مقدمة التحقيق

١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥

الصفحة ٩ من ٣٧

  1. فكثرةُ تداوُلِ أحدِ هذه الأسانيدِ بصورةٍ واحدةٍ تجعلُهُ إسنادًا مشهورًا، ويسمَّى عندهم: طريقًا، أو جَادَّة، أو مَجَرَّةً؛ يسهُلُ حفظُهُ كما يسهُلُ سلوكُ الناسِ للجَادَّةِ التي يَمْشُونَ عليها.

    ج ١ ص ١١٨
  2. وربَّما جاء حديثٌ آخَرُ يَشْترِكُ مع هذا الإسنادِ المشهور «الجادَّة» في بعضِ رجاله، ويَخْتلِفُ في بعضهم الآخَرِ، فَيَرْوِيهِ بعضُ الرواةِ فَيَهِمُ، فيذكُرُ الإسنادَ المشهورَ بتمامِهِ بحكمِ الاشتراكِ في بعضه، فينبِّهُ العلماءُ على هذا الوَهَمِ، ويوضِّحون سببه؛ كقولِ البيهقي (١) : «هذا - عِلْمي (٢) - من الجنس الذي كان الشافعيُّ _ح يقول: أخَذَ طريقَ المَجَرَّة، فهذا الشيخُ لمَّا رأى أخبارَ ابنِ بُرَيْدة عن أبيه؛ توهَّم أنَّ هذا الخبر هو أيضًا عن أبيه» .

    وقال البيهقيُّ (٣) أيضًا: «قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعيُّ في هذا الحديثِ: اتبَعَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنة - في قوله: الزُّهْريُّ، عن عُرْوة، عن عبد الرحمن - المَجَرَّةَ. يريد: لَزِمَ الطريقَ» .

    ج ١ ص ١١٩
  3. ومثَّل أبو عبد الله الحاكمُ (٤) للجنسِ التاسعِ مِنْ أجناس العلل بحديثٍ قال عنه: «لهذا الحديثِ عِلَّةٌ صحيحةٌ، والمنذرُ بنُ عبد الله أخَذَ طريقَ المَجَرَّةِ فيه» .

  4. وذكَرَ السُّيُوطيُّ (٥) هذه الأجناسَ التي ذكرها الحاكمُ، وعرَّفَ الجنسَ التاسع بقوله: «التاسع: أنْ تكونَ طريقُهُ معروفةً، يروي أحدُ رجالها حديثًا مِنْ غير تلك الطريقِ، فيقَعُ مَنْ رواه مِنْ تلك الطريقِ

    ج ١ ص ١٢٠- بناءً على الجادَّة - في الوَهَمِ» .

  5. ويوضِّح هذا ويبيِّنه: أنَّ أبا صالحٍ ذكوانَ السَّمَّانَ من المُكْثِرين جِدًّا عن أبي هريرة، وروايةُ ابنِهِ سُهَيْلِ بنِ أبي صالح، عنه، عن أبي هريرة بلغَتْ في "تحفة الأشراف" فقط (٢١٨) حديثًا (١) ، فهذا الإسنادُ جادَّةٌ معروفةٌ يخطئ فيه الرواةُ كثيرًا؛ كما حصَلَ من محمَّد بن سليمان الأَصْبَهانيِّ حين روى عَن سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيّ (ص) : أَنَّهُ كَانَ يصلِّي فِي اليومِ والليلةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعةً.

  6. فقد سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) أباه عن هذا الحديث؟ فقال: «كنتُ مُعْجَبًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وكنتُ أُرَى أَنَّهُ غريبٌ، حَتَّى رأيتُ: سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ المسيب، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْس، عَنْ عَنْبَسَة، عَنْ أُمِّ حَبِيبة، عن النَّبيّ (ص) ، فَعَلِمْتُ أنَّ ذاك (٣) لَزِمَ الطريقَ» .

    وقال ابن عدي (٤) : «وهذا أخطَأَ فيه ابنُ الأصبهاني حيثُ قال: عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة، وكان هذا الطريقُ أسهَلَ عليه» ؛ يعني أسهَلَ عليه في الحفظِ والرواية.

  7. ولهذا يرجِّح العلماءُ ما كان خارجًا عن الجادَّة؛ لأنه قرينةٌ على حفظ الراوي؛ يقولُ السخاويُّ (١) : «فسلوكُ غَيْرِ الجَادَّةِ دَالٌّ على مزيدِ التحفُّظ؛ كما أشار إليه النَّسَائِيُّ» .

    وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (٢) : «الذي يَجْرِي على طريقةِ أهلِ الحديث: أنَّ روايةَ عبد العزيز شاذَّةٌ؛ لأنَّه سلَكَ الجادَّةَ، ومَنْ عَدَلَ عنها دَلَّ على مزيدِ حفظه» .

    ج ١ ص ١٢١
  8. وفي مثال آخر: روى أبو عَتَّابٍ سهلُ بن حَمَّاد، عن عبد الله بن المثنَّى، عن ثُمَامة بن عبد الله بن أَنَس، عن جَدِّهِ أنسٍ ح، عن النَّبِيِّ (ص) قَالَ: «إِذَا وقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ ... » إلخ، وهذا إسنادٌ معروفٌ، وجادَّةٌ مطروقة، وخالفَهُ حمَّاد بن سَلَمة، فرواه عن ثُمَامة، عن أبي هريرة ح؛ وهذا غير الجادَّة.

  9. فسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (٣) أباه عن هذا الحديث؟ فأجاب بقوله: «هَذَا أَشْبَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيّ (ص) ، ولَزِمَ أَبُو عَتَّابٍ الطريقَ، فَقَالَ: عن عبد الله، عَنْ ثُمَامة، عَنْ أَنَسٍ» (٤) .

  10. وَقَالَ الحافظ ابن حجر (٥) في حديثٍ اختَلَفَ فيه حمَّادُ بنُ سلمة

    ج ١ ص ١٢٢مع باقي الرواة عن عِكْرمة: «لكنْ لمَّا فُتِّشَتِ الطرقُ؛ تبيَّن أنَّ عِكْرمةَ سمعه ممَّن هو أصغَرُ منه، وهو الزُّهْري، والزُّهْريُّ لم يسمعْهُ من ابن عمر ذ، إنما سمعه من سالم، فوضَحَ أنَّ رواية حماد بن سلمة مُدَلَّسَةٌ أو مُسَوَّاةٌ، ورجَعَ هذا الإسنادُ الذي كان يمكنُ الاعتضادُ به إلى الإسنادِ الأوَّل الذي حُكِمَ عليه بالوَهَمِ، وكان سبَبُ حكمهم عليه بالوَهَمِ: كَوْنَ سالمٍ أو مَنْ دونه سلَكَ الجادَّةَ» .

    وقال في موضع آخر (١) : «فروايةُ الدَّرَاوَرْدي لا تنافي روايةَ ابن أبي ذِئْب؛ لأنَّها قَصُرَتْ عنها؛ فدَلَّ على أنه لم يَضْبِطْ إسناده، فأرسلَهُ، وروايةُ عبد الله بن رَجَاء إنْ كانتْ محفوظةً فقد سلك الجادَّةَ في أحاديثِ المَقْبُرِيِّ» (٢) .

  11. ١١) التَّلْقِينُ:
  12. والتَّلْقِينُ - في اللغة -: التَّفْهِيمُ، وفي العُرْف: إلقاءُ كلامٍ إلى الآخَرِينَ في الحديث؛ إمَّا إسنادًا أو متنًا، والمبادرةُ إلى التحديثِ بذلك ولو مَرَّةً. والتلقينُ: أَنْ يُلَقَّنَ الْمُحَدِّثُ الشيءَ، فيحدِّثَ به مِنْ غيرِ أنْ يَعْلَمَ أنه مِنْ حديثه، فلا يُقْبَلُ؛ لدلالتِهِ على مجازفتِهِ، وعَدَمِ تثبُّته، وسقوطِ الوثوقِ بالمتَّصِفِ به (٣) .

    ج ١ ص ١٢٣قال ابن حزم (١) : «ومَنْ صَحَّ أنه قَبِلَ التلقينَ ولو مرةً، سَقَطَ حديثُهُ كلُّه؛ لأنَّه لم يتفقَّهْ في دينِ الله ا، ولا حَفِظَ ما سَمِعَ، وقد قال _ج: «نضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ منَّا حديثًا، حَفِظَهُ حتَّى بلَّغه غيرَهُ» ؛ فإنما أمر _ج بِقَبُولِ تبليغِ الحافظ. والتلقينُ هو: أن يقولَ له القائلُ: حدَّثَكَ فلانٌ بكذا، ويُسَمِّيَ له مَنْ شاء مِنْ غيرِ أنْ يَسْمَعه منه، فيقول: نعم، فهذا لا يخلو مِنْ أحد وجهين - ولا بُدَّ من أحدهما ضرورةً -: إمَّا أن يكونَ فاسقًا يحدِّثُ بما لم يَسْمَعْ، أو يكونَ مِنَ الغَفْلة بحيث يكونُ الذاهلَ العَقْلِ، المدخولَ الذِّهْنِ، ومِثْلُ هذا لا يُلْتَفَتُ له؛ لأنه ليس مِنْ ذوي الألباب» . اهـ.

