١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
١٤٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٠٣
الصفحة ٢ من ٤
- ج ٢ ص ٣١١
وقد رواه ثابت، عن أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيضا - بدون سياق شريك.
-
وقد خرج حديثه مسلم في صحيحه.
وقال الدارقطني: يشبه أن تكون الأقاويل كلها صحاحا؛ لأن رواتها ثقات.
قال: ويشبه أن يكون أنس سمعه من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
ج ٢ ص ٣١٢واستثبته من أبي ذر ومالك أبن صعصعة.
وقال أبو حاتم الرازي: أرجو أن يكون قول الزهري وقتادة عن أنس صحيحين. وقال - مرة -: قول الزهري أصح، قال: ولا أعدل به أحدا.
-
وشق صدره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة المعراج وغسله من طست من ذهب من ماء زمزم وملؤه إيمانا وحكمة مما تطابقت عليه أحاديث المعراج.
-
وروى، ثابت عن أنس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره -، فقالوا: أن محمد قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى اثر ذلك المخيط في صدره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
خرجه مسلم.
-
وليس في هذا الحديث أنه حشي إيمانا وحكمة، وقد روي هذا الحديث من رواية أبي ذر وعتبة بن عبد السلمي، وفي روايتهما: أنه ملئ سكينة، وروي ـ أيضا ـ من حديث أبي ذر، وفيه أنه أدخل قلبه الرأفة
ج ٢ ص ٣١٣والرحمة.
-
فهذا الشرح فهذا الشرح كان في حال صغره، وهو غير الشرح المذكور في ليلة المعراج، ومن تأمل ألفاظ الأحاديث الواردة في شرح صدره وملئه إيمانا وحكمة أو سكينة أو رأفة ورحمة ظهر له من ذلك أنه وضع في قلبه جسم محسوس مشاهد، نشأ عنه ما كان في قلبه من هذه المعاني، والله سبحانه قادر على أن يخلق من المعاني أجساما محسوسة مشاهدة، كما يجعل الموت في صورة كبش أملح يذبح.
-
وفي حديث الزهري، عن أنس، عن أبي ذر، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((ثم أخذ
بيدي، فعرج بي إلى السماء)) .
-
وفي حديث قتادة وغيره، عن أنس، أنه أركبه البراق، وهي زيادة صحيحة لم يذكرها الزهري في حديثه.
-
وقول خازن السماء: ((أرسل إليه؟) ) الأظهر ـ والله أعلم ـ أنه أستفهم: هل أرسل الله إليه يستدعيه إلى السماء، ولم يرد إرساله إلى أهل الأرض، فإن ذلك كان قبل هذه الليلة بمدة طويلة، والظاهر أنه لا يخفى مثل ذلك على أهل السماء وخزنتها، لا سيما مع حراستها بالشهب ومنع الشياطين من استراق السمع منها.
-
وقيل أن اخل السماء لم يعلموا بإرساله إلى أهل الأرض حتى صعد إليهم، ويشهد لهذا: أن في حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس في صفة
ج ٢ ص ٣١٤الإسراء، قال: ((ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فنادى أهل السماء: من هذا؟ فَقَالَ:
جبريل. فقال: ومن معك؟ قال: معي محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، فقالوا: مرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم)) ـ وذكر الحديث بطوله.
-
وقد خرجه البخاري في آخر كتابه هذا.
-
((والأسودة) ) : جمع سواد، وهو الشخص، يقال: سواد وأسودة، مثل قراح وأقرحة، وتجمع: أسودة على أساود، فهو جمع الجمع. ((والنسم) ) : جمع نسمة، وهي النفس.
-
والمراد بذلك: أرواح بني أدم، وأن أهل الجنة على يمين ادم وأهل النار على يساره.
قال بعضهم: ولا يناقض هذا ما ورد: أن أرواح المؤمنين في الجنة، أو في الصور الذي ينفخ فيه، أو في القبور، وأرواح الكافرين في سجين؛ لأن هذا في أحوال مختلفة وأوقات متغايرة وفي هذا الجواب نظر.
-
ومنهم من قال: إنما رأى في السماء الدنيا عن يمين آدم وشماله نسم بنيه الذين لم يولدوا بعد ولم تخلق أجسادهم، فأما أرواح الموتى التي فارقت أجسادها بالموت فليست في السماء الدنيا، بل أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في سجين، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا
ج ٢ ص ٣١٥بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: ٤٠] .
-
وقد جاء في حديث البراء بن عازب وأبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أن روح الكافر إذا خرجت لم تفتح لها أبواب السماء، فتطرح طرحا) ) ، وقرأ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: ٣١] .
-
والأظهر ـ والله أعلم ـ: أن آدم - عليه السلام - في السماء الدنيا ينظر إلى نسم بنيه عن يمينه وشماله، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها، فنسم المؤمنين في الجنة ونسم الكافرين في النار، وليست عند آدم في السماء الدنيا.
-
ويدل على هذا: ما خرجه البزار وابن جرير والخلال وغيرهم من رواية أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، عن أبي هريرة، فذكر فذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: أنه لما دخل إلى سماء الدنيا فإذا هو برجل تام الخلق، لم ينقص من خلقه شئ كما ينتقص من خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، فقال جبريل: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه الجنة، فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن - وذكر الحديث بطوله.
