١٣- باب الاذان قبل الفجر
٧٥ فقرة، ج ٥ ص ٣٣١
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٥ ص ٣٣٨
ودل ذلك على جواز الأذان قبل طلوع الفجر، وهو قول مالك، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي ثور، وداود، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمس، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم من فقهاء أهل الحديث.
-
وعليه عمل أهل الحرمين، ينقلونه خلفاً عن سلف، حتى قال مالك في ((الموطإ) ) : لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر.
-
وذكر الشافعي، أنه فعل أهل الحرمين، وأنه من الأمور الظاهرة عندهم، ولم ينكره منكر.
وقال الإمام أحمد: أهل الحجاز يقولون: هو السنة - يعني: الأذان بليل.
-
وكذا قال إسحاق: هو سنة.
-
وكذا قال أحمد في رواية حنبل.
قال القاضي في ((جامعه الكبير) ) والآمدي: وظاهر هذا، أنه أفضل من الأذان بعد الفجر، وهو قول الجوزجاني وغيره من فقهاء أهل الحديث؛ لأنه أبلغ في إيقاظ النوام للتاهب لهذه الصلاة، فيكون التقديم
ج ٥ ص ٣٣٩سنة، كما: أن كان التثويب في هذا الأذان سنة - أيضا -؛ لهذا المعنى.
وقالت طائفة: هو رخصة، وهو قول ابن أبي شيبة، وأومأ إليه أحمد في روايات أخر.
-
فالأفضل عند هؤلاء: الأذان بعد طلوع الفجر، ويجوز تقديمه.
-
واختلف القائلون: بأن الفجر يؤذن لها بليلٍ في الوقت الذي يجوز الأذان فيه من الليل:
فالمشهور عند أصحاب الشافعي: أنه يجوز الأذان لها في نصف الليل الثاني؛ لأنه يخرج به وقت صلاة العشاء المختار.
-
ومنهم من قال: ينبني على الاختلاف في آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: ثلث الليل اذن للفجر بعد الثلث.
-
ومنهم من قال: يؤذن للفجر في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل، وفي الصيف لنصف سبع.
-
وروى الشافعي في القديم بإسناد ضعيف، عن سعد القرظ، قال: أذنا في زمن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقباء، وفي زمن عمر بالمدينة، فكان أذاننا في الصبح في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل، وفي الصيف [لسبع] يبقى منه.
- ج ٥ ص ٣٤٠
ومن الشافعية من قال: يؤذن لها قبيل طلوع في السحر.
-
وصححه جماعة، وهو ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم.
-
وأماأصحابنا، فقالوا: يؤذن بعد نصف الليل، ولم يذكروا ذلك عن أحمد.
-
ولو قيل: إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر الأول استدلالاً بحديث أبي ذر المتقدم لتوجه.
-
وقد مر بي أن أحمد أومأ إلى ذلك، أو نص عليه، ولم أتحققه إلى الآن.
-
وروى الشافعي بإسناده، عن عروة بن الزبير، قال: إن بعد النداء بالصبح لحزباً حسناً، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة.
-
وهذا - أيضا - يدل على قرب الأذان من طلوع الفجر.
-
وأماأصحاب مالك، فحكى ابن عبد البر عن ابن وهب، انه قال: لا يؤذن لها [إلا في السحر. فقيل له: وما السحر؟ قال: السدس الآخر. قال: وقال ابن حبيب: يؤذن لها] من بعد خروج وقت العشاء، وذلك نصف الليل.
-
ومع جواز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر، فيستحب إعادة الأذان لها بعد الفجر مرة ثانية.
قال أحمد - في رواية حنبل -: الأذان الذي عليه أهل المدينة الأذان قبل طلوع الفجر، هو الأذان الأول، والأذان الثاني بعد طلوع الفجر.
-
وكره أحمد الأذان للفجر قبل طلوع الفجر في رمضان خاصة؛ لما فيه منع
ج ٥ ص ٣٤١الناس من السحور في وقت يباح فيه الأكل.
-
وقد يستدل له بحديث شداد مولى عياض، عن بلال المتقدم ذكره، في نهي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلالاً أن يؤذن حتى يطلع الفجر؛ فإن في تمام الحديث: أنه أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يتسحر.
