٤٦ - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة

٦٠ فقرة، ج ٦ ص ١١٢

الصفحة ١ من ٢

  1. فِيهِ خمسة أحاديث:

    ج ٦ ص ١١٢
  2. الحَدِيْث الأول:
  3. ٦٧٨ – حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نصر: حَدَّثَنَا حسين، عَن زائدة، عَن عَبْد الملك ابن عمير، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو بردة، عَن أَبِي موسى، قَالَ: مرض النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاشتد مرضه، فَقَالَ: ((مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس) ) . قَالَتْ عَائِشَة: إنه رَجُل رقيق، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس. قَالَ: ((مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس) ) ، فعادت، فَقَالَ: ((مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس؛ فإنكن صواحب يوسف) ) ، فأتاه الرسول، فصلى بالناس فِي حَيَاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

    ج ٦ ص ١١٢
  4. استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن أهل الفضل والعلم أحق بالإمامة من غيرهم؛ فإن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أَبَا بَكْر من بين الصَّحَابَة كلهم بالصلاة بالناس، وروجع فِي ذَلِكَ مراراً وَهُوَ يأبى إلا تقديمه فِي الصلاة عَلَى غيره من الصَّحَابَة، وإنما قدمه لعلمه وفضله؛ فأما فضله عَلَى سائر الصَّحَابَة فهو مِمَّا اجتمع عَلِيهِ أهل السنة والجماعة، وأما علمه فكذلك.

  5. وقد حكى أبو بَكْر ابن السمعاني وغيره إجماع أهل السنة عَلِيهِ – أَيْضاً.

  6. وهذا مِمَّا يستدل بِهِ من قَالَ: إن الأفقه والأعلم مقدم عَلَى مقدم عَلَى الأقرإ؛ فإن أَبِي بْن كعب كَانَ أقرأ الصَّحَابَة، كما قَالَ عُمَر: ((أَبِي أقرؤنا) ) .

    ج ٦ ص ١١٣
  7. وروي عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وجوه، أَنَّهُ قَالَ: ((أقرأ أمتي لكتاب الله أَبِي بْن كعب) ) .

  8. خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه – وصححه الترمذي – من حَدِيْث أَبِي قلابة، عَن أنس.

  9. وقد روي عَن أَبِي قلابة مرسلاً من غير ذكر ((أَنَس) ) ، وَهُوَ أصح عِنْدَ كثير من الحفاظ.

  10. فلما قدم النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب فِي الصلاة بالناس دل عَلَى أن الأعلم والأفقه والأفضل مقدم عَلَى الأقرإ.

  11. وقد اختلف العلماء: هَلْ يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه، أم الأفقه عَلَى الأقرإ؟

    فَقَالَتْ طائفة: يقدم الأفقه، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور.

    وَقَالَ الليث: يؤمهم أفضلهم وخيرهم، ثُمَّ أقرؤهم، ثُمَّ أسنهم.

    وقالت طائفة: يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه، وحكي عَن الأشعث بْن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر واختاره.

  12. وما حكيناه عَن الثوري، حكاه أصحابه

    ج ٦ ص ١١٤عَنْهُ فِي كتبهم المصنفة عَلَى مذهبه.

  13. ونص أحمد عَلَى أَنَّهُ يقدم الأقرأ إذا كَانَ يعرف مَا يحتاج إليه الصلاة من الفقه، وكذلك قَالَ كثير من المحققين من أصحابه، وحكموا مذهبه عَلَى هَذَا الوجه.

  14. واستدل من قدم الأقرأ بما خرجه مُسْلِم فِي ((صحيحه) ) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج، عَن أَبِي مَسْعُود الأنصاري، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا فِي القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا فِي السنة سواء فأقدمهم هجرة) ) .

  15. وفي رِوَايَة لمسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة) ) .

  16. وخرجه الحَاكِم، وعنده ((يؤم القوم أكثرهم قرآناً) ) – وذكر الحَدِيْث.

  17. وخرج مُسْلِم – أَيْضاً – من حَدِيْث أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا كانوا ثَلَاثَة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) ) .

  18. وخرج البخاري فِي ((كتابه) ) هَذَا من حَدِيْث عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي، عَن أَبِيه، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً) ) .

  19. وخرج – أَيْضاً – فِيهِ من حَدِيْث ابن عُمَر، قَالَ: لما قدم المهاجرون الأولون قَبْلَ مقدم النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً.

  20. وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((يؤمكم أقرؤكم) ) .

    ج ٦ ص ١١٥
  21. وخرجه أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن عَبَّاس، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((ليؤمكم قراؤكم) ) .

  22. وفي الباب أحاديث أخر.

