٢- باب وجوب الصلاة في الثياب

٨١ فقرة، ج ٢ ص ٣٣٤

الصفحة ١ من ٣

  1. وقول الله - عز وجل - {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:٣١]

    ج ٢ ص ٣٣٤
  2. ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد

    ويذكر عن سلمة بن الأكوع، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((يزره ولو بشوكة) ) . وفي إسناده نظر.

  3. ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى وأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا يطوف بالبيت عريان.

  4. أما قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة، وقد صح هذا عن ابن عباس، واجمع عليه المفسرون من السلف بعده.

  5. وقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكره قصة ادم عليه السلام، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوراتهما، فقال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:٢٧] .

    ثم قال: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:٢٨] .

  6. والمراد بالفاحشة هنا: نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت، وطوافهم عراة كما كان عادة أهل الجاهلية.

    ثم قال بعد ذلك: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} .

    ج ٢ ص ٣٣٥
  7. والمراد بذلك: أن يستروا عوراتهم عند المساجد، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك.

    وقال طائفة من العلماء: أن الآية تدل على اخذ الزينة عند المساجد، وذلك قدر زائد على ستر العورة، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش، وسترها من الزينة، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته؛ ولهذا قَالَ تعالى عقب ذَلِكَ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:٣٢] .

  8. وروى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له) ) .

  9. خرجه الطبراني وغيره.

  10. وقد روى جماعة هذا الحديث عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو عن عمر - بالشك في ذلك.

  11. خرجه البزاز وغيره.

  12. وخرجه أبو داود. كذلك بالشك، ولم يذكر

    ج ٢ ص ٣٣٦فيه ((فإن الله أحق من تزين له) ) .

  13. وروي ذكر التزين من قول ابن عمر، فروي عن أيوب، عن نافع، قال: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، قال: الم أكسك ثوبين؟ قلت: نعم، قال: فلو أرسلتك في حاجة كنت تذهب هكذا؟ : قلت: لا. قال: فالله أحق أن تزين له.

  14. أخرجه الحاكم وغيره.

  15. والمحفوظ في هذا الحديث رواية من رواه بالشك في رفعه -: قاله الدارقطني.

  16. وممن أمر بالصلاة في ثوبين: عمر، وابن مسعود، وقال ابن مسعود: إذ وسع الله فهو أزكى.

  17. واستدل من قال: أن المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، وبان من صلى عاريا خاليا لا تصح صلاته، وبان المرآة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار، مع أنه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر.

  18. وأما الصلاة في ثوب واحد ملتحفا به، ففيه عدة أحاديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وقد خرج البخاري بعضها، وستأتي في موضعها - أن شاء الله.

  19. وأما حديث سلمة بن الأكوع الذي علقه البخاري، وقال: في إسناده نظر؛ فهو من رواية موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله؛ إني رجل أصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قَالَ: ((نَعَمْ، زره ولو بشوكة) ) .

    ج ٢ ص ٣٣٧
  20. خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان فِي ((صحيحه) ) ، والحاكم وصححه.

  21. واستدل به طائفة من فقهاء أهل الحديث على كراهة الصلاة في قميص محلول الإزار، منهم: إسحاق بن راهويه، وسليمان بن داود الهاشمي، والجوزجاني وغيرهم.

  22. وقال الإمام أحمد فيمن صلى في قميص ليس عليه غيره: يزره ويشده. وقال - أيضا -: ينبغي أن يزره.

  23. وقد روى هذا الحديث عن موسى بن إبراهيم: الدراوردي - ومن طريقه خرجه أبو داود - وعطاف بن خالد - ومن طريقه خرجه الإمام أحمد والنسائي.

  24. وموسى هذا، زعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث

    التيمي، وذكر ذلك عن البرقاني، وأنه نقله عن أبي داود، فلزم من ذلك أمران يضعفان إسناده: أحدهما ضعف موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي؛ فإنه متفق عليه. والثاني: انقطاعه؛ فإن موسى هذا لم يرو عن سلمة، إنما يروي عن أبيه، عن سلمة.

