مقدمة التحقيق

١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥

الصفحة ٧ من ٣٧

  1. قال ابن رجب (٢) - بعد ذكره كلام الترمذي -: «وما حكاه الترمذيُّ عن البخاريِّ ههنا أنه قال: "كنا نرى أنَّ أبا كُرَيْب أخَذَ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة" : فهو تعليلٌ للحديث؛ فإنَّ أبا أسامة لم يرو هذا الحديثَ عنه أحدٌ من الثقات غَيْرُ أبي كريب، والمذاكرةُ يُجْعَلُ فيها تسامحٌ بخلافِ حالِ السماع أو الإملاء» (٣) .

    ج ١ ص ٨٩
  2. ٥) كَسَلُ الرَّاوِي:
  3. عُرِفَ مِنْ طباعِ الناسِ أنَّ النَّفْسَ البشريَّة لها إقبالٌ وإدبار، على حَسَبِ ما يَعْتَريها من حزن، أو فَرَح، أو مَرَض، أو قِلَّة نَوْم وأَرَق، أو انشغالٍ بالتفكير في أمر من الأمور، أو غيرِ ذلك ممَّا يجعل الراوي غير مُتَهَيِّئٍ ولا مُسْتَجْمِعٍ قواه للتحديث، وهذا ما يعبِّر عنه المحدِّثون بالكَسَل، وضِدُّهُ النشاط، وفيه شبه مِنَ السبب السابق «المذاكرة» .

  4. فربَّما ذكَرَ المحدِّثُ الحديثَ وهو في هذه الحال؛ لمناسبةٍ جرَتْ، لا على سبيلِ التحديث؛ كفتوى، أو موعظة، أو سؤال عن ذلك الحديث، أو عن بعض ما يتعلَّق به؛ كالكلامِ في أحدِ رواته، أو غير ذلك من الأمور التي يجمعها عَدَمُ إرادةِ التحديث؛ فيذكُرُ المحدِّثُ الحديثَ فيَنْقُصُ منه؛ إمَّا بإرسالِهِ وهو موصول، أو بوَقْفِهِ وهو مرفوع، أو يُسْقِطُ مِنْ سنده بعضَ رواته لا على سبيل التدليس، أو لا يسوقُ المَتْنَ بتمامه، أو غيرِ ذلك مما يعتري الحديثَ من اختلاف، منشؤُهُ: ذِكْرُ الحديثِ لا لروايتِهِ، ولكنْ لمناسبةِ المَجْلِسِ أو الموقفِ لِذِكْرِهِ وإنْ كان قاصرًا.

  5. وتقدَّم قولُ ابن حَزْم (١) : «وأمَّا المُدَلِّسُ فينقسمُ إلى قسمَيْن، أحدُهُمَا: حافظٌ عدلٌ ربَّما أرسَلَ حديثَهُ، وربَّما أسنَدَهُ، وربَّما حدَّث به على سَبِيلِ المذاكرة، أو الفُتْيَا، أو المناظرة، فلم يَذْكُرْ له سَنَدًا،

    ج ١ ص ٩١وربَّما اقتصَرَ على ذِكْرِ بعضِ رواته دون بعض ... » إلخ.

  6. وربَّما أخَذَ بعضُ الرواة ذلك الحديثَ عن ذلك الشيخِ في هذه الحال، فيرويه على ما فيه مِنْ نقص، وربَّما حدَّث الشيخُ بذلك الحديثِ في مجلسِ التحديثِ تامًّا، فينشأُ الاختلافُ بين الرواة لهذا السبب، وربَّما لم يحدِّث الشيخُ بذلك الحديثِ إلا في حالِ كَسَله، فيختلفُ مع أقرانِهِ ممَّن شاركه في رواية ذلك الحديث، فنجدُ علماءَ الحديثِ يوفِّقون بين هذا الاختلافِ بالإشارةِ إلى هذا السببِ بعبارة يَفْهَمها أهلُ الاختصاص.

