكر: «أتيتُ حُصَيْنًا أسمَعُ هذا منه، فقال: أنا لم أحدِّثِ الأعمشَ بهذا، فرجعتُ إلى الأعمشِ فأخبرتُهُ، فقال: كَذَبَ (٣) واللهِ! لقد حدَّثني» .
- ج ١ ص ٧٤
وربَّما نَسِيَ الشيخُ الحديثَ، ثم ذهَبَ يحدِّث به عن الراوي عنه، كما حصَلَ من سُهَيْل بن أبي صالح:
قال الإمام الشافعي (١) : أخبرنا عبد العزيز ابن محمَّد الدَّرَاوَرْدي، عن رَبِيعة بن أبي عبد الرحمن، عَن سُهَيْل بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسول الله (ص) قضَى باليمين مع الشاهد.
قال عبد العزيز: فذكَرْتُ ذلك لسهيل، فقال: أخبَرَنِي ربيعةُ، عنِّي - وهو ثقة - أني حدَّثتُهُ إيَّاه، ولا أحفظه.
قال عبد العزيز: وكان أصابَ سُهَيْلاً عِلَّةٌ أذهبَتْ بعضَ عَقْله، ونَسِيَ بعضَ حديثه، وكان سُهَيْلٌ يحدِّثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه.
-
وأخرجه أبو داود (٢) ، من طريق سُلَيْمان بن بِلَال التَّيْمي، عن ربيعة، وفيه يقولُ سليمان: فَلَقِيتُ سهيلاً، فسألتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: مَا أعرفُهُ، فقلتُ له: إنَّ ربيعة أخبرني به عنك! قال: فإنْ كان ربيعةُ أخبرَكَ عني، فحدِّثْ به عن ربيعة، عنِّي.
وقال ابن أبي حاتم (٣) : «قِيلَ لأَبِي: يَصِحُّ حديثُ أَبِي هريرة، عن النَّبيّ (ص) فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ فوقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ: تَرَى الدَّرَاوَرْدِيَّ مَا يَقُولُ؟ يَعْنِي: قَوْلَهُ: قلتُ لسهيلٍ، فلم يعرفه.
ج ١ ص ٧٥قلت: فليس نِسْيَانُ سُهَيْلٍ دافعً (١) لِمَا حَكَى عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثِقَةٌ، والرجلُ يُحَدِّث بالحديثِ وَيَنْسَى.
قَالَ: أجلْ هَكَذَا هُوَ، ولكنْ لَمْ نَرَ أنْ يَتْبَعَهُ متابعٌ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ سُهَيْل جماعةٌ كَثِيرَةٌ، لَيْسَ عِنْدَ أحدٍ مِنْهُمْ هَذَا الحديثُ» .
-
وأعجبُ منه: أن ينسى الشيخُ والتلميذُ، فيعودُ الشيخُ فيذكِّرُ التلميذَ بالحديث؛ كما حصَلَ لمعتمر بن سليمان مع شيخه منقذ:
قال عَبَّاس الدُّوري (٢) : حدَّثنا يحيى (٣) ؛ قال: حدَّثنا معتمر بن سليمان؛ قال: حدَّثني مُنْقِذٌ؛ قال: حدَّثْتَنِي أنتَ، عنِّي، عن أيوب، عن الحسن؛ قال: «وَيْحٌ كلمةُ رحمةٍ» !!.
- ٣) التَّوَقِّي وَالاِحْتِيَاطُ وَالاحْتِرَازُ:
-
عُرِفَ عن بعض الأئمَّة - رحمهم الله - شِدَّةُ التوقِّي والاحتراز في الرواية؛ فإذا ما شكَّ في شيء تَرَكَهُ، فإنْ شَكَّ في رفع الحديثِ وقَفَهُ،
ج ١ ص ٧٦وإنْ شَكَّ في وصلِهِ أرسلَهُ، وهكذا.
