مقدمة التحقيق

١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥

الصفحة ٨ من ٣٧

  1. أبو حاتم الرازيُّ والبَرْدِيجيُّ:
  2. أما أبو حاتم: فحكَى عنه ابنُهُ عبد الرحمن (١) أنه قال: «هَذَا حديثٌ باطلٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ» .

  3. وأما البَرْدِيجيُّ: فنقَلَ عنه ابنُ رجب (٢) أنه قال: «هذا عندي حديثٌ مُنْكَرٌ، وهو عندي وَهَمٌ من عمرو بن عاصم» .

  4. قال ابن رجب (٣) - عَقِبَ ذكره لكلامِ أبي حاتمٍ والبَرْدِيجي -: «وهذا الحديثُ مُخَرَّجٌ في الصحيحَيْنِ مِنْ هذا الوجه، وخرَّج مسلم (٤) معناه أيضًا مِنْ حديثِ أبي أمامة، عن النَّبِيِّ (ص) ؛ فهذا شاهدٌ لحديثِ أنس.

  5. ولعلَّ أبا حاتمٍ والبَرْدِيجيَّ إنما أنكرا الحديثَ؛ لأنَّ عمرو بن عاصمٍ ليس هو عندهما في مَحَلِّ مَنْ يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُ بمثلِ هذا الإسناد، والله أعلم» .

  6. ثم نقَلَ ابنُ رجب (٥) ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد القَطَّان والإمامِ أحمد بعضَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على مِثْلِ ما ذهب إليه أبو حاتم والبَرْدِيجيُّ، وقال: «وهذا الكلامُ يَدُلُّ على أنَّ النَّكَارة عند يحيى القطان لا تزولُ

    ج ١ ص ١٠٧إلا بمعرفة الحديثِ مِنْ وجه آخر، وكلامُ الإمامِ أحمد قريبٌ من ذلك ... وأمَّا تصرُّف الشيخين والأكثرين فيدُلُّ على خلاف هذا، وأنَّ ما رواه الثقةُ عن الثقة إلى منتهاه، وليس له عِلَّةٌ، فليس بمنكر» .

  7. وفي هذا دَلَالةٌ على أنَّ الحديثَ الذي يتفرَّدُ به راوٍ من الرواة الذين لا يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُمْ مطلقًا، أو في ذلك الحديثِ بعينِهِ، يُعَدُّ حديثًا منكرًا.

  8. وليس للحديثِ المنكَرِ تعريفٌ متفقٌ عليه بين الأئمَّة المتقدِّمين؛ ولذا يقولُ الحافظ ابن رجب (١) : «ولم أقفْ لأحدٍ من المتقدِّمين على حدِّ المُنْكَرِ من الحديثِ وتعريفِهِ، إلا على ما ذكره أبو بَكْرٍ البَرْدِيجي الحافظ - وكان من أعيان الحفاظِ المبرِّزين في العلل -: أنَّ المنكر: هو الذي يحدِّث به الرجلُ عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يُعْرَفُ ذلك الحديثُ - وهو مَتْنُ الحديث - إلا مِنْ طريقِ الذي رواه؛ فيكونُ منكرًا.

  9. ذكَرَ هذا الكلامَ في سياقِ ما إذا انفرَدَ شُعْبة، أو سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، أو هشامٌ الدَّسْتَوائي؛ بحديثٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) . وهذا كالتصريحِ بأنَّ كُلَّ ما ينفردُ به ثقةٌ عن ثقة، ولا يُعْرَفُ المتنُ مِنْ غيرِ ذلك الطريق، فهو مُنْكَرٌ؛ كما قاله الإمامُ أحمد في حديثِ عبد الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبيّ (ص) : في النَّهْيِ عن

    ج ١ ص ١٠٨بيعِ الوَلَاء وهِبَته....

