١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
١٤٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٠٣
الصفحة ١ من ٤
- ج ٢ ص ٣٠٣
وقال ابن عباس؛ حدثني أبو سفيان في حديث هرقل، فقال: يأمرنا - يعني: النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصلاة والصدق والعفاف.
-
حديث أبي سفيان هذا قد خرجه البخاري بتمامه في أول كتابه، وهو يدل على أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أهم ما يأمر به أمته الصلاة، كما يأمرهم بالصدق والعفاف، واشتهر ذلك حتى شاع بين الملل المخالفين له في دينه، فإن أبا سفيان كان حين قال ذلك مشركا، وكان هرقل نصرانيا، ولم يزل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ بعث يأمر بالصدق والعفاف، ولم يزل يصلي - أيضا - قبل أن تفرض الصلاة.
-
وأول ما أنزل عليه سورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:١] وفي أخرها: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى} إلى قوله: {كَلَاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:٩ - ١٩] .
-
وقد نزلت هذه الآيات بسبب قول أبي جهل: لئن رأيت محمدا ساجدا عند البيت لأطأن على عنقه.
-
وقد خرج هذا الحديث مسلم في " صحيحه " . وقد ذكرنا في أول " كتاب: الوضوء " حديث أسامة، أن جبريل نزل على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أول
ج ٢ ص ٣٠٤الأمر، فعلمه الوضوء والصلاة.
-
وذكر ابن إسحاق: أن الصلاة افترضت عليه حينئذ، وكان هو - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخديجة يصليان.
-
والمراد: جنس الصلاة، لا الصلوات الخمس.
-
والأحاديث الدالة على أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي بمكة قبل الإسراء كثيرة.
-
لكن قد قيل: إنه كان قد فرض عليه ركعتان في أول النهار وركعتان في آخره فقط، ثم افترضت عليه الصلوات الخمس ليلة الإسراء -: قاله مقاتل وغيره.
وقال قتادة: كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي.
-
وإنما أراد هؤلاء: أن ذلك كان فرضا قبل افتراص الصلوات الخمس ليلة الإسراء.
-
وقد زعم بعضهم: أن هذا هو مراد عائشة بقولها: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، وقالوا: إن الصلوات الخمس فرضت أول ما فرضت أربعا وثلاثا وركعتين على وجهها، وسيأتي ذكر ذلك في الكلام على حديث عائشة - إن شاء الله.
-
وضعف الأكثرون ذلك، وقالوا: إنما أرادت عائشة فرض الصلوات الخمس ركعتين ركعتين سوى المغرب، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
-
وقد ورد من حديث عفيف الكندي، أنه رأى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بمكة حين زالت الشمس ومعه علي وخديجة، وان العباس قال له: ليس على هذا الدين احد غيرهم.
- ج ٢ ص ٣٠٥
وقد خرجه الإمام أحمد والنسائي في خصائص علي.
-
وقد طعن في إسناده البخاري في ((تاريخه) ) والعقيلي وغير واحد.
-
وقد خرج الترمذي من حديث أنس، قال: بعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء.
-
وإسناده ضعيف.
- ج ٢ ص ٣٠٦
وقد خرجه الحاكم من حديث بريدة، وصححه.
-
وفيه دليل على أن الصلاة شرعت من ابتداء النبوة، لكن الصلوات الخمس لم تفرض قبل الإسراء بغير خلاف.
-
وروى الربيع، عن الشافعي، قال: سمعت ممن أثق بخبره وعلمه يذكر أن الله تعالى انزل فرضا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس.
قال الشافعي: كأنه يعني قول الله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً - نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً - أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل:١ - ٤] ثم نسخه في السورة معه بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} الآية إلى قوله {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:٢٠] فنسخ قيام الليل، أو نصفه، أو اقل، أو أكثر بما تيسر.
قال الشافعي: ويقال نسخ ما وصف في المزمل بقول الله - عز وجل -: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ودلوك الشمس: زوالها {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} العتمة {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} الصبح {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء:٧٨ - ٧٩] فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة، وان الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار.
قال: ويقال في قول الله - عز وجل -: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} المغرب والعشاء
{وَحِينَ تُصْبِحُونَ} الصبح {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً} العصر
{وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم:١٧ - ١٨] الظهر. انتهى.