-
وربَّما كان هذا الشَّكُّ مرجوحًا، والظَّنُّ الغالبُ رَفْعَ الحديث ووَصْلَهُ، ولكنْ هكذا صنَعَ هؤلاءِ الذين ذُكِروا بهذا، وأكثرُهُمْ من أهل البَصْرة؛ مثل محمَّد بن سِيرين، وأيوب السَّخْتِياني، وعبد الله بن عَوْن، وحَمَّاد بن زيد.
قال الدارقطني (١) : «وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - مِنْ تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يُصَرِّحُ بالرَّفْع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقَّف؛ على حسب نشاطِهِ في الحال» .
-
وذكَرَ حديثًا اختُلِفَ في رفعه ووقفه، ثم قال (٢) : «ورَفْعُهُ صَحيحٌ، وقد عرفت عادة ابن سيرين: أنه ربَّما توقَّف عن رفعِ الحديث توقِّيًا» .
وقال أيضًا (٣) : «ورَفْعُهُ صَحيحٌ؛ لأنَّ ابن سيرين كان شديدَ [التوقِّي] (٤) في رفع الحديث» .
وقال في موضع آخر (٥) : «فرَفْعُهُ صَحيحٌ، ومَنْ وقفه فقد أصاب؛ لأنَّ ابن سيرين كان يفعَلُ مثلَ هذا؛ يَرْفَعُ مرةً، ويُوقِفُ أخرى» .
وقال ابن رجب (٦) : «وليس وَقْفُ هذا الحديثِ مما يَضُرُّ؛ فإنَّ ابن
ج ١ ص ٧٧سِيرِينَ كان يقفُ الأحاديثَ كثيرًا ولا يَرْفَعها، والناسُ كلُّهم يخالفونه ويرفعونها» .
-
وفي أسئلة المروزيِّ للإمام أحمد، قال المروزي (١) : «سألته عن هشام بن حَسَّان؟ فقال: أيوبُ وابنُ عَوْن أحبُّ إليّ، وحسَّن أَمْرَ هشام، وقال: قد روى أحاديثَ رَفَعها أَوْقَفوها، وقد كان مذهبهم أنْ يقصِّروا بالحديث ويُوقِفوه» .
وقال الدارقطني (٢) : «وكان ابنُ عَوْن ربَّما وقَفَ المرفوعَ» .
وقال يعقوب بن شَيْبة (٣) : «حمَّادُ بنُ زَيْد أثبَتُ من ابن سلمة، وكُلٌّ ثقةٌ، غيرَ أنَّ ابنَ زيد معروفٌ بأنه يقصِّر في الأسانيد، ويُوقِفُ المرفوعَ، وكثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلاً لم يكنْ له كتابٌ يَرْجعُ إليه، فكان أحيانًا يذكُرُ فيرفَعُ الحديثَ، وأحيانًا يهابُ الحديثَ ولا يَرْفعه» .
-
ومِنْ جملة مَنْ عُرِفَ عنه هذا وليس من البَصْريين: الإمامُ مالك، يقولُ الدارقطني (٤) : «ومِنْ عادَةِ مالكٍ إرسالُ الأحاديثِ، وإسقاطُ رجل» .
- ٤) أَخْذُ الْحَدِيثِ حَالَ المُذَاكَرَةِ:
-
كان المحدِّثون يَحُثُّون على مذاكرةِ الحديثِ ويَحْرِصون عليها حِرْصًا شديدًا؛ لِمَا وَجَدوا فيها من الفوائد؛ كاستذكارِ الحديثِ وتحفُّظه، واستدراكِ ما فاتَهُمْ من الأحاديثِ في البابِ الذي يذاكرون فيه، وكَشْفِ الخَلَلِ والعِلَلِ في الأحاديثِ التي يَحْفَظونها، وكَشْفِ الضعفاءِ والكذابين من الرواة.