    قال البَرْدِيجي بعد ذلك: فأمَّا أحاديثُ قتادة التي يرويها الشيوخ؛ مثلُ حَمَّادِ بنِ سَلَمة، وهَمَّامٍ، وأَبَانَ، والأوزاعيِّ؛ ننظُرُ في الحديث: فإنْ كان الحديثُ يُحْفَظُ مِنْ غيرِ طريقهم عن النَّبيّ (ص) ، أو عن أنسِ بنِ مالك من وجه آخر؛ لم يُدْفَعْ، وإنْ كان لا يُعْرَفُ عن أحد، عن النَّبيّ (ص) ، ولا مِنْ طريقٍ عن أنس، إلا مِنْ روايةِ هذا الذي ذكَرْتُ لك؛ كان منكرًا.

    وقال أيضًا: إذا روى الثقةُ من طريقٍ صحيحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبيّ (ص) حديثًا لا يصابُ إلا عند الرجلِ الواحد؛ لم يَضُرَّهُ ألَاّ يرويَهُ غيرُهُ إذا كان متنُ الحديثِ معروفًا، ولا يكونُ منكرًا ولا معلولاً» . اهـ.

  10. ولمسلم بن الحجَّاج كلامٌ في مقدمة "صحيحه" (١) يبيِّن مراده بالحديث المنكر يحسُنُ إيراده هنا:

    قال _ح: «وعلامةُ المُنْكَرِ في حديث المحدِّث: إذا ما عَرَضْتَ روايتَهُ للحديث على روايةِ غيره مِنْ أهلِ الحفظ والرِّضَا خالَفَتْ روايتُهُ روايتَهُمْ، أو لم تَكَدْ توافقها، فإذا كان الأغلبُ من حديثِهِ كذلك؛ كان مهجورَ الحديثِ غيرَ مقبولِهِ، ولا مُسْتَعْمَلِهِ، فمِنْ هذا الضَّرْبِ من المحدِّثين: عبدُاللهِ بنُ مُحَرَّرٍ، ويحيى بنُ أبي أُنَيْسة، والجَرَّاحُ بنُ

    ج ١ ص ١٠٩المِنْهَال أبو العَطُوف، وعبَّادُ بنُ كَثِير، وحُسَيْنُ بنُ عبد الله ابنِ ضُمَيْرة، وعمرُ بنُ صُهْبان، ومَنْ نحا نَحْوَهُمْ في رواية المنكر من الحديثِ، فلَسْنا نُعَرِّجُ على حديثهم، ولا نتشاغَلُ به؛ لأنَّ حُكْمَ أهلِ العلم، والذي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبهم في قَبُولِ ما يتفرَّدُ به المحدِّثُ من الحديثِ: أنْ يكونَ قد شارَكَ الثقاتِ مِنْ أهل العلم والحفظِ في بعض ما رَوَوْا، وأَمْعَنَ في ذلك على الموافقةِ لهم، فإذا وُجِدَ كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أَصْحَابه؛ قبلتْ زيادَتُهُ، فأمَّا مَنْ تراه يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ في جلالتِهِ، وكثرةِ أَصْحَابِهِ الحفاظِ المتقنين لحديثه وحديثِ غيره، أو لِمِثْلِ هشامِ بن عُرْوة - وحديثُهُمَا عند أهلِ العلمِ مبسوطٌ مشترَكٌ، قد نقَلَ أَصْحَابُهُما عنهما حديثَهُمَا على الاتفاقِ منهم في أكثره - فَيَرْوِي عنهما، أو عن أَحَدِهما، العَدَدَ مِنَ الحديثِ ممَّا لا يعرفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابهما، وليس مِمَّنْ قد شاركَهُمْ في الصحيحِ مما عندهم، فغَيْرُ جائزٍ قبولُ حديثِ هذا الضَّرْبِ من الناس، والله أعلم» . اهـ.

  11. وقد حكى ابنُ رَجَب (١) كلامَ مسلمٍ هذا، ثم علَّق عليه بقوله: «فصرَّح بأنَّ الثقةَ إذا أمعَنَ في موافقةِ الثقات في حديثهم، ثم تفرَّد عنهم بحديث؛ قُبِلَ ما تفرَّد به، وحكاه عن أهلِ العلم. وقد ذكرنا فيما تقدَّم (٢) قولَ الشافعيِّ في الشاذِّ، وأنه قال: ليس الشَّاذُّ

    ج ١ ص ١١٠من الحديثِ أنْ يروي الثقةُ مِنَ الحديثِ ما لا يروي غيره، إنما الشَّاذُّ أن يروي الثقةُ حديثًا يخالفُ الناسَ، وكذا قال أبو بَكْرٍ الأثرمُ.