  23. وقد تأول الشَّافِعِيّ وغيره هذه الأحاديث عَلَى أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما خاطب أصحابه، وكان أكثرهم قرآناً أكثرهم فقهاً؛ فإن قراءتهم كَانَتْ علماً وعملاً بخلاف من بعدهم.

  24. وأجيب عَن هَذَا بوجهين:
  25. أحدهما: أن هَذَا خطاب عام للأمة كلهم، فلا يختص بالصحابة.

  26. والثاني: أَنَّهُ فرق بَيْن الأقرإ والأعلم بالسنة، وقدم الأقرإ عَلِيهِ.

  27. وأجاب الإمام أحمد عَن تقديم النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب وغيره، بأنه أراد بذلك التنبيه عَلَى خلافته، فلهذا المعنى قدمه فِي الصلاة عَلَى النَّاس كلهم.

  28. وقد منع بعضهم أن يكون أَبِي بْن كعب أقرأ من أَبِي بَكْر، لأن المراد بالأقرإ فِي الإمامة الأكثر قرآناً. وَقَالَ: كَانَ أبو بَكْر يقرأ القران كله، فلا مزية لأبي بْن كعب عَلِيهِ فِي ذَلِكَ، وامتاز أبو بَكْر بالعلم والفضل.

  29. وهذه المسألة لأصحابنا فيها وجهان: إذا اجتمع قارئان، أحدهما أكثر

    ج ٦ ص ١١٦قرآناً، والآخر أجود قراءةً، فهل يقدم الأكثر قرآناً عَلَى الأجود قراءة، أم بالعكس؟

  30. وأكثر الأحاديث تدل ى اعتبار كثرة القرآن.

  31. وإن اجتمع فقيهان قارئان، أحدهما أفقه، والآخر أجود قراءة، ففي أيهما يقدم وجهان – أَيْضاً.

  32. وقيل: إن المنصوص عَن أحمد، أَنَّهُ يقدم الأقرأ.

  33. الحَدِيْث الثاني:
  34. ٦٧٩ – حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف، أنا مَالِك، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ، [عَن أَبِيه] ، عَن عَائِشَة، أنها قَالَتْ: إن رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مرضه: ((مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس) ) . قَالَتْ عَائِشَة: قُلتُ: إن أَبَا بَكْر إذا قام فِي مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء، فمر عُمَر فليصل بالناس، قَالَتْ عَائِشَة: فَقُلْت لحفصة: قولي: إن أَبَا بَكْر إذا قام مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء، فمر عُمَر فليصل بالناس، ففعلت حَفْصَةَ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس) ) . فَقَالَتْ حفصة لعائشة: مَا كُنْتُ لأصيب منك خيراً.

    ج ٦ ص ١١٦
  35. والمراد من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب: امر النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْر بالصلاة بالناس فِي مرضه، وأنه روجع فِي ذَلِكَ فزجر من راجعه، وكرر الأمر بذلك.

  36. ٦٨٠ – حَدَّثَنَا أبو اليمان، أنا شعيب، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أخبرني أنس بْن مَالِك الأنصاري – وكان تبع النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخدمه وصحبه -، أن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي بهم فِي وجع النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي توفى فِيهِ، حَتَّى إذا كَانَ يوم الأثنين وهم صفوف فِي الصلاة، فكشف النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ستر الحجرة، ينظر إلينا وَهُوَ قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثُمَّ تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنكص أبو بَكْر عَلَى عقبيه ليصل الصف، وظن أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن ((أتموا صلاتكم) ) ، وأرخى الستر، فتوفي من يومه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

    ج ٦ ص ١١٧
  37. فِي هَذَا الحَدِيْث أن أَبَا بَكْر استمر عَلَى إقامته فِي الصلاة إلى أن توفي رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كشف الستر، ونظر إليه وَهُوَ يؤم النَّاس فِي صلاة الصبح يوم الأثنين، وهي آخر صلاة أدركها النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حياته، فظن أبو بَكْر أَنَّهُ خارج إلى الصلاة، فأخذ فِي التأخر إلى صف المأمومين؛ ليتقدم النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيؤم النَّاس، فأشار إليهم النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر.

  38. وهذا فِيهِ أمر لأبي بَكْر بأن يستمر عَلَى إمامته فِي آخر صلاة أدركها وَهُوَ حي.

  39. وظاهر هَذَا الحَدِيْث، يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يخرج إلى المسجد ولم يصل مَعَ الجماعة تلك الصلاة، لا إماماً ولا مأموماً.

  40. وقد قَالَ كثير من السلف، إنه خرج وصلى خلف أَبِي بَكْر فِي الصف

    ج ٦ ص ١١٨تلك الصلاة.