٤١- باب السمر مع الأهل والضيف
٧٩ فقرة، ج ٥ ص ١٦٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ٥ ص ١٦٥
٦٠٢ - ثنا أبو النعمان: ثنا المعتمر بن سليمان: ثنا أبي: ثنا أبو عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس) وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعشرة. قال: فهو أنا وأبي وأمي – ولا أدري هل قال: وامرأتي – وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك – أو قال: ضيفك -؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا. قال: فذهبت أنا فاختبأت، قال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئاً. فقال: والله، لا أطعمه أبداً، وايم الله، ما كنا ناخذ من لقمة
ج ٥ ص ١٦٦إلا ربا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان – يعني: يمينه -، ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون – أو كما قال.
-
في هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس – أو سادس -، وهذا شك من الراوي.
-
ولفظ مسلم في هذا الحديث: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس – بسادس) - أو كما قال.
-
وهذا يدل على أن الراوي شك.
-
وفي (الصحيحين) ، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) .
- ج ٥ ص ١٦٧
وفي (صحيح مسلم) ، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) .
-
وفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام.
-
وفي (سنن ابن ماجه) بإسناد ضعيف، عن عمر – مرفوعاً -: (كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة) .
-
وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي، أن أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: (فلعلكم تتفرقون؟) قالوا: نعم. قال: (فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه) .
-
ومعنى: (يكفي) : أنه يكتفي به، وإن لم يشبعه.
-
وكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته.
-
فهذا مأخوذ من هذا الحديث. والله أعلم.
-
ومجئ أبي بكر بثلاثة، إن كان هو وامرأته وابنه فقط، فقد أتى بنظير
ج ٥ ص ١٦٨عدتهم، وإن كانوا خمسة – على رواية الشك -، فقد صاروا ثمانية، وطعام الأربعة يكفي الثمانية.
-
وأخذ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عشرة على قدر قوته على الإيثار، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار.
-
ومنها: أنه إذ أتى الأنسان بضيوف إلى منزله، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده، ولا يحضر معهم في الأكل؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من اهله وولده بالقيام بحقهم.
-
ومنها: اختصاص أبي بكر بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عشائه عنده، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل.
-
وقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الباب الماضي.
-
وأماسب أبي بكر ولده؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه، ولم يقم به كما ينبغي.
-
ومعنى (جدع) – أي: قطعه بالقول الغليظ.
-
وأماقوله: (يا غنثر) ، فروي بوجهين – ذكرهما الخطأبي -:
أحدهما: (عنتر) بالعين المهملة، والتاء المثناة من فوق، وهما مفتوحتان.
قال الخطأبي: إن كانت هذه محفوظة، فالعنتر: الذباب -: قاله ثعلب.
-
سمي به لصوته؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب.
-
والثاني: (غنثر) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة -، فهو مأخوذ من الغثارة، وهي: الجهل، يقال: رجل أغثر وغنثر. والنون زائدة.
- ج ٥ ص ١٦٩
ومنها: إثبات كرامات الأولياء وخرق العوائد لهم.
-
وهو قول عامة أهل السنة، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ.
-
والتحقيق: أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال، وفي كل زمان؛ لأن ما يكرم الله بذلك أولياءه، فإنما هو من بركة اتباعهم للأنبياء، وحسن اقتدائهم بهم، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم.
-
ومنها: جواز الإهداء إلى الأخوان الطعام بالليل، مع العلم بأنهم قد تعشوا واكتفوا، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم.
-
واستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد.
-
ومعنى: (عرفنا اثني عشر رجلاً) – أي: جعلناهم عرفاً.
-
وروي: (ففرقنا) .
-
ومنها: من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فإنه يأتي الذي هو خير، ولا تحرم عليه يمينه فعل ما حلف على الامتناع منه، وهذا قول جمهور العلماء.
-
وقد ثبت، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بأن يأتي الذي هو خير ويكفر، وكان في نفسه يفعل ذلك.
-
وقد قيل: إن اليمين تحرم المحلوف عليه تحريماً ترفعه الكفارة.
-
والصحيح: خلافه؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق، ولو كان محرماً لوجب تحليله بالكفارة قبله، كالظهار.
-
وفي (سنن أبي داود) هذا الحديث، قال: (ولم يبلغني كفارة) وهذا
ج ٥ ص ١٧٠من قول بعض الرواة.
-
وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه، بل الظاهر – أو المجزوم به – انه كفرها.
-
وقد ثبت من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أبو بكر إذا حلف على يمين لا يحنث، حتى نزلت آية الكفارة، فقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت يميني.
-
كذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم، عن هشام.
-
وخرجه البخاري في (صحيحه هذا) من رواية النضر بن شميل، عن هشام.
-
وخالفهم الطفاوي، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
-
ورفعه وهم منه،
ج ٥ ص ١٧١والصحيح: كان أبو بكر -: كذا قاله البخاري والدارقطني.