  13. ولقبولِ التلقينِ أسبابٌ عِدَّةٌ، منها: ضَعْفُ الراوي، وعَدَمُ مبالاتِهِ بالرواية، والغَفْلةُ، وإحسانُ الظنِّ بمن يُلَقِّنُهُ، والاعتمادُ في الحفظ على الكتاب، ثم التحديثُ مِنْ غيره؛ إمَّا لكونِهِ فقَدَ بَصَره، فيحدِّثُ مِنْ حفظه ظَنًّا منه أنه حافظٌ لحديثه، أو لفقدِهِ الكتابَ، أو لكونِهِ لم يَصْطَحِبْ كتابَهُ معه في بعضِ الأماكنِ التي حدَّث فيها، أو لتساهلِهِ في التحديثِ مِنْ غير كتابِهِ مع قدرتِهِ عليه، أو نحو ذلك.

  14. والذي يهمنا هنا: بيانُ هذا السببِ الذي يُوقِعُ العِلَلَ الخَفِيَّةَ في بعضِ الأحاديث؛ بسببِ قبولِ بعضِ الثقاتِ الحفاظِ للتلقين، ولم يَكْثُرْ منهم ذلك، ولا عُرِفُوا به حتى يكونَ عِلَّةً ظاهرة.

  15. مثال ذلك:
  16. حديثٌ رَوَاهُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر، عَنِ اللَّيْث بْن سَعْد، عَنْ عبد الله بن عُبَيْدالله بن أبي مُلَيْكة، عن عُبَيْدالله بْن أَبِي نَهِيك، عَنْ سَعِيد بْنِ أَبِي سَعِيد، عَنِ النَّبيّ (ص) أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ» ، ورواه أبو الوليد هشامُ بنُ عبد المَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ وغَيْرُهُ عن اللَّيْثِ، فَجَعَلَهُ عَنْ سَعْد بْنِ أَبِي وَقَّاص، بدَلَ سعيد بن أبي سعيد.

  17. فسأل عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) أبا زرعة عن هذا الاختلاف؟ فقال: «فِي كتابِ اللَّيْثِ فِي أَصْلِهِ: سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيد، ولكنْ لُقِّنَ بالعراقِ: عن سَعْد» .

  18. وهذا يعني: أنَّ اللَّيْثَ لمَّا رحَلَ إلى العراق لم يكُنْ معه كتابٌ، فلُقِّنَ هذا فتلقَّنه، وليس مِنْ عادته، فهو: ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ كما قال ابن حَجَرٍ في "التقريب" (٢) .

  19. وسأل ابنُ أبي حاتم أيضًا (٣) أباه عَنْ حديثٍ رَوَاهُ محمَّد بْنُ أَبِي عُمَرَ العَدَنِي، عَنْ بِشْر بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عن النَّبيِّ (ص) أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ، لَا سَهْلَ إِلَاّ مَا جَعَلْتَ سَهْلاً، وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزْنَ سَهْلاً» ؟

  20. فذكَرَ أبو حاتمٍ أنَّ عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِيَّ حدَّثهم به عن حَمَّاد،

    ج ١ ص ١٢٥عن ثابت: أنَّ النَّبيَّ (ص) ، هكذا مرسلاً، ليس فيه ذِكْرٌ لأنسٍ ح، ثم قال أبو حاتم: «وبَلَغني أنَّ جَعْفَرَ بنَ عبد الواحد لَقَّنَ القَعْنَبِيَّ عَنْ أَنَسٍ، ثم أُخْبِرَ بذلك، فدعا عليه» .

  21. وذكَرَ أبو زرعة الرازيُّ حكايةَ جعفر مع القَعْنبي هذه مع اختلاف يسير، فقد سأله البَرْذَعي (١) عن حديثٍ من رواية جعفر بن عبد الواحد هذا، فاستنكَرَهُ! وقال: «ما أخوفَني أن تكونَ دعوةُ الشيخِ الصالحِ أدركته!» قال البَرْذَعي: قلتُ: أيُّ شيخ؟ «قال: القَعْنَبي؛ بلغني أنه دعا عليه، فقال: اللَّهُمَّ افضَحْهُ، لا أحسَبُ ما بُلِيَ به إلا بدعوةِ الشيخ» ، قلتُ: كيف دعا عليه؟ قال: «بلغني أنه أدخَلَ عليه (٢) حديثًا أحسَبُهُ عن ثابت؛ جعَلَهُ عن أنس، فلمَّا فارقه رجَعَ الشيخُ إلى أصله فلم يَجِدْهُ، فاتهمَهُ، فدعا عليه» .