-
وعُنِيَ بها جميعُ مَنْ ألَّف في علومِ الحديث، بل أفرَدَ لها عددٌ من الأئمَّة بابًا في مؤلَّفاتهم، منهم: أَبُو بَكْرُ بْنُ أَبِي شَيْبة في "المصنَّف" (١) ، والدارمي في "مسنده" (٢) ، والرَّامَهُرْمزي في "المحدِّث الفاصل" (٣) ، وعدَّها أبو عبدِالله الحاكمُ (٤) نوعًا من أنواع علومِ الحديث، وأطالَ فيها الخطيبُ البغداديُّ في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٥) ، فعقَدَ لها بابًا بعنوان: «مذاكرة الحديثِ مع عامَّة الناس» ، ثم أتبَعَهُ بابًا بعنوان: «المذاكرة مَعَ الأتباعِ والأَصْحَاب» ، ثم بابًا بعنوان: «المذاكرة مَعَ الأقرانِ والأتراب» ، ثم ختمها بباب: «المذاكرة مَعَ الشُّيُوخ وذوي الأسنان» ، وكان قد عقَدَ بابًا قبل ذلك (٦) بعنوان: «الكتابة عن المحدِّث في المذاكرة» .
- ج ١ ص ٧٩
وأورَدَ هؤلاءِ المحدِّثون في هذه الأبواب وغَيْرِهَا أقوالاً كثيرةً في الحَثِّ عليها، وذِكْرِ فوائدها، وآدابِهَا، فَمِنْ ذلك:
قولُ عليِّ بنِ أبي طالب ح: «تَزَاوَرُوا وتَذَاكَرُوا الحديث؛ فإنَّكم إنْ لم تَفْعَلوا يَدْرُسْ» (١) .
وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ ح: «تحدَّثوا؛ فإنَّ الحديثَ يُهَيِّجُ الحديثَ» (٢) .
-
وفي لفظ: «تَذَاكَرُوا؛ فإنَّ الحديثَ يُذْكِرُ الحديثَ» (٣) .
وقال عَلْقمة: «تَذَاكروا الحديثَ؛ فإنَّ حياتَهُ ذِكْرُهُ» (٤) .
وقال إبراهيمُ النَّخَعي: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَحْفَظَ الحديثَ، فَلْيُحَدِّثْ به، ولو أنْ يُحَدِّثَ به مَنْ لا يشتهيه؛ فإنَّه إذا فعَلَ ذلك كان كالكتابِ في صَدْرِهِ» (٥) .
ج ١ ص ٨٠وقال يَزِيدُ بنُ أَبِي زِيَادٍ: قَالَ عبدُالرحمن بنُ أبي ليلى: «إحياءُ الحديثِ مذاكرتُهُ» ، فقال له عبدُاللهِ بنُ شَدَّاد: «يَرْحَمُكَ الله! كم مِنْ حديثٍ أحييْتُهُ في صَدْري كان قد مات» (١) .
-
وكان ابنُ شِهَاب الزُّهْري يسمع العِلْمَ مِنْ عُرْوة وغيره، فيأتي إلى جاريةٍ له وهي نائمةٌ فيوقظها فيقول: اسمعي، حدَّثني فلانٌ كذا، وفلانٌ كذا، فتقولُ: ما لي وما لهذا الحديثِ؟ ! فيقول: قد عَلِمْتُ أنك لا تنتفعين به، ولكنْ سمعتُهُ الآنَ، فأردتُّ أن أَسْتَذْكِره (٢) .
وقال الأعمش: «كان إسماعيلُ بنُ رَجَاء يجمعُ صبيانَ الكُتَّاب يحدِّثهم، يتحفَّظُ بذلك» (٣) .
وقال عليُّ بن المَدِيني: «سِتَّةٌ كادتْ تَذْهَبُ عقولهم عند المذاكرة: يحيى (٤) ، وعبدُالرحمن (٥) ، ووَكِيعٌ، وابنُ عُيَيْنة، وأبو داود (٦) ، وعبد الرزَّاق» . قال علي: «مِنْ شِدَّةِ شَهْوتهم له» .
وقال: «تذاكَرَ وكيعٌ وعبدُالرحمنِ ليلةً في مَسْجِدِ الحرامِ (٧) ، فلم
ج ١ ص ٨١يزالا حتَّى أذَّن المؤذِّنُ أذانَ الصُّبْح» (١) .
