١٥٠- باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب

٨٧ فقرة، ج ٧ ص ٣٤١

الصفحة ١ من ٣

  1. ٨٣٥ - حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن الأعمش: حدثني شقيق، عن عبد الله، قال: كُنا إذا كُنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء – أو بين السماء والأرض – أشهد إلا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهُ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فبدعوا) ) .

    ج ٧ ص ٣٤١
  2. وقد سبق في رواية للإمام أحمد التصريح بأن هذا الدعاء إنما هو في التشهد الأخير خاصةً، فأما التشهد الأول فلا يدعو بعده عند جمهور العلماء، ولا يزاد عليه عند أكثرهم، حتى قال الثوري - في رواية عنه - إن فعل ذلك عمداً بطلت صلاته.

  3. إلا أن الشافعي - في الجديد - قال: يصلي فيه على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحده دون آله.

    وقال مالك: يدعى فيه كالتشهد

    ج ٧ ص ٣٤٢الأخير.

  4. وروي عن ابن عمر.

  5. وخرّج النسائي من حديث سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد الله ويثني على نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويدعو بينهن، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويقعد، ويحمد الله ويصلي على نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعناً.

  6. وحمل بعض أصحابنا هذا على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعله أحيانا في صلاة النفل، لبيان الجواز دون الاستحباب.

  7. وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في الركعتين كأنه على الرضف حتى يقوم.

  8. وحسّنه.

  9. وأبو عبيدة، وإن لم يسمع من أبيه، إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه -: قاله ابن المدني وغيره.

  10. وروي عن أبي بكر الصديق نحو ذلك.

  11. فأما الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير، فإنه مشروع بغير خلاف.

    ج ٧ ص ٣٤٣
  12. وحكى ابن المنذر، عن الحسن، أنه كَرِه الدعاء في المكتوبة، وأباحه في

    التطوع.

  13. ولعله أراد في غير التشهد. وقد دل عليه حديثُ ابن مسعود هذا، وليس هو بواجب كما ذكره البخاريّ، ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك.

  14. قد يستدل بما روى الحسن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال أخذ علقمة

    بيدي، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذ بيده، فعلّمه التشهد في الصلاة - فذكر إلى آخره، ثم قال: إذا قلت هذا - أو قضيتُ هذا - فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وان شئت أن تقعد فاقعد.

  15. خرّجه الإمام أحمد وأبو داود.

    وقال إسحاق بن راهويه: صح هذا عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  16. وهذا ظاهر في أن ما بعد التشهد ليس بواجب، ولكن قد قيل: إن القائلَ:

    ((إذا قلت هذا) ) إلى آخره، هو ابن مسعود، وليس مرفوعاً –؛ كذلك قاله الدارقطني وأبو علي النيسابوري والبيهقي وأبو بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ.

  17. على هذا التقدير، فإذا قال ابن مسعود هذا، وهو راوي الحديث الذي فيه:

    ((ثم ليتخير من الدعاء) ) دل على أنه فهم من ذلك الاستحباب دون الوجوب؛ ولهذا ردّه إلى اختياره ومشيئته وإعجابه، وراوي الحديث أعلم بمعنى ما روى، فيرجع إليه فهم ذلك.

    ج ٧ ص ٣٤٤
  18. وقد سبق عن طاوسٍ: ما حكاه عنه مسلم، أنه بلغه عنه، أنه أمر ابنه بالاعادة إذا لم يتعوذ في صلاته من تلك الأربع.

  19. وحكي بعض أصحابنا وجهاً لهم بمثل ذلك.

  20. وحكُي عن أبي طالب، عن أحمد، أنه قال: من ترك شيئاً من الدعاء في الصلاة عمداً يعيد.

  21. وقوله: ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) ) يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن، وعامة الأدعية المروية عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاته كذلك، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك.

  22. وهذا قول جمهور العلماء، خلافاً لأبي حنيفة والثوري في قولهما: لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظَ القرآن، فإن خالف بطلت صلاته.

  23. وحكى أصحاب سفيان الثوري مذهبه كذلك.

  24. والصحيح - المنصوص عن أحمد -: أنه يجوز الدعاء بما يعود بمصلحة الدين بكل حالٍ، وهو قول جمهور العلماء.

  25. وفي ((سنن أبي داود) ) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل: ((كيف تقول في الصلاة؟) ) قالَ: أتشهد، ثُمَّ أقول: اللهمّ إني أسألك الجنة، وأعوذُ بك من النار، أما إني لا أحسنُ دندنتك

    ج ٧ ص ٣٤٥ولا دندنة معاذ، قالَ النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((حولها ندندن) ) . وهذا يشعر بأنه يجوز الدعاء بمصالح الآخرة بأي لفظٍ كان.