  22. فعبدُاللهِ بنُ مَسْلَمة القَعْنبيُّ ثقةٌ عابدٌ، وكان ابنُ مَعِين وابنُ المَدِينيِّ لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا كما في "التقريب" (٣) ، ولم يكنْ من عادتِهِ قَبُولُ التَّلْقين؛ فالظاهرُ أنه وَثِقَ بجعفر بن عبد الواحد، وصادَفَ ذلك غَفْلَةً منه، فَقَبِله، أو أنْ تكونَ الحادثة وقعَتْ كما ذكَرَ أبو زرعة: «أنه أدخَلَ عليه حديثًا» ، والإدخالُ يكونُ بغير عِلْمِ الراوي.

  23. وقد يكون قبولُ الثقة للتلقين بسبب عُلُوِّ مَنْزِلةِ الذي لقَّنه، وإمامتِهِ، واشتهارِهِ بالحفظ، فيهابُ مخالفتَهُ، فيجاريه في خَطَئه، ويتَّهم نفسَهُ؛ كما حصَلَ من أبي عَوَانة وضَّاح بن عبد الله مع شُعْبة؛ وذلك أنَّ شُعْبة كان يُخْطِئُ فِي اسمِ خَالِدِ بْنِ عَلْقمة، ويسمِّيه: مالك بن عُرْفُطَة.

    ج ١ ص ١٢٦
  24. فوجَدَ الأئمَّةُ أنَّ أبا عَوَانة روى عن مالك ابن عُرْفُطَة، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَن عائشة: أنَّ النَّبيَّ (ص) نَهَى عَنِ الدُّبَّاء والْحَنْتَمِ والْمُزَفَّت، وهذا يعني تصويبَ ما قال شُعْبة؛ لأنه توبع.

  25. فسأل ابنُ أبي حاتم (١) أباه عن ذلك؟

  26. فأجاب بقوله: «كَانَ شُعْبَةُ يُخْطِئُ فِي اسْمِ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَة، وَكَانَ أَبُو عَوَانَة يقول: خالدُ ابنُ عَلْقَمَة، فَقَالَ شُعْبة: لَمْ يكنْ بخالدِ بنِ عَلْقَمَة؛ وَإِنَّمَا كَانَ: مالكَ بنَ عُرْفُطَة، فلقَّنَه الخطَأَ، وترَكَ الصوابَ، وتَلَقَّنَ مَا قَالَ شُعْبة، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُخَالِفَهُ» .

  27. ١٢) الإِدْخَالُ عَلَى الشُّيُوخِ:
  28. وهو قريبٌ من سابقه «التلقين» ، ويَخْتلِفُ عنه في كون التلقين بِعِلْمِ الْمُلَقَّنِ، وأمَّا الإدخالُ فيكون بغير علمِ الراوي الذي أُدْخِلَ عليه الحديث - غالبًا - كما أنَّ التلقينَ يكونُ مشافهةً، وأمَّا الإدخالُ فيكونُ في الكتاب، وربَّما كان الأمرُ قريبًا بعضُهُ من بعض بحيث يلتبسُ هل هو تلقينٌ أو إدخال؛ كما في حكاية عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي مع

    ج ١ ص ١٢٧جعفر بن عبد الواحد التي تقدَّم ذِكْرها في السبب السابق، فأبو حاتم يذكُرُ أنَّ جعفرًا لقَّن القعنبيَّ، وأبو زرعة يذكر أنه أدخَلَ عليه.

  29. وكثيرًا ما يَلْجَأُ أهلُ العلمِ بالحديثِ إلى إعلالِ الحديث بهذا السبب - على سبيلِ الظنِّ - إذا لم يَظْهَرْ لهم سببُ وقوعِ العِلَّةِ في الحديثِ.

  30. فقد ذكر ابن أبي حاتم (١) أَنَّ أباه أَعَلَّ حديثًا فقال: «هَذَا حديثٌ باطِلٌ، وسعيدٌ ضعيفُ الحديثِ، أخافُ أنْ يكونَ أُدْخِلَ له» .

  31. وذكر ابنُ حِبَّان (٢) حديثًا من رواية عبد العزيز بن معاوية بن عبد العزيز العُتْبي القُرَشي، ثم قَالَ: «هَذَا حديثٌ مُنْكَرٌ لا أصلَ له، ولعلَّه أُدْخِلَ عليه، فحدَّث به» .