وقال عليُّ بنُ الحَسَن بْنِ شَقِيق: «كنتُ مع عبد الله بن المبارك في المَسْجِدِ في ليلةٍ شَتْ َوِيَّةٍ باردةٍ، فقمنا لِنَخْرُجَ، فلمَّا كان عند باب المسجد ذاكرني بحديثٍ، وذاكَرْتُهُ بحديث، فما زال يُذَاكِرني وأذاكِرُهُ، حتى جاء المؤذِّن، فأذَّن لصلاةِ الصبح» (٢) .
وقال أبو بكر بن زَنْجُويَهْ: قَدِمْتُ مِصْرَ، فأتيتُ أحمد بن صالح، فسألني: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قلتُ: مِنْ بغداد، قال: أين منزلك مِنْ منزل أحمد بن حنبل؟ قلتُ: أنا مِنْ أَصْحَابه، قال: تَكْتُبُ لي موضعَ منزلك؛ فإنِّي أريدُ أوافي العِرَاقَ، حتى تَجْمَعَ بيني وبين أحمد بن حنبل، فكتبْتُ له، فوافى أحمدُ بنُ صالحٍ سنةَ اثنتَيْ عَشْرةَ (٣)
-
إلى عَفَّان، فسأل عني، فلقيني، فقال: المَوْعِدُ الذي بيني وبينك، فذهَبْتُ به إلى أحمد بن حنبل، واستأذنْتُ له، فقلتُ: أحمدُ ابنُ صالح بالباب، فقال: ابنُ الطَّبَرِيِّ؟ قلتُ: نعم، فأَذِنَ له، فقام إليه ورحَّب به وقرَّبه وقال له: بَلَغني عنك أنك جمعْتَ حديثَ الزُّهْريِّ، فتعال نذاكر ما روى الزُّهْرِيُّ عن أَصْحَاب رسول الله (ص) ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغْرِبُ أحدُهُما على الآخر حتى فَرَغا، وما رأيتُ أحسَنَ من مذاكرتهما! ثم قال أحمدُ بنُ حنبل لأحمدَ بنِ صالح: تعال حتى
ج ١ ص ٨٢نُذَاكِرَ ما روى الزُّهْري عن أولاد أَصْحَاب رسول الله (ص) ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغْرِبُ أحدُهُما على الآخر، إلى أنْ قال أحمدُ بنُ حنبل لأحمدَ بنِ صالح: عندك عَنِ الزُّهْري، عَنْ محمَّد بْنِ جُبَيْر ابن مُطْعِم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف؛ قال النَّبِيُّ (ص) : «ما يَسُرُّنِي أَنَّ لي حُمُرَ النَّعَمِ، وأَنَّ لي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ» ؟ فقال أحمد ابن صالح لأحمد بن حنبل: أنتَ الأستاذُ وتذكُرُ مِثْلَ هذا؟ ! فجعَلَ أحمدُ بنُ حنبل يبتسم ويقولُ: رواه عن الزُّهْري رجلٌ مقبول - أو صالح -: عبد الرحمن بن إسحاق، قال: مَنْ رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق؟ فقال: حدَّثناه رجلان ثقتان: إسماعيلُ بنُ عُلَيّة، وبِشْر ابن المفضَّل، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتُكَ بالله إلا أمليتَهُ عليَّ! فقال أحمد: مِنَ الكتاب، فقام، فدخَلَ وأخرَجَ الكتابَ، وأملاه عليه، فقال أحمد بن صالح: لو لَمْ أستَفِدْ بالعراقِ إلا هذا الحديثَ كان كثيرًا. ثم ودَّعه وخرَجَ (١) .
-
وهذا الحديثُ مِنَ الأحاديثِ التي رواها الإمامُ أحمَدُ (٢) واستَنْكَرَهَا على عبد الرحمن بن إسحاق، فقد قال المَرُّوذي (٣) : قلتُ
ج ١ ص ٨٣لأبي عبد الله: فعبدُالرحمنِ بنُ إسحاق كيف هو؟ قال: «أَمَّا ما كتبنا مِنْ حديثه: فقد حدَّث عن الزُّهْري بأحاديث» ، كأنَّه أراد تفرَّدَ بها، ثم ذكَرَ حديثَ محمَّد بن جُبَيْر في الحِلْف؛ حِلْفِ المُطَيَّبِينَ، فأنكره أبو عبد الله، وقال: «ما رواه غيره» (١) .