  12. وحكى أبو يَعْلَى الخَلِيلي (١) هذا القولَ عن الشافعيِّ وجماعةٍ من أهلِ الحجاز، ثم قال: الذي عليه حُفَّاظُ الحديث: أنَّ الشاذَّ ما ليس له إلا إسنادٌ واحد، يَشِذُّ بذلك شيخٌ؛ ثقةً كان أو غَيْرَ ثقة، فما كان عن غَيْرِ ثقة فمتروكٌ لا يُقْبَلُ، وما كان عن ثقة، يُتَوَقَّفُ فيه، ولا يُحْتَجُّ به.

  13. وكذلك ذكَرَ الحاكمُ: أنَّ الشَّاذَّ هو الحديثُ الذي ينفردُ به ثقةٌ من الثقات، وليس له أصلٌ متابِعٌ لذلك الثقةِ، ولم يُوقَفْ له على عِلَّة.

  14. ولكنَّ كلامَ الخَلِيلي: في تفرُّد الشيوخِ، والشيوخُ في اصطلاحِ أهل هذا العلم: عبارةٌ عمَّن دون الأئمَّةِ والحفاظ، وقد يكونُ فيهم الثقةُ وغيره، فأمَّا ما انفرَدَ به الأئمَّةُ والحفاظُ فقد سمَّاه الخليلي: فَرْدًا، وذكَرَ أنَّ أفرادَ الحفاظِ المشهورين الثقاتِ، أو أفرادَ إمامٍ عن الحفاظ والأئمَّة صحيحٌ متفَقٌ عليه، ومثَّله بحديثِ مالكٍ في المِغْفَرِ (٢) .

  15. فتلخَّص مِنْ هذا: أنَّ النكارةَ لا تزولُ عند يحيى القَطَّانِ، والإمامِ أحمد، والبَرْدِيجي، وغَيْرِهِمْ من المتقدِّمين إلا بالمتابعةِ، وكذلك الشذوذُ كما حكاه الحاكم.

  16. وأمَّا الشافعيُّ وغيره: فيرَوْنَ أنَّ ما تَفَرَّدَ به ثقةٌ مقبولُ الروايةِ ولم يخالفْهُ غيرُهُ، فليس بشاذٍّ، وتصرُّفُ الشيخَيْنِ يدُلُّ على مثل هذا المعنى.

    ج ١ ص ١١١
  17. وفرَّقَ الخليليُّ بين ما ينفردُ به شيخٌ من الشيوخِ الثقاتِ، وما ينفرِدُ به إمامٌ أو حافظٌ: فما انفرَدَ به إمامٌ أو حافظٌ؛ قُبِلَ واحتُجَّ به، بخلافِ ما تفرَّد به شيخٌ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حُفَّاظ الحديث، والله أعلم» . اهـ كلام ابن رجب.

  18. والإعلالُ بالتفرُّدِ كثيرٌ عند أهلِ العلمِ بالحديث؛ ولذا نَجِدُ البخاريَّ، والعُقَيْليَّ، وابنَ عَدِيٍّ كثيرًا ما يُعِلُّونَ الحديثَ بقولهم: «لا يتابَعُ عليه» (١) .

  19. وأكثَرُ ما يُعِلُّونَ بالتفرُّد: إذا تفرَّد خفيفُ الضبط عن إمامٍ مُكْثِرٍ ممَّن يَحْرِصُ أهلُ العلم على جمعِ حديثه وروايتِهِ؛ كالزُّهْري، وقتادة، والأعمش، والثَّوْري، وشُعْبة، ومالك، ونحوهم، أو تفرَّدَ بحديثٍ من أحاديثِ الأحكامِ التي يَحْرِصُ أهلُ العلم على روايتها:

    مثال ذلك: قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) : «وسألتُ أبي عن

    ج ١ ص ١١٢حديثِ أَوْسِ بنِ ضَمْعَج، عَنْ أبي مسعود، عن النَّبيّ (ص) ؟

    فَقَالَ: قد اختَلَفُوا فِي متنه؛ رَوَاهُ فِطْرٌ، وَالأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن رجاء، عن أوس ابن ضَمْعَج، عَنْ أَبِي مَسْعُود، عَنِ النَّبِيِّ (ص) ؛ قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً؛ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» .