  7. مثال ذلك: قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ الحكَمُ ابن عُتَيْبة، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّار، عَنْ صُهَيْبٍ أَبِي الصَّهْبَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كنتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَار، فمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ (ص) وَهُوَ يصلِّي؟

    قَالَ أَبِي: رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّة، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّار، عَنِ ابْنِ عبَّاس، وَلَمْ يذكُرْ صُهَيْبًا.

    قلتُ لأَبِي: أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟

    قَالَ: هَذَا زَادَ رَجُلا، وَذَاكَ نَقَصَ رَجُلا؛ وَكِلاهُمَا صحيحين (٢) .

    ج ١ ص ٩٢وقال أَيْضًا (١) : وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ وُهَيْب (٢) ، عَنْ أَيُّوبَ (٣) ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير، عَنْ أبي راشد، عن عبد الرحمن بن شِبْل، عن النَّبِيِّ (ص) قال: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ ... » ؟.

    قَالَ أَبِي: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ زَيْد بْن سَلَاّم، عَنْ أَبِي سَلَاّم، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْراني، عَنْ عبد الرحمن بن شِبْل، عن النَّبِيِّ (ص) ، كِلاهُمَا صحيحٌ؛ غيرَ أنَّ أيوبَ ترَكَ من الإسناد رجلَيْن (٤) .

  8. وربَّما صرَّح العلماءُ بهذا السببِ أحيانًا.

    قال ابن رجب (٥) : «وقال الأثرَمُ أيضًا: قال أبو عبد الله (٦) : ما أحسَنَ حديثَ الكوفيين عن هشامِ بنِ عُرْوة! أسنَدُوا عنه أشياءَ، قال: وما أرى ذاك إلا على النَّشَاط؛ يعني: أنَّ هشامًا يَنْشَطُ تارَةً فيُسْنِد، ثم يُرْسِلُ مَرَّةً أخرى» .

    وقال مسلم بن الحَجَّاج (٧) : «فإذا كانتِ العِلَّةُ - عند مَنْ وصفنا قولَهُ مِنْ قبلُ - في فسادِ الحديثِ وتوهينِهِ إذا لم يُعْلَمْ أنَّ الراويَ قد سمع ممَّن روى عنه شيئًا: إمكانَ (٨) الإرسالِ فيه؛ لزمه تركُ

    ج ١ ص ٩٣الاحتجاج - في قِيادِ قولِهِ - بروايةِ مَنْ يُعْلَمُ أنه قد سَمِعَ ممَّن روى عنه، إلا في نفسِ الخبر الذي فيه ذِكْرُ السماع؛ لِمَا بَيَّنَّا من قبلُ عن الأئمَّةِ الذين نقلوا الأخبار: أنهم كانت لهم تاراتٌ يُرْسِلُون فيها الحديثَ إرسالاً، ولا يَذْكُرون مَنْ سَمِعوه منه، وتاراتٌ يَنْشَطون فيها، فيُسْنِدون الخبر على هيئة ما سَمِعوا، فيُخْبِرون بالنُّزُول فيه إنْ نزلوا، وبالصُّعُود إنْ صَعِدوا» .

    وقال ابن حِبَّان (١) : «رَفَعَ هذا الخبرَ عن مالك أربعةُ أَنْفُسٍ (٢) : الماجِشُونُ، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قَتِيلة، وأشهَبُ بنُ عبد العزيز، وأرسله عن مالكٍ سائرُ أَصْحَابه، وهذه كانت عادةً لمالك؛ يَرْفَعُ في الأحايينَ الأخبارَ، ويُوقِفها مرارًا، ويُرْسِلها مَرَّةً، ويُسْنِدها أخرى؛ على حَسَبِ نشاطه؛ فالحكمُ أبدًا لِمَنْ رفَعَ عنه وأسنَدَ، بعد أن يكونَ ثقةً حافظًا متقنًا» .

    وقال الدارقطني (٣) : «وقد تقدَّم قولنا في أنَّ ابن سيرين - من تَوَقِّيه وتَوَرُّعِه - تَارَةً يصرِّحُ بالرفع، وتارةً يومئ، وتارةً يتوقَّف؛ على حَسَبِ نشاطه في الحال» .