-
وكانوا يتساهلون في المذاكرة ويتسمَّحون، فيحدِّث أحدُهُمْ حالَ المذاكرةِ بالحديثِ على غَيْرِ وجهِ التحديث، ويأخُذُ أحدُهُمْ حالَ المذاكرةِ ما لا يأخُذُهُ في مَجْلِسِ السماع.
قال سُفْيان الثَّوْري: «إذا جاءتِ المذاكرةُ جئنا بِكُلٍّ، وإذا جاء التحصيلُ جئنا بمنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ» (٢) .
وقال الخطيب (٣) : «إذا أورَدَ المحدِّث في المذاكرة شيئًا أراد السامعُ له أن يدوِّنه عنه؛ فينبغي له إعلامُ المحدِّث ذلك؛ ليتحرَّى في تَأْدِيَةِ لفظِهِ، وحَصْرِ معناه» .
-
ثم أخرَجَ (٤) ، عن أبي موسى محمد بن المثنَّى؛ أنه قال: «سألتُ عبد الرحمن - يعني: ابن مهدي - عن حديثٍ، وعنده قوم، فساقه، فذهبتُ أَكْتُبُه، فقال: أيَّ شيء تَصْنَعُ؟ ! فقلتُ: أكتبُهُ، فقال: دَعْهُ؛ فإنَّ في نفسي منه شيئًا، فقلتُ: قد جِئْتَ به، فقال: لو كنتَ وحدَكَ
ج ١ ص ٨٤لحدَّثْتُكَ به، فكيف أصنَعُ بهؤلاءِ؟!» .
قال الخطيبُ بعد أنْ أخرجه: «كان أبو موسى مِنَ المُلَازِمِينَ لعبد الرحمن، فقوله: "لو كُنْتَ وحدك لحدَّثتك به" ، أراد: أنه متى بان له أنَّ الحديثَ على غير ما حدَّثه به أمكنَهُ استدراكُهُ لإصلاحِ غَلَطه، ولا يمكنُهُ ذلك مع الغُرَباء الذين حَضَروا عنده، والله أعلم. وكان عبد الرحمن بن مَهْدي يحرِّج على أَصْحَابه أن يكتبوا عنه في المذاكرة شيئًا» .
-
ثم ساق الخطيبُ بسنده عن بَكْر بن خَلَف قال: سمعتُ عبدَالرحمنِ بنَ مَهْدي يقولُ: «حرامٌ عليكم أن تَأْخُذوا عنِّي في المذاكرةِ حديثًا؛ لأنِّي إذا ذاكَرْتُ تساهلْتُ في الحديث» .
وقال أحمد بن محمد بن سليمان التُّسْتَري: حدَّثني أبو زرعة الرازي؛ حدَّثني إبراهيم بن موسى؛ نا عبد الرحمن بن الحَكَم المَرْوَزي، عن نَوْفَل بن المُطَهَّر قال: قال لنا عبد الله بن المبارك: «لا تَحْمِلُوا عنِّي في المذاكرةِ شيئًا» .
قال أبو زُرْعة: وقال إبراهيم: «لا تَحْمِلوا عنِّي في المذاكرة شيئًا» .
قال أحمد: وقال لي أبو زُرْعة: «لا تَحْمِلوا عنِّي في المذاكرةِ شيئًا» (١) .
- ج ١ ص ٨٥
وكان أبو زُرْعة يحرِّج على تلاميذِهِ أن يَكْتبوا عنه في المذاكرةِ شيئًا (١) .
وكان عبدُاللهِ ابنُ الإمامِ أحمَدَ لا يكتُبُ - أحيانًا - ما يأخذُهُ عن أبيه حالَ المذاكرة؛ ففي زوائده على "المسند" قال (٢) : «وَجَدتُّ هذا الحديثَ في كتاب أبي بخطِّ يده ... وأظنُّني قد سمعتُهُ منه في المذاكرة فلم أَكْتُبْهُ» .