- ج ٢ ص ٣٠٧
وقد روي عن طائفة من السلف تفسير هاتين الآيتين بنحو ما قاله الشافعي، فكل أية منهما متضمنة لذكر الصلوات الخمس، ولكنهما نزلتا بمكة بعد الإسراء.
-
والله أعلم.
-
وقد اجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فرضت ليلة الإسراء، واختلفوا في وقت الإسراء:
فقيل: كان بعد البعثة بخمسة عشر شهرا، وهذا القول بعيد جدا.
-
وقيل: أنه كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو اشهر.
-
وقيل: قبل الهجرة بسنة واحدة.
-
وقيل: قبلها بستة اشهر.
-
وقيل: كان بعد البعثة بخمس سنين، ورجحه بعضهم، قال: لأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف إنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقد اجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.
قلت: حكايته الإجماع على صلاة خديجة معه بعد فرض الصلاة غلط محض، ولم يقل هذا أحد ممن يعتد بقوله.
-
وقد خرج أبو يعلى الموصلي والطبراني من حديث إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي، عن جابر، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن خديجة؛ فإنها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام؟ فقال: ((أبصرتها على نهر من انهار الجنة، في بيت من قصب، لا لغو فيه ولا نصب) ) .
- ج ٢ ص ٣٠٨
وروى الزبير بن بكار، بإسناد ضعيف، عن يونس عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة.
-
وقد فرق بعضهم بين الإسراء والمعراج، فجعل المعراج إلى السماوات كما ذكره الله في سورة النجم، وجعل الإسراء إلى بيت المقدس خاصة، كما ذكره الله في سورة
{سُبْحانَ} وزعم أنهما كانا في ليلتين مختلفتين، وان الصلوات فرضت ليلة المعراج لا ليلة الإسراء.
-
وهذا هو الذي ذكره محمد بن سعد في طبقاته عن الواقدي بأسانيد له متعددة، وذكر أن المعراج إلى السماء كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا من المسجد الحرام، وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس، ونزل جبريل فصلى برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلوات في مواقيتها، وان الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلة سبع عشرة ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، من شعب أبي طالب.
-
وما بوب عليه البخاري أن الصلوات فرضت في الإسراء يدل على أن الإسراء عنده والمعراج واحد. والله أعلم.
-
وخرج في هذا الباب حديثين:
- الحديث الأول: حديث المعراج بطوله: فقال:
- ج ٢ ص ٣٠٨
٣٤٩ - ثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كان أبو ذر يحدث، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل - عليه السلام - ففرج صدري، ثم
ج ٢ ص ٣٠٩غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم اخذ بيدي فعرج إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قَالَ: جبريل، قَالَ: هَلْ معك احد؟ قال: نعم، معي محمد. فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره اسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا ادم، وهذه الاسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والاسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. حتى عرج بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها:
افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح)) .
قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد ادم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة.
قال أنس: ((فلما مر جبريل بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قَالَ: هَذَا إدريس، ثُمَّ مررت بموسى عَلِيهِ السلام، فَقَالَ: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قُلتُ: من هَذَا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى عليه السلام، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: عيسى، ثم مررت بإبراهيم عليه السلام،
ج ٢ ص ٣١٠فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم)) .
قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى اسمع فيه صريف الأقلام) ) .
قال ابن حزم وانس بن مالك: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعني فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، قال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: أرجع إلى ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا ادري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) ) .
-
هذا الحديث رواه جماعة عن يونس، عن الزهري، عن أبي ذر وانس. وخالفهم أبو ضمرة أنس بن عياض، فرواه عن يونس، عن
ج ٢ ص ٣١١الزهري، عن أنس، عن أبي بن كعب، وهو وهم منه -: قاله الدارقطني، وأشار إليه أبو زرعة وأبو حاتم.
-
وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على أنس، فالزهري رواه عنه، عن أبي ذر، وجعل ذكر الصلوات منه عن أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ورواه قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، وقد خرج حديثه البخاري في موضع أخر.
-
ورواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسياق مطول جدا.
-
وقد خرج حديثه البخاري في أخر كتابه، وفيه ألفاظ استنكرت على شريك، وتفرد بها.