    وقال في موضع آخر (٤) : «وجميعُ رواة هذا الحديثِ ثقاتٌ، ويُشْبِهُ

    ج ١ ص ٩٤أن يكونَ قيسُ بنُ أبي حازم كان يَنْشَطُ في الرواية مَرَّةً فَيُسْنِده، ومَرَّةً يَجْبُنُ عنه فيقفه على أبي بكر» .

    وقال أبو عُمَرَ بنُ عبد البر (١) : «كان ابن شهابٍ _ح أكثَرَ الناسِ بَحْثًا على هذا الشأن؛ فكان ربَّما اجتمَعَ له في الحديث جماعةٌ، فحدَّثَ به مَرَّةً عنهم، ومَرَّةً عن أحدهم، ومَرَّةً عن بعضهم؛ على قَدْرِ نشاطِهِ في حينِ حديثِهِ، وربَّما أدخَلَ حديثَ بعضهم في حديثِ بعضٍ كما صنَعَ في حديثِ الإِفْكِ وغيره، وربَّما لَحِقَهُ الكَسَلُ فلم يُسْنِده، وربَّما انشرَحَ فوصَلَ وأسنَدَ على حَسَبِ ما تأتي به المذاكرة؛ فلهذا اختلَفَ أَصْحَابُهُ عليه اختلافًا كبيرًا في أحاديثه. ويبيِّن لك ما قلنا: روايتُهُ لحديثِ ذي اليدَيْنِ (٢) ؛ رواه عنه جماعةٌ، فمرةً يذكُرُ فيه واحدًا، ومرةً اثنَيْنِ، ومرةً جماعةً، ومرةً جماعةً غيرها، ومرةً يَصِلُ، ومرة يقطع» .

  9. وقال في موضعٍ آخَرَ (٣) - بعد أن ذكَرَ اختلافًا على الإمامِ مالك في وَصْلِ حديثٍ وإرساله -: «وهذا إنما هو مِنْ نشاطِ المحدِّث وكَسَله، أحيانًا يَنْشَطُ فَيُسْنِدُ، وأحيانًا يَكْسَلُ فَيُرْسِلُ، على حَسَبِ المذاكرة» .

    وقال الحافظ المنذري (٤) : «ويمكنُ أن يقال: إنه تذكَّر السماعَ بعد

    ج ١ ص ٩٥ذلك، فصرَّحَ بالتحديث، أو أنَّ الراويَ يَنْشَطُ مرةً فَيُسْنِد، ويَفْتُرُ مرةً فلا يُسْنِد، ويسكُتُ عن ذِكْرِ الشخص مرةً، ويذكُرُهُ أخرى لِمَا يقتضيه الحال» .

    وقال الرَّشِيد العَطَّار (١) : «وهذا الاختلافُ الذي وقَعَ في إسناد هذا الحديثِ على الزُّهْري لا يؤثِّر في صِحَّته؛ فإنَّ الحديثَ قد يكونُ عند الراوي له عن جماعةٍ مِنْ شيوخه، فيحدِّثُ به تَارَةً عن بعضهم، وتارةً عن جميعهم، وتارةً يُبْهِمُ أسماءَهُمْ، وربَّما أرسلَهُ تارَةً على حَسَبِ نشاطه وكَسَله؛ كما أشار إليه مسلمٌ _ح في مقدِّمة كتابه (٢) ، ومع ذلك فلا يكونُ ما ذكرناه اعتلالاً يقدَحُ في صِحَّةِ الحديث ... » إلخ.

  10. وذكَرَ الحافظُ ابن حجر (٣) خلافًا في حديث، ثم قال: «وروايةُ الوقف لا تعارضُ روايةَ الرفع؛ لأنَّ الراويَ قد يَنْشَطُ فيُسْنِد، وقد لا ينشط فيقف» .

    وقال في موضع آخر (٤) : «فتبيَّن صحةُ كلِّ الأقوال؛ فإنَّ الزُّهْري كان يَنْشَطُ تارَةً فيذكُرُ جميعَ شيوخه، وتارةً يقتصرُ على بعضهم» .