  20. وَرَوَاهُ شُعْبة، والمَسْعودي، عن إسماعيلَ ابنِ رَجَاء، لَمْ يَقُولُوا: «أَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّة» .

    قَالَ أَبِي: كَانَ شُعْبة يَقُولُ: إسماعيلُ بنُ رَجَاء كأنَّه شَيْطَانٌ؛ مِنْ حُسْنِ حَدِيثِهِ، وَكَانَ يهابُ هَذَا الحديثَ؛ يقولُ: حُكْمٌ مِنَ الأحكامِ عن رسول الله (ص) لَمْ يشاركْهُ أحدٌ (١) .

    قَالَ أَبِي: شُعْبةُ أحفظُ مِنْ كُلِّهم.

    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَلَيْسَ قَدْ رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَج؟

    قَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ الحسَنُ بْنُ يَزِيد الأَصَمُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَهُوَ شَيْخٌ، أَيْنَ كَانَ الثَّوْري وشُعْبة عن هذا الحديث؟! وأخافُ ألَاّ يكونَ محفوظًا» (٢) .

  21. ٩) التَّدْلِيسُ:
  22. وهو إخفاءُ عَيْبٍ في الإسناد، وإيهامُ الناظِرِ فيه بِخُلُوِّ ذلك الإسنادِ من العَيْب (١) .

  23. والتدليسُ عند أهلِ الحديثِ قسمان:

    ١ - تدليسُ إسناد.

  24. ٢ - وتدليسُ شيوخ.

  25. يقول الحافظ ابن حجر (٢) : «والتدليسُ تارَةً في الإسناد، وتارَةً في الشيوخ.

  26. فالذي في الإسناد: أنْ يَرْوِيَ عمَّن لقيه شيئًا لم يَسْمَعه منه؛ بصيغةٍ مُحْتَمِلة، ويَلْتَحِقُ به مَنْ رآه ولم يجالسه.

  27. ويَلْتَحِقُ بتدليسِ الإسناد: تدليسُ القَطْع، وهو: أن يَحْذِفَ الصيغةَ ويَقْتَصِرَ على قولِهِ مثلاً: الزُّهْري، عن أنس.

  28. وتدليسُ العَطْف، وهو: أن يُصَرِّحَ بالتحديثِ في شيخٍ له، ويَعْطِفَ عليه شيخًا آخَرَ له، ولا يكون سَمِعَ ذلك من الثاني.

  29. وتدليسُ التسوية، وهو: أن يصنَعَ ذلك لشيخِهِ، فإنِ اطُّلِعَ على أنه

    ج ١ ص ١١٤دلَّسه حُكِمَ به، وإنْ لم يُطَّلَعْ طَرَقَهُ الاحتمالُ، فَيُقْبَلُ من الثقةِ ما صرَّحَ فيه بالتحديثِ، ويُتَوَقَّفُ عمَّا عداه....

  30. وأما تدليسُ الشيوخ، فهو: أنْ يَصِفَ شيخَهُ بما لا يَشْتَهِرُ به؛ من اسمٍ، أو لَقَبٍ، أو كُنْيةٍ، أو نِسْبةٍ، إيهامًا للتكثيرِ غالبًا، وقد يفعلُ ذلك لِضَعْفِ شيخه، وهو خيانةٌ ممَّن تعمَّده (١) ، كما إذا وقَعَ ذلك في تدليسِ الإسنادِ، واللهُ المُسْتَعَان» . اهـ.

    وقال مسلمُ بن الحجَّاج (٢) : «وإنما كان تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديثِ ممَّن روَى عنهم: إذا كان الراوي ممَّن عُرِفَ بالتدليس في الحديثِ، وشُهِرَ به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقَّدون ذلك منه؛ كي تَنْزَاحَ عنهم عِلَّةُ التدليس» . اهـ.