-
والظاهرُ: أنَّ أباه كان ينهاه عن كتابة ما يكونُ في المذاكرة؛ وإنْ كتَبَ ميَّزه مِنْ غيره؛ كما يدلُّ عليه قوله:
«وقد سَمِعْتُ أبي ذكَرَ حديثًا عن عبد الرحمن ابن مالك بن مِغْوَلٍ، عن أبي حَصِين؛ في المذاكرة، على غير وجهِ الحديثِ، فكتبتُهُ عنه، وكان سَيِّئَ الرأيِ فيه جِدًّا» (٣) .
-
وهذا منهجٌ معروفٌ للإمام أحمد تلقَّاه عن أشياخه، فقد حكى عنه ابنُهُ عبد الله (٤) أنه قال: «كتبتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (٥) ، عَنْ شَرِيك؛ على غير وجهِ الحديث» ؛ يعني: المذاكرة (٦) .
-
وسأله أبو بكر المَرُّوذي (٧) فقال: «قلتُ: يحيى القَطَّانُ أَيْشٍ كان
ج ١ ص ٨٦يقولُ في شَرِيك؟ قال: كان لا يَرْضَاه، وما ذكر عنه [إلا شيئًا] (١) على المذاكرة؛ حديثين» .
وقال ابن حزم (٢) : «وأما المدلِّسُ فينقسمُ إلى قِسْمَيْنِ، أحدُهُمَا: حافظٌ عدلٌ ربَّما أرسَلَ حديثَهُ، وربَّما أسنَدَهُ، وربَّما حدَّث به على سَبِيلِ المذاكرة، أو الفُتْيَا، أو المناظرة، فلم يَذْكُرْ له سَنَدًا، وربَّما اقتصَرَ على ذِكْرِ بعض رواتِهِ دون بعض ... وقد رُوِّينا عن عبد الرزَّاق بن هَمَّام قال: كان مَعْمَرٌ يُرْسِلُ لنا أحاديثَ، فلمَّا قَدِمَ عليه عبدُاللهِ بنُ المبارك أسنَدَهَا له، وهذا النوعُ منهم كان جِلَّةَ أَصْحَابِ الحديث وأئمَّة المسلمين؛ كالحَسَنِ البَصْري، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وقتادةَ بنِ دِعَامة، وعَمْرِو بنِ دينار، وسليمانَ الأعمشِ، وأبي الزُّبَيْر، وسُفْيانَ الثَّوْريِّ، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنة، وقد أدخَلَ عليُّ بنُ عمر الدارقطنيُّ فيهم مالكَ بنَ أنس ولم يكنْ كذلك، ولا يوجدُ له هذا إلا في قليلٍ مِنْ حديثه؛ أرسلَهُ مرةً وأسنَدَهُ أخرى» .
-
وكانوا يَسْتحبُّون لمَنْ أخَذَ عن شيوخه شيئًا حالَ المذاكرةِ أنْ يبيِّن ذلك:
قال الخطيب البغدادي (٣) : «واستُحِبَّ لمَنْ حَفِظَ عن بعضِ شيوخه في المذاكرة شيئًا وأرادَ روايتَهُ عنه أن يقولَ: حدَّثناه في المذاكرة، فقد
ج ١ ص ٨٧كان غيرُ واحدٍ من متقدِّمي العلماءِ يفعلُ ذلك» .
-
ومِنْ أمثلة مَنْ كان يفعلُ ذلك ممَّن أشار إليهم الخطيبُ: أبو حاتمٍ الرازي، فقد ترجَمَ ابنه عبد الرحمن (١) لمحمَّد بن نُبَاتة السَّرِيِّ فقال: «روى عن أبي عاصمٍ النَّبِيلِ، سمع منه أبي في المذاكرة حديثًا، فاسْتَحْسَنَهُ، فكَتَبه» .
-
وروى الترمذي (٢) حديثًا، فقال: «حدَّثني الحسَنُ بنُ علي بهذا - أو شبهه - في المذاكرة» .