  11. ٦) التَّصْحِيفُ:
  12. وهو تغييرُ العبارة أو الكَلِمة عمَّا كانتْ عليه، إلى أخرى تَشْتَبِهُ معها خَطًّا، أو رَسْمًا، وتختلفُ نطقًا.

  13. وهذا قد يقع مِنْ كبار العلماء، فضلاً عن غيرهم، وهو مِنْ صور الوَهَمِ التي يقع فيها الرواةُ الثقات، فاحتاجَ العلماءُ إلى التنبيهِ عليه، فصنَّفوا فيه بعضَ المصنَّفات، ومِنْ أجودها: "تصحيفات المُحَدِّثين" لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت٣٨٢هـ) (١) ، وله أيضًا كتابُ "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" (٢) ، وكتابُ "أخبار المصحِّفين" (٣) ، وصنَّف أبو سليمان حَمْدُ بنُ محمَّد الخَطَّابي (ت٣٨٨هـ) كتابَ "إصلاح خطأ المُحَدِّثين" (٤) ، وللسُّ ِيُوطي (ت٩١١هـ) كتابُ "التَّطْريف، في التصحيف" (٥) ، وغيرها كثير.

  14. وأُفْرِدَ التصحيفُ في كُتُبِ علومِ الحديث بنوعٍ مستقلٍّ؛ فلا تكادُ

    ج ١ ص ٩٧تَجِدُ مُصَنَّفًا منها إلا وفيه الحديثُ عنه (١) ، وقد تعرَّضَ له الخطيبُ في كتابِ "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" في قُرَابة عشرين صفحةً (٢) ، وذكَرَ فيه أخبارًا عن بعض مَنْ صحَّف، ولكنَّها بحاجةٍ إلى تمحيص.

  15. وأكثَرُ ما يقَعُ التصحيفُ في الأسماء، وهذا الذي جعَلَ كثيرًا من أهلِ العلمِ يصنِّفون كتبًا في ضَبْطِ الأسماء، وبيانِ ما يَحْتمِلُ منها اللَّبْسَ والاختلاطَ بغيره، منها: "المؤتَلِفُ والمختَلِفُ" للدارقطني (٣) ، و "مشتَبِهُ النِّسْبة" لعبد الغني بن سعيد الأَزْدي (٤) ، و "تلخيص المتشابه" للخطيب البغدادي (٥) ، و "تالي التلخيص" له أيضًا (٦) ، وجمَعَ ما في هذه المصنَّفاتِ وغيرِهَا الأميرُ أبو نَصْر ابنُ مَاكُولَا في كتابه المشهور

    ج ١ ص ٩٨"الإكمال" (١) فأحسَنَ وأجاد، وتتابَعَتْ مصنَّفاتُ الأئمَّة بعده تبعًا لكتابه، ومِنْ أحسنها: "توضيحُ المُشْتَبِه" لابن ناصر الدين الدمشقي (٢) ، و "تبصيرُ المُنْتَبِه" للحافظ ابن حجر (٣) .

  16. ومن أمثلة العلل الواقعةِ بسببِ التصحيف:

    ما وقع لعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ مِنْ أوهامٍ في أسماء الرجال، مع إمامته؛ بيَّن ذلك أبو زُرْعة الرازي فيما نقله عنه تلميذُهُ البَرْذَعي (٤) حين قال: «شَهِدتُّ أبا زرعة ذكر عبد الرحمن بن مَهْدِي، ومَدَحه، وأطنَبَ في مدحه، وقال: وَهِمَ في غيرِ شيءٍ؛ قال: عن شهاب بن شَرِيفة، وإنما هو: شِهَابُ بنُ شُرْنُفَة. وقال: عن سِمَاك، عن عبد الله بن ظالم، وإنما هو: مالك بن ظالم. وقال: عن هِشَام، عن الحَجَّاج، عن عائد بن بَطَّة، وإنما هو: ابن نَضْلة ... وقال: عن قيس بن جُبَيْر، وإنما هو: قيس بن حَبْتَر» .

