٤- باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
٨٨ فقرة، ج ٨ ص ٣٩٠
الصفحة ١ من ٣
- ج ٨ ص ٣٩٠
وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرىء لنفسه، فإن لم يقدروا على الايماء أخروا [الصلاة] حتى ينكشف القتال أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير. ويؤخرونها حتى يامنوا.
-
وبه قال مكحول.
-
إنما يقول مكحول بتأخير الصلاة للمطلوب دون الطالب.
قال الفزاري، عن يزيد بن السمط، عن مكحول، قال: إذا حضر القتال فلزم بعضهم بعضا، لم يطيقوا أن يصلوا، أخروا الصلاة حتى يصلوا علىالأرض، وقال: صلاة الطالب: أن ينزل فيصلي، فيؤثر صلاته على ما سواها، وصلاة الهارب: أن يصلي حيث كان ركعة.
قال أبو إسحاق، وقال الأوزاعي: الصلاة حيث وجهوا على كل
ج ٨ ص ٣٩١حال، لأن الحديث جاء أن البصر لا يرفع ما دام الطلب، وصلاة الخوف: أن يصلي القوم كما صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن كان خوف أكثر من ذلك صلوا فرادى، مستقبلي القبلة، يركعون ويسجدون، فإن كان خوف أكثر من ذلك أخروا الصلاة حتى يقدروا، فيقضوها.
قالَ: وقال الأوزاعي: إن ثلموا في الحصن ثلمة، وحضرت الصلاة فإن قدروا أن يصلوا جلوسا أو يومئون إيماءً أو يتعاقبون فعلوا وإلاّ أخروا الصلاة إن خافوا إن صلّوا أن يغلبوا عليهِ، وقد طمعوا في فتحه، صلوا حيث كانت وجوههم، ويتمموا أن خافوا.
-
وقد تضمن ما حكاه البخاري عن الأوزاعي مسائل.
- منها:
-
أن الطالب يصلي صلاة شدة الخوف راكبا وماشيا كالمطلوب، وهو رواية عن أحمد.
وقال إسحاق - فيما نقله عن حرب -: يصلي بالأرض ويومىء إيماءً.
-
وفي صلاة الطالب ماشيا بالإيماء حديث، خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس، وهو مما تفرد به ابن إسحاق.
- ج ٨ ص ٣٩٢
وذهب الجمهور إلى أن الطالب لا يصلي إلاّ بالأرض صلاة الأمن، إلاّ أن يخاف، منهم: الحسن ومكحول ومالك والثوري والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وقد سبق ذكر ذَلِكَ.
- ومنها:
-
أن صلاة شدة الخوف لا تكون جماعة، بل فرادى، وقد سبق أن الجمهور على خلاف ذَلِكَ.
- ومنها:
-
أنهم إذا لم يقدروا على الإيماء في حال شدة الخوف أخروا الصلاة حتى يأمنوا.
-
وممن قال بتأخير الصلاة مكحول كما سبق عنه، وهو قال أبي حنيفة وأصحابه.
-
وحكى ابن عبد البر، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأصحابه أنه لا يصلي أحد في الخوف إلاّ إلى القبلة، ولا يصلي في حال المسايفة، بل يؤخر الصلاة.
-
وعن أحمد رواية: أنه يخير بين الصلاة بالإيماء وبين التأخير.
قال أبو داود: سألت أبا عبد الله عن الصلاة صبيحة المغار، فيؤخرون الصلاة
ج ٨ ص ٣٩٣حتى تطلع الشمس، أو يصلون على دوابهم؟ قَالَ: كلٌ أرجوا.
-
واستدل أصحابنا لهذه الرواية بصلاة العصر فِي بني قريظة وفي الطريق، وأنه لم يعنف واحد منهما، وسيأتي ذكره والكلام على معناه قريبا – إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
-
وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تأخير الصلاة في حال القتال، وتصلى على حسب حاله، فإنه لا يأمن هجوم الموت في تلك الحال.
-
فكيف يجوز لأحد أن يؤخر فرضاً عن وقته، مع أنه يخاف على نفسه مداركة الموت له في الحال، وهذا في تأخير الصلاة عن وقتها التي لا يجوز تأخيرها للجمع. فأما صلاة يجوز تأخيرها للجمع فيجوز تأخيرها للخوف، ولو كان في الحضر عند أصحابنا وغيرهم من العلماء.
-
وقول ابن عباس: جمع رسول الله ? - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة من غير خوف، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف؛ فإن الخوف عذر ظاهر، فالجمع له أولى من الجمع للمطر والمرض ونحوهما.
-
فأما قصر الصلاة في حال الخوف في الحضر، فالجمهور على منعه. وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد بجوازه، مخرجة عن رواية حنبل عنه، بجواز الفطر في رمضان لقتال العدو.
-
وروي عن عثمان بن عفإن، أنه قالَ: لايقصر الصلاة إلاّ من كان
ج ٨ ص ٣٩٤شاخصاً أو بحضرة العدو.
-
وظاهره: أنه يجوز القصر بحضرة العدو في غير السفر - أيضاً - وبذلك فسره أبو عبيدة في ((غريبه) ) .
-
وذكر ابن المنذر عن عمران بن حصين مثل قول عثمان –أيضاً.
-
وقد يفسر بأنه لايجوز القصر إلاّ في حال السفر أو الإقامة في دار الحرب لقتال
العدو، وهذا قول كثير من العلماء، ويأتي بيانه في ((كتاب قصر الصَّلاة) ) إن شاء الله
- سبحانه وتعالى -.
-
وسيذكر البخاري في هذا الباب ما يستدل به على جواز التأخير في حال شدة
الخوف.
- ومنها:
-
أنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامةً.
-
وهذا قول كثير من العلماء، منهم: ابنُ عباس.
-
ففي ((صحيح مسلم) ) ، عنه، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعاً، وفي الخوف ركعة.
-
وقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر، وقد سبق ذكر قولهما.
-
ورواه الحسن، عن حطان الرقاشي، عن أبي موسى - أيضاً - أنه فعله.
- ج ٨ ص ٣٩٥
وهو مروي - أيضاً - عن الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد، وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي.
-
حتى قاله في صلاة الصبح، مع أن ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أن الفجر والمغرب لاينقص عن ركعتين وثلاث، في خوف ولا أمن، في حضر ولا سفرٍ.
-
ولم يفرق هؤلاء بين حضر ولاسفر، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصَّلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعةٍ واحدةٍ.
-
وحكي رواية عن أحمد، وهوظاهر كلامه في رواية جماعة، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا، والمشهورعنه: المنع.
-
وقد نقل جماعة عنه، أنه قال: لايعجبني ذلك. وهو قول [....] أصحابنا.
-
والمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي.
-
وتقدم من حديث ابن عباس، أن كل طائفة من الناس صلوا خلف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعة ركعة وأنهم لم يقضوا. ومن حديث حذيفة - أيضاً - وما
ج ٨ ص ٣٩٦في ذلك من التأويل.
-
وروى يزيد الفقير، عن جابر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، صلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء، فصلى لهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ? ركعتان، ولهم ركعة.
-
خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما) ) .