  25. وذكر أن

    ج ٢ ص ٣٣٨الطحاوي رواه عن ابن أبي داود، عن ابن أبي قتيلة، عن الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة. قال: فحديث أبي داود علي هذا منقطع.

  26. هذا مضمون ما ذكره ابن القطان، وزعم أن هذا هو النظر الذي أشار إليه البخاري بقوله: في إسناده نظر.

  27. والصحيح: أن موسى هذا هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، نص على ذلك علي بن المديني -: نقله عنه القاضي إسماعيل في كتاب ((أحكام القرآن) ) ، وكذا نقله المفضل الغلابي في ((تاريخه) ) عن مصعب الزبيري، وكذا ذكره أبو بكر الخلال في كتاب ((العلل) ) ، وصرح به - أيضا - من المتأخرين عبد الحق الإشبيلي وغيره، ولذلك خرج هذا الحديث ابن حبان في ((صحيحه) ) ؛ فإنه لا يخرج فيه لموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي شيئا؛ للاتفاق على ضعفه.

  28. وقد فرق بين الرجلين يحيى بن معين - أيضا -، ففي ((تاريخ الغلابي) ) عن يحيى بن معين: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي

    ج ٢ ص ٣٣٩يضعف، جاء بأحاديث منكرات.

  29. ثم بعد ذلك بقليل، قال: موسى بن إبراهيم المديني، يروي عن سلمة بن

    الأكوع، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة في القميص الواحد: ((زره ولو بشوكة) ) - ثبت.

  30. وفي ((تاريخ مضر بن محمد) ) ، عن ابن معين نحو هذا الكلام - أيضا -، إلا أنه قال في الذي روى حديث الصلاة في القميص: ليس به بأس، ولم يقل: ثبت.

  31. وكذلك أبو حاتم الرازي، صرح بالفرق بين الرجلين.

    قال ابن أبي حاتم في ((كتابه) ) : موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، روى عن سلمة بن الأكوع، وعن أبيه عن أنس، روى عنه عطاف بن خالد، وعبد الرحمان بن أبي الموالي، وعبد العزيز ابن محمد، سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي خلاف هذا، ذاك شيخ ضعيف الحديث. انتهى.

  32. وتضعيفه التيمي دون هذا يدل على أن هذا ليس بضعيف.

  33. وكذا فرق بينهما علي بن ألمديني، فيما نقله عنه أبو جعفر بن أبي

    ج ٢ ص ٣٤٠شيبة في ((سؤالاته له) ) ، وقال في التيمي: ضعيف، ضعيف، وقال في الذي يروي عن سلمة: كان صالحا وسطا.

  34. وكذلك فرق بينهما ابن حبان، وذكر موسى بن إبراهيم هذا في ((ثقاته) ) .

  35. وكذلك صرح بنسبه أبو حاتم الرازي، فيما نقله عنه ابنه في كلامه على ((أوهام تاريخ البخاري) ) .

  36. وقد ورد التصريح بنسبة موسى هذا في روايات متعددة:

    فروى الشافعي: أنا عطاف بن خالد والدراوردي، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الاكوع، قال: قلت يا رسول الله، أنا نكون في الصيد، فيصلي احدنا في القميص الواحد؟ قال: ((نعم، وليزره، ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة) ) .

  37. وروى الإمام أحمد في ((المسند: ثنا هاشم بن القاسم: ثنا عطاف، عن موسى بن أبي ربيعة، قال: سمعت بن الاكوع - فذكر الحديث.

  38. ورواه الاثرم في ((سننه)) : ثنا هشام بن بهرام: ثنا عطاف، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن أبي بيعة المخزومي، أن سلمة بن الاكوع كان إذا قدم المدينة نزل على ابنه إبراهيم في داره، قال: فسمعتة

    ج ٢ ص ٣٤١يقول: قلت: يا رسول الله، أني أكون في الصيد، وليس علي إلاّ قميص واحد، أفأصلي فيه؟ قال ((نعم، وزره وان لم تجد إلا شوكه) ) .

  39. وكذلك رواه علي بن المديني، عن الدراوردي: أخبرني موسى بن عبد الرحمان، أنه سمع سلمة بن الاكوع - فذكره.

  40. ففي هذه الروايات التصريح بنسبته وبسماعه من سلمة.