  26. واختلفوا: هل يجوز الدعاء في الصلاة بالمصالح الدنيوية خاصة؟

    فقالت طائفة: يجوز، منهم: عروة ومالك والشافعي، وحُكي روايةً عن أحمد، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود.

    وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو المشهور عن أحمد، واختاره أبو محمد الجويني من الشافعية. وإنما هذا فيما لم يرد النص بمثله كالرزق والعافية والصحة ونحو ذلك مما ورد الدعاء به في الأخبار في الصلاة وغيرها، فإنه يجوز الدعاء به في الصلاة، وإنما الممنوع طلبُ تفاصيل حوائج الدنيا؛ كالطعام الطيب والجارية الوضيئة.

  27. والثوب الحسن ونحو ذَلِكَ، فان هذا عندهم من جنس كلام الآدميين الذي قالَ فيهِ النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) ) .

  28. ولا فرق في استحباب الدعاء بين الإمام والمأموم والمنفرد عند جمهور العلماء. واستحب إسحاق للإمام أن يدعو في هذا الموضع بصيغة الجمع؛ ليشمل المأمومين معه، وكره أن يخص نفسه؛ للحديث المروي في النهي عن ذلك.

  29. وللشافعية وجه ضعيف: أن الإمام لا يدعو، وهو خلاف نص

    ج ٧ ص ٣٤٦الشافعي؛ فإنه قال في كتاب ((الأم) ) : أحبُّ لكلَُ مصلًّ أن يزيد على التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر الله عز وجل وتحميده ودعاءً في الركعتين الأخيرتين، وأرى أن تكون زيادته ذلك إن كان إماماً أقل من قدر التشهد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها قليلا؛ للتخفيف عمن خلفه، وأرى أن يكون جلوسه إذا كان وحده أكثر من ذلك، ولا أكره ما طال ما لم يخرجه ذلك إلى سهو أو خاف فيه سهواً، وإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كرهت ذلك، ولا إعادة عليه، ولا سجود سهو. انتهى كلامه.

  30. وقد تضمن: أنه بعد التشهد والصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشرع له ذكر الله وتحميده، وهو خلاف نص أحمد؛ فإنه نص على أنه يدعو بعد التشهد من غير ثناء وحمد.

  31. وسئل أحمد - أيضاً -: هل يحمد الله الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقال: لا أعرفه.

    وقال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا أنه لم يستحب ذلك.

  32. ولا يستحب للأمام أن يدعو أكثر من قدر التشهد خشية الإطالة على المأمومين، فأما المنفرد فإنه يطيل ما لم يخف السهو فيكره له الزيادة.

  33. وقد بوّب النسائيّ في ((سننه) ) : ((باب: الذكر بعد التشهد) ) ، وخرج

    ج ٧ ص ٣٤٧فيه حديث عكرمة بن عمار: ثنا إسحاق بن أبي طلحة، عن أنسٍ، قال: جاءت أم سليٍم إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسول الله، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي، قال: ((سبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، وكبريه عشرا، ثم سليه حاجتك، يقول: نعم، نعم) ) .

  34. وخرّج –أيضاً – بعد ذلك من حديث جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في صلاته بعد التشهد: ((أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمدٍ) ) .

  35. وهذا الحديث إنما يعرف فيه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقوله في تشهده في الخطبة، كما في ((صحيح مسلمٍ) ) وغيره، فلعل ذكر الصلاة فيه مما توهمه بعض الرواة، حيث سمع أنه كان يقوله في تشهده، فظنّ أنه تشهد الصلاة.

  36. وحديث أنسٍ المتقدم، خرّجه الترمذيّ والحاكمُ في ((باب: صلاة التسبيح) ) .

  37. وحسّنه الترمذي، وصححه الحاكم، وجعلاه من جملة أحاديث صلاة التسبيح.

  38. وخرّجه الإمام أحمد، ولم يذكر فيه: ((في صلاتي) ) .

  39. وقد روي الحديث بلفظٍ آخر بإسنادٍ آخر، وهو: ((إذا صليت الصلاة المكتوبة فسبحي) ) .

    ج ٧ ص ٣٤٨
  40. وهذا اللفظ يحمل على أنها تقول ذلك إذا فرغت من صلاتها، فيستدل به حينئذٍ على فضل الذكر والدعاء عقب الصلاة المكتوبة، وعلى ذلك حمله ابن حبان وغيره.