  31. وللجهابذةِ النُّقَّادِ مِنْ علماءِ الحديثِ معرفةٌ ثاقبةٌ بطرائقِ الرُّوَاةِ في التدليسِ؛ فإنْ كان الراوي الذي دَلَّسَ مُتَكَلَّمًا فيه، أو روايتُهُ مُضَعَّفَةٌ بأمرٍ آخَرَ، فالأَمْرُ هَيِّنٌ، وإنْ كان ثقةً استوجَبَ ذلك منهم مزيدَ بحثٍ؛ حتى لا يَغْتَرَّ الناظرُ في الإسنادِ بظاهره، فَيَحْكُمَ بِصِحَّته، كما أنه ليس كلُّ عنعنة مِنْ راوٍ وُصِفَ بالتدليس تُرَدُّ (٣) ؛ لأنه يترتَّب على ذلك رَدُّ

    ج ١ ص ١١٥كثير من السنن الصحيحة، وهذا يُشْعِرُ بصعوبةِ الحكمِ على الحديث بالصحَّة، كما يُشْعِرُ بصعوبةِ الإعلال بالتدليس.

  32. والذي يُهِمُّنَا هنا هو أنَّ الرواةَ الثقاتِ قد يقع منهم التدليسُ، فَيُحْتاجُ إلى جِهْبِذٍ يَكْشِفُهُ لِتَظْهَرَ عِلَّةُ الإسناد؛ ومِنْ هنا نعلمُ أنَّ مِنْ أسبابِ وجودِ العِلَّةِ: وقوعَ التدليس.

  33. فمن أمثلة ذلك:

    قولُ عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) : وسمعتُ أَبِي وذكَرَ الحديثَ الَّذِي رَوَاهُ إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَهْ، عَنْ بَقِيَّة (٢) ؛ قَالَ: حدَّثني أَبُو وَهْب الأَسَدِي؛ قَالَ: حدَّثنا نَافِعٌ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ؛ قَالَ: لا تَحْمَدُوا إسلامَ امْرِئٍ حَتَّى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رَأْيِهِ.

    قَالَ أَبِي: هَذَا الحديثُ لَهُ عِلَّةٌ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا؛ روَى هذا الحديثَ عبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو، عَنْ إسحاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عمر، عن النَّبِيِّ (ص) ، وعبيدُاللهِ بنُ عَمْرٍو كنيتُهُ: أَبُو وَهْبٍ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ؛ فكأنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليد كَنَى عبيدَاللهِ بنَ عَمْرٍو، ونسَبَهُ إِلَى بَنِي أَسَد؛ لِكَيْلا يُفْطَنَ بِهِ، حَتَّى إِذَا ترَكَ إسحاقَ بنَ أَبِي فَرْوَة مِنَ الوسَطِ لا يُهْتَدَى لَهُ، وَكَانَ بَقِيَّةُ مِنْ أفعَلِ الناسِ لِهَذَا، وأمَّا ما قَالَ إسحاقُ فِي روايتِهِ عَنْ بَقِيَّة، عَنْ أَبِي وَهْب: «حدَّثنا نَافِع» ، فهو وَهَمٌ، غيرَ أنَّ وجهه عندي:

    ج ١ ص ١١٦أنَّ إسحاقَ لعلَّه حفظ عَنْ بَقِيَّةَ هَذَا الحديثَ، ولَمَّا يَفْطَنْ لِمَا عَمِلَ بَقِيَّةُ مِنْ تركِهِ إسحاقَ من الوَسَط، وتكنيتِهِ عبيدَاللهِ بنَ عَمْرو، فلم يَفْتقِدْ لفظَ بَقِيَّةَ (١) فِي قوله: «حدَّثنا نَافِع» ، أو: «عن نافع» . اهـ.

    وقال أيضًا (٢) : وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعة عَنْ حديثٍ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، عَنْ سُهَيْل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيّ (ص) قَالَ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ... » ، الحديثَ؟

  34. فَقَالا: هَذَا خَطَأٌ، رَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ عَوْن بن عبد الله مَوْقُوفٌ، وَهَذَا أَصَحُّ.