  17. ومن ذلك: قولُ عبدِالله ابنِ الإمام أحمد (٥) : قال أبي - في حَدِيثٍ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) : أنه سُئِلَ عن الماء، وما يَنُوبُهُ من

    ج ١ ص ٩٩الدوابِّ -: وقال ابن المبارك: «وما يَثُوبُهُ» ، وصحَّفَ فيه.

    وقال عبد الله أيضًا (١) : قلت ليحيى (٢) : إنَّ عُبَيْداللهِ القَوَاريريَّ حدَّثنا عن ابن مَهْدي، عن جامع بن مَطَر، عن أبي زَوِيَّة: رأيتُ على أبي سعيد الخُدْريِّ عِمامةً سوداءَ، فقال: أخطَأَ، هذا حدَّثناه غيرُهُ عن جامع بن مَطَر، عن أبي رُؤْبة، وصحَّف عبيد الله، لا يُدْرَى مَنْ أبو زَوِيَّة.

  18. وكما أنَّ يحيى بن مَعِين كشَفَ خطَأَ عبيد الله القَوَاريري في هذا الحديثِ، فإنه هو لم يَسْلَمْ من التصحيف:

    فقد قال عبدُاللهِ ابنُ الإمامِ أحمد (٣) أيضًا: حدَّثني أَبِي؛ قَالَ: حدَّثنا أَبُو قَطَن (٤) ، عَنْ شُعْبة، عَنِ العَوَّام بْنِ مُرَاجم، فقال له يحيى ابن مَعِين: إنما هو: ابن مزاحم، فقال أبو قَطَن: عليه وعليه! أو قال: ثيابُهُ فَيْءُ المساكينِ إنْ لم يكنِ ابنَ مُرَاجِم! فقال يحيى: حدَّثنا به وكيع، وقال: ابنُ مُزَاحِم، فقلتُ أنا: حدَّثنا به وكيع، فقال: ابن مُرَاجِم، فسكَتَ يحيى (٥) .

  19. ٧) انْتِقَالُ الْبَصَرِ:
  20. وهذا نوعٌ من التصحيف الذي يقع لناسخي المخطوطاتِ كثيرًا إذا كانتْ هناك كلمةٌ أو عبارةٌ متماثلةٌ في سطرين متواليَيْن، أو سطورٍ متقاربة، يَعْرِفُ ذلك مَنْ كان ذا صلةٍ بالمخطوطات.

  21. ويقع أحيانًا مِنْ بعضِ الأئمَّة عند النقل من الكُتُبِ التي تكونُ فيها عباراتٌ متماثلة كذلك، ومن أمثلة ذلك:

    قولُ ابنِ القَطَّان (١) : «وذكَرَ أيضًا (٢) من طريق التِّرْمِذي (٣) ، عن حَكِيم بن حَكِيم؛ قال: كتَبَ عمر بن الخطاب إلى أبي عُبَيْدة: أنَّ رسولَ اللهِ (ص) قال: «اللهُ ورسولُهُ مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ، والخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ لَهُ» . كذا وقع هذا الحديثُ في النُّسَخ، وهو خطأ؛ ينقُصُ منه واحدٌ، فإنما يرويه حَكِيم بن حَكِيم، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال: كتب عمر بن الخطاب ... وأخاف أنْ يكون إنما سقَطَ لأبي محمد نفسِهِ؛ بقرينةٍ أذكُرُهَا؛ وذلك أنَّ الحديث هو في الترمذيِّ هكذا: "عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حَكِيمِ بنِ حَكِيم ابن عَبَّاد بن حُنَيْف، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بن حُنَيْف؛ قال: كتب عمر بن الخطاب" .

  22. هذا نصُّه، فأظُنُّ أنَّ أبا محمَّدٍ ألقى بَصَرَهُ على حَكِيم بْنِ حَكِيمِ بنِ عَبَّادِ بنِ حُنَيْف، فكتبه مقتصرًا مِنْ نَسَبِهِ على أبيه، ثم أعاد بَصَرَهُ، فوقَعَ على حُنَيْفٍ جَدِّ أبي أمامة المتصلِ به «قال (١) : كتَبَ عمر بن الخَطَّاب» ....

