٣٦-باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب
٧٨ فقرة، ج ٨ ص ٢٧٤
الصفحة ١ من ٢
- ج ٨ ص ٢٧٤
وإذا قال لصاحبه: ((أنصت) ) ، فقد لغا
وقال سلمان، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((وينصت إذا تكلم الإمام) ) .
-
حديث سلمان، خرّجه البخاري فيما تقدم في موضعين.
- ج ٨ ص ٢٧٤
٩٣٤ - حدثنا يحيى بن بكير: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني سعيدٍ بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: انصت –والإمام يخطب –فقد لغوت) ) .
حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالكٍ، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ... - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت) ) .
-
هذا الحديث الثاني، يوجد في بعض روايات هذا الكتاب، ولا يوجد في أكثرها.
-
الفضل في الجمعة، وحصول التكفير بها مشروط بشروط،
ج ٨ ص ٢٧٥منها: أن يدنو من الإمام، ويستمع وينصت، ولا يلغو.
-
وقد ورد ذلك في أحاديث متعددة، قد ذكرنا بعضها فيما تقدم.
-
و ((اللغو) ) : هو الكلام الباطل المهدر، الذي لا فائدة فيه.
-
ومنه: لغو اليمين، وهو مالا يعبأ به ولا ينعقد.
-
ومنه: قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما} (الفرقان:٧٢) ، وقوله {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً?} (النبأ:٣٥) .
-
وقد جعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذ الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغواً، وإن كان أمر بمعروف ونهيا عن منكرٍ، فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة.
-
وكان ابن عمر يشير اليه، وتارة يحصبه بالحصى.
-
وكره علقمة رميه بالحصى.
-
ولا خلاف في جواز الإشارة اليه بين العلماء، الا ما حكي عن طاوس وحده، ولا يصح؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزةٌ، ففي حال الخطبة اولى.
- ج ٨ ص ٢٧٦
وروى أنس، أن رجلاً دخل المسجد والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأشار الناس اليه أن اسكت، فساله ثلاث مراتٍ، كل ذلك يشيرون اليه أن اسكت، فقال له رسول الله ... - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ويحك، ما أعددت لها) ) –وذكر الحديث.
-
خرّجه البيهقي وغيره.
-
ولا يستثنى من ذلك إلا ما لابد منه، مما يجوز قطع الصلاة لأجله، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه.
-
فأما رد السلام وتشميت العاطس، ففيه اختلاف سبقت الإشارة اليه، وكذلك حكم كلام الإمام ومن يكلمه لمصلحةٍ.
-
وأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبةً الإمام أن ينصت ويستمع، وانه افضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه، أو تلاوة قرآن أو دعاءٍ.
قال عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: أسبح في يوم الجمعة واهلل، وأنا اعقل الخطيب. قال: لا، إلا الشيء اليسير، واجعله بينك وبين نفسك.
-
وروى بإسناده، عن طاوسٍ، قال: إذا كان الإمام على المنبر فلا يدع احد بشيء، ولا يذكر الله، إلا أن يذكر الإمام.
- ج ٨ ص ٢٧٧
وقول مالكٍ كقول عطاءٍ -: ذكره في ((تهذيب المدونة) ) .
-
وروى حرب بإسناده، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: سألت علقمة: متى يكره الكلام يوم الجمعة؟ قال: إذا خَّرج الإمام، وإذا خطب الإمام. قلت: فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه؟ قال: لعل ذلك لا يضره، أن شاء الله.
قال سفيان: ذاك إذا لم يسمع الخطبة.
-
وروي عن سعيدٍ بن جبير والنخعي: الرخصة في القراءة والإمام يخطب.
-
ولعله إذا لم يسمع الخطبة أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه.
-
وكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد، وقال: قد جهل، ولم تذهب جمعته.
-
واختلفوا: في الإمام إذا صلى على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة: هل يوافقه المأموم؟
فقالت طائفةٌ: يصلي المأموم على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نفسه، وهو قولُ مالكٍ وأبي يوسف وأحمد وإسحاق.
-
واستدلوا: بأن الصلاة على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خصوصاً يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها كلما ذكر، فيشرع الاتيان بها في حال الخطبة عند ذكره، لأن سببها
ج ٨ ص ٢٧٨موجود، فهو كالتأمين على دعاء الإمام، وأولى.
وقال بعض الشافعية: إذا قرأ الإمام: {إِنَّ اللَّهَ?وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ} (الأحزاب:٥٦) –الآية، جاز للمأموم أن يصلي على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويرفع بها صوته.
وقالت طائفةٌ: بل ينصت، وهو قولُ سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعدٍ ومالك –في روايةٍ – والشافعي.
وقال الأوزاعي: ينبغي للإمام إذا صلى على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس، فإن لم يسكت فأنصت، وأمن على دعائه.
-
واختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبعده: هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه، أو ينصت؟ على قولين:
أحدهما: يذكر الله في نفسه ويقرأ، وهو قولُ علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق.
-
وقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته.
-
والثاني: أنه ينصت ولا يتكلم بشيء، وهو قولُ الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة.
-
واستدلوا: بقول عثمان: إن للمنصت
ج ٨ ص ٢٧٩الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت.
-
خرّجه مالكٌ في ((الموطإ) ) .
وقالت طائفةٌ: من لا يسمع لا إنصات عليه، بل يباح له الكلام، وهو قولُ عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي.
-
وأومأ إليه أحمد، فإنه قال: يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة.
-
واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا.
وقال ابن عقيل منهم: له أن يقرئ القرآن، ويذاكر بالعلم.
-
وهو بعيدٌ؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة.
-
واختلفوا: هل انصات من سمع الخطبة واجبٌ، وكلامه في تلك الحال محرم، أو هو مكروه فقط، فلا يأثم به؟ على قولين:
أحدهما: أنه محرم، وهو قول الأكثرين، منهم: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي –في القديم – وأحمد –في المشهور عنه.
-
والمنقول عن أكثر السلف يشهد له.
وقال عطاءٌ ومجاهد: الانصات يوم الجمعة واجبٌ.
-
وقد أمر ابن مسعودٍ بقرع رأس المتكلم بالعصى، وكان ابن عمر يحصبه
بالحصباء.
-
وروي عنه، أنه قال: المتكلم لا
ج ٨ ص ٢٨٠جمعةٍ له، ولمن أجابه: أنت حمارٌ.
وقال ابن مسعودٍ وغيره لمن تكلم في جمعةٍ: هذا حظك من صلاتك.
-
ويدل على تحريمه: قولُ الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:٢٠٤] ، وقد تقدم قولُ الإمام أحمد: اجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة.
-
ولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيراً للناس وموعظةً لهم، فاذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغواً لا فائدة له.