٣-باب سنة العيدين لأهل الإسلام
٧٩ فقرة، ج ٨ ص ٤٢٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ٨ ص ٤٢٣
فيه حديثان:
- الأول:
- ج ٨ ص ٤٢٣
٩٥١ - حدثنا حجاج: انا شعبة: أخبرني زبيد: سمعت الشعبي، عن البراء: سمعت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، فقال: ((إن أول ما نبرأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا) ) .
-
ومراده: الاستدلال بهذا الحديث على أن سنة أهل الإسلام التي سنها لهم نبيهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عيد النحر: الصلاة ثم النحر بعد رجوعهم من الصلاة.
-
وهذا مما اتفق المسلمون على أنه سنة في يوم النحر، وإنما اختلفوا: هل هو واجب، أم لا؟
-
فأما النحر، فيأتي الكلام عليه في موضع آخر –إن شاء الله سبحانه وتعالى.
-
وأما صلاة العيد، فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها سنة مسنونة، فلو تركها الناس لم يأثموا.
-
هذا قول
ج ٨ ص ٤٢٤الثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف، وحكي رواية عن أحمد.
-
واختلفوا: هل يقاتلون على تركها؟ وفيه وجهان للشافعية. وقال أبويوسف: آمرهم وأضربهم؛ لأنها فوق النوافل، ولا أقاتلهم؛ لأنها دون الفرائض.
-
وقد يتعلق لهذا القول بإخبار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المصلي يوم العيد أنه أصاب السنة.
-
ولا دليل فيه؛ فإن السنة يراد بها الطريقة الملازمة الدائمة، كقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح:٢٣] .
-
والقول الثاني: أنها فرض كفاية فإذا أجمع أهل بلد على تركها أثموا وقوتلوا على تركها.
-
وهو الظاهر مذهب أحمد، نص عليه في رواية المروذي وغيره. وهو قول طائفة من الحنفية والشافعية.
-
والقول الثالث: أنها واجبة على الأعيان كالجمعة.
-
وهو قول أبي حنيفة، ولكنه لا يسميها فرضاً.
-
وحكى أبو الفرج الشيرازي – من أصحابنا - رواية عن أحمد: أنها فرض عين.
وقال الشافعي –في ((مختصر المزني) ) -: من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين.
-
وهذا صريح في أنها واجبة على الأعيان.
-
وليس ذلك خلافاً لإجماع
ج ٨ ص ٤٢٥المسلمين، كما ظنه بعضهم.
-
وكثيرمن أصحابه تأولوا نصه بتأويلات بعيدة، حتى إن منهم من حمله على أن الجمعة فرض كفاية كالعيد.
-
وأقرب ما يتأول به: أن يحمل على أن مراده: أن العيد فرض كفاية؛ لأن فروض الكفاية كفروض الأعيان في أصل الوجوب، ثُمَّ يسقط وجوب فرض الكفاية بفعل البعض دون فرض العين.
-
فقد يقال: إن الشافعي أراد أن يعلق الوجوب في العيد بمن يتعلق به وجوب الجمعة وإن كانت العيد تسقط بحضور بعض الناس دون الجمعة.
-
وهذا أشبه مما تأوله به أصحابه، مع مخالفته لظاهر كلامه وبعده منه؛ فإنه صرح بوجوب الحضور في العيد كحضور الجمعة.
- الحديث الثاني:
- ج ٨ ص ٤٢٥
٩٥٢ - نا عبيد بن اسماعيل: نا أبو اسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الانصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم
بعاث. قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: مزامر الشيطان في بيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) ) .
- ج ٨ ص ٤٢٦
في هذا الحديث: الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب. وإن سمع ذلك النساء والرجال، وإن كان معه دف مثل دف العرب، وهو يشبه الغربال.
-
وقد خرجه البخاري في آخر ((كتاب العيدين) ) من رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن وجهه، فقال: ((دعهما يا أبا
بكر؛ فإنها أيام عيد)) ، وتلك [الأيام] أيام منى.
-
ولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، كما في حديث عائشة، عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أعلنوا النكاح واضربوا عليهِ بالغربال) ) .
-
وخرجه الترمذي وابن ماجه، بإسناد فيه ضعفٌ.
- ج ٨ ص ٤٢٧
فكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرخص لهم في أوقات الأفراح، كالأعياد والنكاح وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار، وما كان في معناها.
-
فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد أعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه.
-
حتى قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. وروي عنه - مرفوعا.
- ج ٨ ص ٤٣١
وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم.
-
فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا. وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظا ولا معنى، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفا، وإنما هي قضايا أعيان، وقع الإقرار عليها، وليس لها [من] عموم.
-
وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة، لأن غنائهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب.
-
وقد صحت الأخبار عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذم من يستمع القينات في آخر الزمان، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي الماخوذة عن الأعاجم.
-
وقد خرج البخاري في ((الأشربة) ) حديث عبد الرحمن بن غنم،
ج ٨ ص ٤٣٢عن أبي مالك –أو أبي عامر - الأشعري، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، كما سياتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى.
فقال فيه: ((قال هشام بن عمار) ) – فذكره.
-
والظاهر: أنه سمعه من هشام.
-
وقد رواه عن هشام الحسن بن سفيان النسوي.
-
وخرجه من طريقه البيهقي وغيره.
-
وخرجه الطبراني: نا محمد بن يزيد بن عبد الصمد: نا هشام بن عمار.