    قلتُ لأَبِي: الوَهَمُ ممَّن هُوَ؟

    قَالَ: يَحْتمِلُ أَنْ يَكُونَ الوَهَمُ مِنِ ابنِ جُرَيْج، ويَحْتمِلُ أَنْ يكونَ مِنْ سُهَيْلٍ، وأخشَى أَنْ يكونَ ابنُ جُرَيْجٍ دَلَّسَ هَذَا الحديثَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُوسَى، أخَذَهُ مِنْ بَعْضِ الضِّعَفَاءِ.

  35. وسمعتُ أَبِي مَرَّةً أُخْرَى يَقُولُ: لا أعلَمُ رَوَى هَذَا الحديثَ عن سُهَيْلٍ أحد إِلا مَا يَرْوِيهِ ابنُ جُرَيْج، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، وَلَمْ يذكُرِ ابنُ جُرَيْج فِيهِ الخَبَرَ (٣) ؛ فَأَخْشَى أنْ يكونَ أَخَذَهُ عَنْ إبراهيمَ بنِ أَبِي يَحْيَى؛ إذْ لَمْ يَرْوِهِ أَصْحَابُ سُهَيْل، لا أعلَمُ رُوِيَ هَذَا الحديثُ عَنْ النَّبيِّ (ص) فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ أَبِي هريرة.

  36. وذكَرَ الدارقطنيُّ (٤) هذا الحديثَ وعِلَّتَهُ، ونقَلَ عن الإمامِ أحمدَ قولَهُ: «وأخشَى أنْ يكونَ ابنُ جُرَيْج دَلَّسَهُ عن موسى بنِ عُقْبة، أخذَهُ من بعضِ الضعفاءِ عنه» ، ثم قال الدارقطني: «والقولُ كما قال أحمد» .

    وقال أبو حاتم أيضًا في حديثٍ آخر (٥) : «ويَحْتمِلُ أَنْ يكونَ مِنْ حديثِ ابنِ جُرَيْج، عَنْ إبراهيمَ بنِ أبي

    ج ١ ص ١١٧يَحْيَى، عَنْ صَفْوانَ بنِ سُلَيْم؛ لأنَّ ابنَ جُرَيْج يُدَلِّسُ عَنِ ابنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْم غيرَ شيء» .

    وقال أبو حاتم أيضًا (١) : «وَلا أَظُنُّ الثَّوْريَّ سَمِعَهُ مِنْ قَيْس، أُرَاهُ مُدَلَّسً» .

    وقال الدارقطني (٢) : «وقيل: إنَّ الثَّوْري لم يسمعْهُ من قيس، وإنما أخذه عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قيس، وهو عنده مرسلٌ» .

    وقال أبو حاتم أيضًا (٣) : «الزُّهْري لَمْ يسمَعْ مِنْ عُرْوة هذا الحديثَ؛ فلعلَّه دَلَّسَهُ» .

    ج ١ ص ١١٨وقال أيضًا (١) : «وأَنَا أَخْشَى ألَاّ يكونَ سَمِعَ هذا الأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ، إنَّ الأَعْمَشَ قليلُ السماعِ مِنْ مُجَاهِدٍ، وعامَّةُ مَا يَرْوِي عَنْ مجاهدٍ مُدَلَّسٌ» .

  37. وفي موضع آخر (٢) سأله ابنُهُ عبد الرحمن عن الأعمش؟ فقال: «الأعمَشُ ربَّما دَلَّسَ» (٣) .

  38. ١٠) سُلُوكُ الْجَادَّةِ:
  39. وربَّما عبَّر عنه بعضُهُمْ بقوله: «لَزِمَ الطريقَ» ، أو «أخَذَ طريقَ المَجَرَّة» ، أو نحوِهَا من التعبيراتِ التي تَدُلُّ على معنًى واحدٍ كما سيأتي.

  40. ومِنَ المعلومِ: أنَّ هناك بعضَ الأسانيدِ التي يَكْثُرُ دَوَرَانُهَا بسببِ كثرةِ روايةِ الراوي، وكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عنه؛ كأبي هريرة ح الذي هو أكثَرُ الصحابةِ روايةً؛ فإنَّ بعضَ تلاميذه أكثَرُوا من الروايةِ عنه، وبعض تلاميذهم أَكْثَروا من الروايةِ عنهم، وربَّما تلاميذُهُمْ أيضًا، وهكذا.