٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طول
٤٥ فقرة، ج ٦ ص ٢٢٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ٦ ص ٢٢٨
وَقَالَ أبو أسيد: طولت بنا يَا بني!
-
قَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين فِي ((كِتَاب الصلاة) ) : حَدَّثَنَا ابن الغسيل، عَن حَمْزَة بن أَبِي أسيد: كَانَ يؤمنا، فإذا طول عليهم قَالَ لَهُ أبو أسيد - وَهُوَ خلفه -: يرحمك الله، طولت علينا.
-
وحدثنا ابن الغسيل، عَن الزُّبَيْر بن المنذر بن أَبِي أسيد، عَن أَبِي أسيد - مثله.
-
خرج فِي هَذَا الباب ثَلَاثَة أحاديث:
- الأول:
- ج ٦ ص ٢٢٨
٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف: ثنا سُفْيَان، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد، عَن قيس بن أبي حازم، عن أَبِي مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَجُل: يَا رَسُول الله، إني لأتأخر عَن الصلاة فِي الفجر مِمَّا يطيل بنا فلان فيها. فغضب رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَا رأيته فِي موعظة كَانَ أشد غضباً مِنْهُ يومئذ. ثُمَّ قَالَ: ((يأيها النَّاس، إن منكم منفرين، فمن أم النَّاس فليخفف؟ فإن
ج ٦ ص ٢٢٩خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة)) .
-
قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث - قريباً - من رِوَايَة زهير، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد.
-
ومقصوده بتخريجه هاهنا: جواز شكوى من يطيل الصلاة إطالة زائدةً عَلَى الحد المشروع؛ فإن هَذَا الإمام لولا أَنَّهُ زاد عَلَى صلاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زيادة كثيرة لما شكي، ولا تخلف من تخلف عَن الصلاة خلفه، فلما شكي ذَلِكَ إلى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غضب غضباً شديداً، ووعظ النَّاس موعظة عامة، وأمر الأئمة بالتخفيف، وحذر من تنفير النَّاس عَن شهود صلاة الجماعات بالتطويل.
-
وروى وكيع: ثنا هِشَام الدستوائي، عَن قتادة، عَن عَبَّاس الجشمي، قَالَ: قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إن من الأئمة طرادين) ) .
-
وهذا مرسل.
- الحَدِيْث الثاني:
- ج ٦ ص ٢٢٩
٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدم: ثنا شعبة: ثنا محارب بن دثار، قَالَ: سَمِعْت جابر بن عَبْد الله الأنصاري قَالَ: أقبل رَجُل بناضحين، وقد جنح الليل، فوافق معاذاً يصلي، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة - أو النِّسَاء -، فانطلق الرَّجُلُ - وبلغه أن معاذاً نال مِنْهُ - فأتى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشكا إليه معاذاً، فَقَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ((يَا معاذ، أفتان أنت) ) - أو ((فاتن؟) ) ثلاث مرات -))
- ج ٦ ص ٢٣٠
فلولا صليت بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:١] {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس:١] {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل:١] ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة؟)) - أحسب هَذَا فِي الحَدِيْث.
-
وتابعه: سَعِيد بن مسروق ومسعر والشيباني.
-
قَالَ عَمْرِو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر، عَن جابر بن عَبْد الله: قرأ معاذ فِي العشاء بالبقرة.
-
وتابعه: الأعمش، عَن محارب.
قَالَ الخطابي: جنح الليل: أقبل بظلمته، وقد جنح جنوحاً، ومنه جنح الليل: إقبال ظلمته.
-
والناضح: البعير يسقى عَلِيهِ.
-
والفتنة عَلَى وجوه، ومعناها هاهنا: صرف النَّاس عَن الدين، وحملهم عَلَى الضلال. قَالَ تعالى {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات:١٦٢] أي: مضلين.
-
وقوله: ((فلولا صليت بسبح) ) يريد: هلا قرأت، كقوله: {فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} [الواقعة:٨٦] ، {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ} [هود: ١١٦] معناه: فهلاً.
-
وفيه: أَنَّهُ جعل الحاجة عذراً فِي تخفيفها. انتهى.
- ج ٦ ص ٢٣١
وتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد، والأظهر: أن المراد بالفتنة هاهنا: الشغل عَن الصلاة؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته، ويلهيه عَنْهَا، كما أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها، وَقَالَ: ((كادت تفتنني) ) وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير، وَقَالَ: ((لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي) ) .
-
ومنه: تخفيفه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه.
-
ومنه: قَوْلِ أَبِي طلحة، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته: لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة.
-
وقد سبق ذكر ذَلِكَ كله، سوى حَدِيْث بكاء الصبي؛ فإنه سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى.
-
وسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى.
-
والفتنة فِي هذه المواضع كلها، هُوَ: الاشتغال عَن الصلاة، والالتهاء عَنْهَا.
-
ويجوز أن يكون مِنْهُ قَوْلِ الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:١٥] ، وأن يكون المراد: أنها تشغل عَن عُبَادَة الله وذكره.
-
ويدل عَلِيهِ: أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما كَانَ يخطب ورأى الْحَسَن والحسين قَدْ أقبلا، نَزَلَ فحملهما، ثُمَّ قَالَ: ((صدق الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: ١٥] ، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران، فَلَمْ أصبر) ) .
- ج ٦ ص ٢٣٢
وأما مَا ذكره البخاري من المتابعات والرواية المعلقة، فمضمونة: أن جماعة رووا هَذَا الحَدِيْث عَن محارب بن دثار كما رواه عَنْهُ شعبة، وقالوا فِي قراءة معاذ: ((البقرة أو النِّسَاء) ) بالشك، منهم: سَعِيد بن مسروق الثوري - والد سُفْيَان -، ومنهم: مِسْعَر وأبو إِسْحَاق الشيباني.
-
والشك فِي هَذَا من محارب، كذا فِي رِوَايَة غندر عَن شعبة.
-
خرجه الإسماعيلي.
-
وفيه - أَيْضاً -: قَالَ: أحسب محارباً الَّذِي شك فِي ((الضعيف) ) - يعني: شك: هَلْ قَالَ: ((الضعيف) ) أو ((ذا الحاجة) ) ؟
-
وفي حَدِيْث معاذ بن معاذ، عَن شعبة: أن معاذاً كَانَ يصلي بالناس المغرب.
-
ورواه عَلِيّ بن الجعد، عَن شعبة، وَقَالَ فِيهِ: قُلتُ لمحارب: أي صلاة كَانَتْ؟ قَالَ: المغرب.
-
فهذه الرواية تبين أن ذكر المغرب إنما هُوَ ظن من محارب.
-
وخرج أبو داود الحَدِيْث بذكر المغرب من وجه آخر فِيهِ انقطاع.
-
وذكر البخاري: أَنَّهُ رواه الأعمش، عَن محارب، فَقَالَ فِيهِ: ((قرأ بالبقرة) ) من غير شك.
-
وكذا رواه عَمْرِو بن دينار وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر، عَن جابر، وقالوا فِي حديثهم: ((قرأ البقرة) ) من غير شك.
- ج ٦ ص ٢٣٣
وقد خرج البخاري حَدِيْث عَمْرِو بن دينار فيما تقدم بهذا اللفظ.
-
وقد تقدم أن النسائي خرجه من حَدِيْث الأعمش، عَن محارب، ولم يسم السورة، بل قَالَ: ((سورة كذا وكذا) ) .