وقال أبو عَوَانة (٣) : «حدَّثني أحمدُ بنُ سَهْلِ بنِ مالك على المذاكرة» .
-
وأمثلةُ هذا كثيرةٌ في كتب الحديث.
-
وأصبَحَ المحدِّثون يَكْشِفون عِلَلَ الأحاديثِ أحيانًا بهذا؛ فينظرون في غَلَط المحدِّث، مع كيفيَّةِ تلقِّيه للحديثِ، فإنْ كان أَخَذَهُ في مجلسِ المذاكرة؛ عَرَفُوا أنَّ العِلَّةَ وقَعَتْ بسبب تحديثِ الشيخِ بهذا وهو غير مُتَهَيِّئٍ للتحديث:
قال أبو عبد الله الحاكم (٤) : «وجدتُّ أبا عليٍّ الحافظَ سيِّئَ الرأي في أبي القاسم اللَّخْمي (٥) ، فسألتُهُ عن السبب فيه؟ فقال: اجتمعْنَا
ج ١ ص ٨٨على بابِ أبي خَلِيفة، فذكرنا طُرُقَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ على سَبْعةِ أعضاء» ، فقلتُ له: تحفظُ عن شُعْبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة الزَّرَّاد، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ فقال: بلى، [رواه] (١) غُنْدَرٌ، وابنُ أبي عدي، فقلتُ: مَنْ عنهما؟ فقال: حدَّثَناه عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عنهما، فاتهمتُهُ إذْ ذاك.
ثم قال أبو علي: ما حدَّث به غيرُ عثمانَ ابنِ عمر (٢) » .
-
وذكَرَ الذهبيُّ هذه الحكايةَ (٣) ، ثم قال: «قلتُ: هذا تَعَنُّتٌ على حافظٍ حُجَّة؛ قال الحافظُ ضياءُ الدين المَقْدِسي: هذا وَهِمَ فيه الطبراني في المذاكرة، فأمَّا في جَمْعه حديثَ شُعْبة فلم يروه إلا مِنْ حديث عثمان بن عمر، ولو كان كُلُّ مَنْ وَهِمَ في حديثٍ واحدٍ اتُّهِمَ؛ لكان هذا لا يَسْلَمُ منه أحدٌ» .
-
ومن أمثلة ما عُنِيَ الأئمَّةُ بعلَّته: ما جعله الترمذيُّ (٤) مثالاً لما يُرْوَى من وجوهٍ كثيرة، ويُسْتَغْرَبُ مِنْ وجه معيَّن؛ حين قال: «رُبَّ حديثٍ يروى من أوجه كثيرة، وإنما يُستغرب لحالِ الإسناد.
-
حدَّثنا أبو كريبٍ، وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، وأبو السائب، والحسين
ج ١ ص ٨٩الأسود؛ قالوا: ثنا أبو أسامة، عن بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُرْدة، عن جَدِّه أَبِي بُرْدة، عَنْ أَبِي مُوسَى، عن النَّبيّ (ص) قال: «الكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ، والمؤمنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحدٍ» . هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه مِنْ قِبَلِ إسناده، وقد روي مِنْ غير وجه عن النَّبيّ (ص) ، وإنما يُسْتَغرب من حديثِ أبي موسى، وسألتُ محمودَ بنَ غَيْلان عَن هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: هَذَا حديثُ أبي كُرَيْب، عن أبي أسامة، وسألتُ محمدَ بنَ إسماعيل (١) عَن هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: هَذَا حديثُ أبي كُرَيْب، عن أبي أسامة، ولم نعرفْهُ إلا مِنْ حديثِ أبي كريب، عن أبي أسامة. فقلتُ: حدَّثنا غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أسامة بهذا، فجعَلَ يتعجَّبُ ويقول: ما علمتُ أنَّ أحدًا حدَّث بهذا غَيْرَ أبي كريب! قال محمد: وكنَّا نرى أنَّ أبا كُرَيْب أخَذَ هذا الحديثَ عن أبي أسامة في المذاكرة» .