    ج ١ ص ١٠١
  23. وقد تحقَّق الظنُّ، وارتفَعَ الاحتمالُ بأنَّه في كتابه الكبير (٢) هكذا - ومِنْ خَطِّه نقلتُ -: "الترمذي؛ قال: حدَّثنا بُنْدَارٌ، وحدَّثنا [أبو] (٣) أحمد الزُّبَيْري؛ حدَّثنا سُفْيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حَكِيم بن حَكِيم ابن عَبَّاد بن حُنَيْف؛ قال: كتَبَ عمر بن الخطاب" .

  24. فقد تبيَّن أنَّ سقوطَ أَبِي أُمَامَةَ بْن سهل بْن حُنَيْف إنما هو من خطئه، ثم اختصَرَهُ هاهنا على الخطأ» . اهـ.

  25. ومِنْ أمثلة انتقالِ البصر أيضًا: ما وقَعَ لابن المُلَقِّن (٤) في تخريج حديث: «الصُّلْحُ جائزٌ بين المُسْلِمِينَ» ، وهو حديثٌ معروفٌ من رواية كَثِير بن زَيْد، عن الوليد بْنِ رَبَاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فقال ابن المُلَقِّن: «ورواه أحمدُ مِنْ حَدِيثِ سليمانَ بنِ بِلالٍ، عَنْ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هريرة مرفوعًا: «الصُّلْحُ جائزٌ بين المُسْلِمِينَ» ، فهذه طرق

    ج ١ ص ١٠٢متعاضدة» . اهـ. وتابعه الحافظ ابن حجر (١) .

  26. وهذا وَهَمٌ بسببِ انتقالِ البصر؛ لأنَّ الإمامَ أحمد إنما أخرَجَ هذا الحديثَ (٢) من طريقِ سليمانَ بنِ بلال، عَنْ كَثِير بْنِ زَيْد، عَنْ الوليد ابن رَبَاح، عن أبي هريرة، ثم أخرَجَ بعده حديثًا آخَرَ مِنْ طريقِ سليمانَ بنِ بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ (ص) قال: «جُزُّوا الشواربَ، وأَعْفُوا اللِّحَى، وخَالِفُوا المَجُوسَ» ، فانتقَلَ بصَرُ ابنِ المُلَقِّن، فركَّب إسنادَ الحديثِ الثاني على مَتْنِ الحديثِ الأوَّل؛ بسبب روايةِ الإمامِ أحمد للحديثَيْنِ من طريق شيخه الخُزَاعيِّ، عن سليمانَ بنِ بلال.

  27. ووقع مثل هذا للشيخ ناصر الدين الألباني (٣) _ح، فاعتذَرَ عن ذلك (٤) بعد أن نُبِّهَ عليه.

  28. ٨) التَّفَرُّدُ:
  29. وهو مِنْ أَدَقِّ أنواعِ علومِ الحديث، وأصعَبِ أسبابِ العِلَّةِ كَشْفًا؛ ولذا جعلَهُ أهلُ العلم مِنْ أهمِ القرائن التي يُسْتعان بها على إدراك العِلَّة؛ قال ابن الصَّلاح (٥) : «ويُستَعَانُ على إدراكها (٦) بتفرُّدِ الرَّاوي،

    ج ١ ص ١٠٣وبمخالفةِ غَيْرِهِ له، مَعَ قرائنَ تَنْضَمُّ إلى ذلك» .

  30. والدليلُ على دِقَّتِهِ وصعوبتِهِ: كثرةُ اختلافِ الأئمَّةِ في تطبيقِهِ، سواءٌ كان تفرُّدًا مطلقًا، أو مَعَ وجودِ مخالفةٍ.