  32. وروى ابنُ الجَوْزي حديثًا في "الموضوعات" (٣) بسنده إلى عبد الرحمن بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وجزَمَ بِوَضْعه، ولم يَجْزِمْ بالمتَّهم به، فقال: «هذا حديثٌ لا يَشُكُّ عاقلٌ في وضعه ... وكان مع الذي رواه نوعُ تغفُّلٍ، ولا أحسَبُ ذلك إلا في المتأخِّرين، وإنْ كان يحيى بن مَعِين قد قال في ابن أبي الزناد: ليس بشيء، ولا يُحْتَجُّ بحديثه ... فلَعَلَّ بعضَ أهلِ الهوى قد أدخَلَهُ في حديثه» .

  33. وذكَرَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ (١) كلامَ ابنِ الجَوْزي هذا، ثم قال: «قلتُ: وقد تقدَّم في ترجمةِ النَّجَّادِ أنه عَمِيَ بِأَخَرَةٍ، وأنَّ الخطيب جوَّز أن يكونَ أُدْخِلَ عليه شيءٌ، وهذا التجويزُ مُحْتَمَلٌ في حق العِشَارِيِّ أيضًا، وهو في حق ابن أبي الزناد بعيدٌ» .

    ج ١ ص ١٢٨
  34. وقال الذَّهَبي (٢) في ترجمة أبي الفوارس بن الصابوني أحمد بن محمد بن السِّنْدي المِصْري: «صدوقٌ إنْ شاء الله، إلا أنِّي رأيتُهُ قد تفرَّد بحديثٍ باطلٍ عن محمَّد بن حَمَّاد الطِّهْراني، كأنه أُدْخِلَ عليه» .

  35. وربَّما أُدْخِلَ على الراوي نسخةٌ بأكملها؛ كما قال ابن حِبَّان (٣) في ترجمة عُبَيْد بن كَثِير ابن عبد الواحد التَّمَّار: «رَوَى عن الحَسَن بن الفُرَات، وعن ابنه زياد بن الحَسَن، عن أَبَانَ ابنِ تَغْلِب نسخةً مقلوبةً ... أُدْخِلَتْ عليه، فحدَّث بها، ولم يَرْجِعْ حيثُ بُيِّنَ له، فاستَحَقَّ تَرْكَ الاحتجاجِ به» .

  36. ويَعْذِرُ أهلُ الحديثِ ذلك الراويَ الذي أُدْخِلَتْ عليه الأحاديثُ، فلا يُتَّهَمُ بوضعها، مع كَوْنهم يَحْكُمون عليه بما يناسبُ حالَهُ مِنَ الغَفْلة ونحوها.

  37. فقد ترجَمَ الذهبيُّ (٤) لأبي القاسم هارون ابن أحمد القَطَّان فقال:

    ج ١ ص ١٢٩«روى حديثًا باطلاً؛ كأنه - المسكين - أُدْخِلَ عليه، ولا يَشْعُرُ» .

  38. وهذا الحديثُ ذَكَره الخطيب البغدادي (١) فقال: «لا يثبُتُ هذا الحديث، ورجالُ إسنادِهِ كلُّهم ثقات، ولعلَّه شُبِّهَ لهذا الشيخِ القَطَّان، أو أُدْخِلَ عليه» .

  39. وذكَرَ سِبْطُ ابنِ العَجَميِّ هارونَ القَطَّان هذا في "الكشف الحثيث، عمَّن رُمِيَ بوضع الحديث" (٢) ، وبيَّن أنه ينبغي أن يُعْذَرَ فلا يُدْرَجَ في المتَّهمين بالوضع، فقال: «فعلى أنه أُدْخِلَ عليه، فلا يُذْكَرُ مع هؤلاءِ، إلا أنه لا يُحْتَجُّ به؛ لأنه مُغَفَّلٌ» .

    وقال أيضًا (٣) عن راوٍ آخَرَ: «وقد لا يُكْتَبُ معهم؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ أُدْخِلَ عليه، والله أعلم» .

  40. وتَخْتلِفُ مواقفُ الرواةِ الذين أُدْخِلَ عليهم، مِنَ الأحاديثِ التي أُدْخِلَتْ عليهم، وممَّن أدخَلَها؛ فبعضُهُمْ يَرْجِعُ عن تلك الأحاديث، ويَتْرُكُهَا، ويغضَبُ على مَنْ فعَلَ ذلك، فهؤلاءِ لا يؤثِّر فيهم ذلك الفعل. ويَضْعُفُ بعضُهُمْ عن ذلك، فيسقُطُ حديثهم.