-
ومن أصحابنا من حكى رواية أخرى: أنه لا يكره.
قال طائفة من أصحابنا: وكراهته إنما هو إذا اقتصر على هذا الأذان؛ فإن أذن معه أذان ثان بعد طلوع الفجر لم يكره.
-
وعليه يدل حديث ابن عمر وعائشة في هذا الباب.
وقالت طائفة من أهل الحديث: لا يؤذن لصلاة الصبح قبل الفجر، إلا أن يعاد الأذان بعد الفجر في جميع الأوقات، وهو اختيار ابن خزيمة وغيره، وإليه ميل ابن المنذر، وحكاه القاضي أبو الحسن من أصحابنا رواية عن أحمد.
-
ويمكن أن تكون مأخوذة من رواية حنبل التي ذكرنا آنفاً.
-
واستدل هؤلاء بحديث عائشة وابن عمر وأنيسة، وما في معناه من أنه كان في زمن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أذانان: احدهما بليلٍ، والأخر بعد الفجر.
-
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث والأحاديث التي
ج ٥ ص ٣٤٢رواها العراقيون في امر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلالاً بإعادة الأذان بعد الفجر، بأن الأذان كان في اول الأمر بعد طلوع الفجر، ثم لما أذن بلال بليل وأمره النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإعادة أذانه بعد الفجر رأى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أذانه قبل الفجر مصلحة، فأقره على ذلك [واتخذ] مؤذناً آخر يؤذن بعد الفجر؛ ليجمع بين المصالح كلها: إيقاظ النوام، وكف القوام، والمبادرة بالسحور للصوام، وبين الإعلام بالوقت بعد دخوله.
-
وهذا كما روي، ان بلالاً هو الذي زاد في أذانه: ((الصلاة خير من النوم) ) مرتين في آذان الفجر، فأقرها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأذان لما رأى فيه من زيادة إيقاظ النائمين في هذا الوقت.
-
واستدل الأولون بما خرجه أبو داود من رواية عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر، فلما كان أول أذان الصبح أمرني فأذنت، فجعلت اقول أقيم [يا] رسول الله؟، فجعل ينظر في ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: ((لا) ) ، حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني: فتوضأ -، فأراد بلال ان يقيم، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إن أخا صداء هو أذن، ومن أذن فهو يقيم) ) . قال: فأقمت – وذكر حديثاً فيه طول.
-
فهذا يدل على انه اذن قبل طلوع الفجر واجتزأ بذلك الأذان، ولم يعده بعد طلوعه.
- ج ٥ ص ٣٤٣
ولمن رجح قول من أوجب الإعادة بعد طلوع الفجر، أنه يقول: هذا الحديث إسناده غير قوي.
-
وقد خرجه ابن ماجه والترمذي مختصراً.
قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الأفريقي، والأفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث.
وقال سعيد البرذعي: سئل أبو زرعة عن حديث الصدائي في الأذان.
فقال: الأفريقي، وحرك رأسه.
قلت: وقد اختلف عليه في لفظ الحديث:
فخرجه الإمام أحمد عن محمد بن يزيد الواسطي، عن الإفريقي بهذا الإسناد، ولفظه: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أذن يا أخا صداء) ) قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر - وذكر الحديث مختصراً.
-
فهذه الرواية فيها التصريح بانه إنما أذن بعد إضاءة الفجر وطلوعه.
-
وقد رواه ابن لهيعة، فخالف الأفريقي في إسناده، فرواه عن بكر
ج ٥ ص ٣٤٤بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن حبان بن بح الصدائي صاحب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: أتبعت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني: في مسير له – ليلة إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما اصبحت، وأعطاني إناء وتوضأت منه، فجعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصابعه في الإناء، فانفجر عيوناً، فقال: ((من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأ) ) – فذكر حديثاً، ولم يذكر فيه: الإقامة.
-
وفي هذه الرواية إنما لما أصبح - أيضا.
-
وقصة الوضوء وتفجر الماء مذكورة - أيضا - في حديث الإفريقي.