  31. أمَّا مع وجود المخالفة: فالخلافُ بين الأئمَّة فيه أقلُّ من خِلَافهم في التفرُّدِ المطلق، لكنَّه ليس مِنْ مقصودنا هنا، وَيَكْفِينا فيه هذا المثال:

    قال عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : «وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عبد الأعلى (٢) ، عَنْ سَعِيدٍ (٣) ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سُلَيْمان اليَشْكُرِي، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قال: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، ولَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» ؟

    قَالَ أَبِي: رَوَاهُ شُعْبة، عَنْ قَتَادة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) .

    قُلْتُ: أيُّهما أَشْبَهُ؟

    قَالَ: سعيدُ بنُ أَبِي عَرُوبَة لحديثِ قتادةَ أحفظُ» .

  32. فهذا يعني ترجيحَ أبي حاتم لرواية سعيد بن أبي عَرُوبة على رواية شُعْبة، وخالفَهُ في ذلك البخاريُّ ومسلمٌ، فأخرَجَا الحديثَ في "صحيحيهما" (٤) من طريق شُعْبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ جَابِرٍ، به.

  33. وما ذهب إليه البخاريُّ ومسلمٌ هو الصوابُ؛ بدليلِ أنهما أخرجاه أيضًا مِنْ طُرُقٍ - غَيْرِ طريقِ قَتَادَةَ - عَنْ سالمِ بنِ أَبِي

    ج ١ ص ١٠٤الجَعْد؛ وهذا يؤكِّد أنَّ الحديثَ حديثُ سالم.

  34. وقد يخفى التفرُّد مع المخالفة على الإمامِ وإنْ كان كبيرًا؛ مثلُ الحديثِ الذي رواه عبد الله ابن نُمَيْر، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْد، عَنْ سَعْد؛ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ (ص) : «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً (١) ؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» .

  35. وخالفَهُ أبو أسامةَ حمَّادُ بنُ أسامة، فرواه عَنْ هاشمِ بنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْد، عَنْ أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ (ص) .

  36. وسُئِل الإمامُ الدارقُطْنِيُّ (٢) عن هذا الحديث؟ فقال: «يرويه هاشم بنُ هاشم، واختُلِفَ عنه: فرواه أبو أسامة، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، وخالفه ابن نُمَيْر، فرواه عن هَاشِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عن أبيها، وكلاهما ثِقَةٌ، ولعلَّ هاشمًا سمعه منهما، والله أعلم» .

  37. فجوابُ الدارقطنيِّ هذا يَدُلُّ على أنه خَفِيَ عليه تفرُّدُ ابن نمير بهذا الوجه، وأنَّ أبا أسامة قد تُوبِعَ مِنْ عدد مِنَ الرواة؛ ولذا كان جوابُ

    ج ١ ص ١٠٥أبي زرعة أَسَدَّ منه، فقد سأله ابن أبي حاتم (١) عن رواية عبد الله بن نمير هذه؟ فقال: «هَكَذَا قَالَ ابْنُ نُمَيْر! وَقَالَ مَرْوانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو ضَمْرَةَ (٢) : عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن أبيه، عن النَّبيّ (ص) ؛ وهو الصحيحُ» .

  38. والحديثُ على هذا الوجه الذي رجَّحه أبو زُرْعة أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" (٣) مِنْ بعضِ هذه الطرقِ وغَيْرِها.

  39. وأما التفرُّدُ المُطْلَقُ: فهو الذي يكثُرُ اختلافُهُمْ فيه:

    ومِنْ أمثلةِ ذلك: ما أخرجَهُ الشيخان (٤) ، مِنْ حديثِ عمرو بن عاصم؛ حدَّثنا هَمَّام، عن إسحاق بن عبد الله بْنِ أَبِي طَلْحة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ (ص) فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عليَّ، قال: وحضَرَتِ الصلاةُ، فصلَّى مع رسولِ الله (ص) ، فلمَّا قضى الصلاةَ، قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فأَقِمْ فيَّ كتابَ الله؛ قال: «هل حَضَرْتَ الصلاةَ مَعَنَا؟» ، قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لك» .

  40. فهذا الحديثُ صحَّحه البخاريُّ ومسلم كما سبق، وخالفهما