- ج ٢ ص ٣١٦
ومما يوضح هذا المعنى: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في صلاة الكسوف الجنة والنار وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض، وروي: أنه رأى ليلة أسري به الجنة والنار ـ أيضا ـ، وليست النار في السماء، وإنما رآهما وهو في السماء تارة، ورآهما وهو في الأرض أخرى.
-
وكذلك رؤية آدم وهو في السماء الدنيا نسم بنيه المستقرة في الجنة وفي النار، وليست الجنة والنار عند آدم في سماء الدنيا.
-
وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة وهي مستقر أرواح الموتى في
((كتاب أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور) ) . ولله الحمد.
-
وفي حَدِيْث الزُّهْرِيّ، عَن أنس، عَن أبي ذر، أن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى فِي السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى، ولم يثبت كَيْفَ منازلهم، إلا أنه وجد آدم فِي السماء الدنيا، وإبراهيم فِي السماء السادسة، وهذا - والله أعلم - مما لم يحفظه الزهري جيدا.
-
وفي رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه رأى في السماء الدنيا آدم، وفي السماء الثانية يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، وفي السماء الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم عليهم السلام.
-
وفي حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس، وقد خرجه البخاري في آخر صحيحه هذا: أنه رأى آدم في السماء الدنيا،
ج ٢ ص ٣١٧وإدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ـ قال الراوي: لم أحفظ اسمه ـ، وإبراهيم فِي السادسة، وموسى فِي السابعة بتفضيل كلام الله - عز وجل -.
-
وهذا يوافق مَا فِي حَدِيْث الزُّهْرِيّ، عَن أنس، أن إبراهيم عَلِيهِ السلام فِي السماء السادسة، وفيه – أيضا -: أنه مر بموسى، ثم بعيسى، ثم بإبراهيم، وهذا يشعر برفع عيسى على موسى، وهذا كله إنما جاء من عدم ضبط منازلهم كما صرح به في الحديث نفسه.
-
وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صفة الإسراء، أنه رأى آدم في الأولى، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في
الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور.
-
وقد خرجه مسلم بطوله.
-
والذي رآه في السماء من الأنبياء عليهم السلام إنما هو أرواحهم، إلا عيسى - عليه السلام - فإنه رفع بجسده إلى السماء.
-
وقد قال طائفة من السلف: أن جميع الرسل لا يتركون بعد موتهم في الأرض أكثر من أربعين يوما، ثم ترفع جثثهم إلى السماء، روي ذلك عن ابن المسيب، وعن عمر بن عبد العزيز، وأنه قال: وأخبرني بذلك غير واحد ممن أدركته، فعلى هذا يكون المرئي في السماء أشخاصهم كما كانوا في الأرض.
- ج ٢ ص ٣١٨
وقول ابن شهاب: ((أخبرني ابن حزم) ) ، الظاهر: أنه أبو بكر بن عمرو ابن حزم.
-
((أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري) ) أبو حبة بالباء الموحدة عند قوم، وعند آخرين هو بالنون، وقيل: هما إخوان، أحدوهما ابوحبة بالباء، والثاني، أبو حنة
بالنون، والله أعلم.
-
وقوله ((حتى ظهرت لمستوى) ) أي: صعدت لمصعد وارتقيت لمرتقى.
-
و ((صريف الأقلام) ) : صوت ما تكتبة الملائكة بأقلامها من أقضية الله تعالى ووحية، أو ما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك.
-
ويقال: أن صريف القلم: هو تصويته في رجوعه إلى ورائه، مثل كتابته لحرف
(كـ) ، وصريره: هو تصويته في مجيئه إلى بين يديه، مثل كتابته لحرف (ن) وما أشبه ذلك.
-
وقوله: ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة) ) ، وفي رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس: ((ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة) ) .
-
وقد تفرد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما انكرت عليه فيه.
- ج ٢ ص ٣١٩
وقوله: ((فرجعت بذلك حتى مررت بموسى) ) ، وذكر مراجعته له وأمره بالرجوع إلى ربه ليخفف عن أمته - استدل بهذا من رجح رواية من روى أن موسى كان في السماء السابعة، كما في رواية الزهري وشريك، عن أنس، قال: لأنه لو كان إبراهيم في السابعة لكانت ألمراجعه بينه وبين إبراهيم.
-
ومن رجح أن موسى في السماء السادسة، كما في رواية قتادة عن أنس، قال: إنما وقعت المراجعة من موسى - عليه السلام -؛ لأنه كان له امة عظيمة، عالجهم اشد المعالجة، وكان عليهم في دينهم آصار وأثقال، فلهذا تفرد بمخاطبة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك دون إبراهيم - عليه السلام -.
-
وفي رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس التي خرجها البخاري في أخر صحيحه هذا: ((أن موسى - عليه السلام - قال له: ((أن أمتك لا تستطيع ذلك؛ فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم أن شئت، فعلى به إلى الجبار سبحانه وتعالى، فقال وهو في مكانه: يارب، خفف
عنا؟ فإن أمتي لا تستطيع هَذَا، فوضع عَنْهُ عَشَرَ صلوات، ثُمَّ رجع إلى موسى فاحتبسه فَلَمْ يزل موسى يردده إلى ربه حَتَّى صارت إلى خمس صلوات، ثُمَّ احتبسه موسى عِنْدَ الخمس، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، والله لَقَدْ راودت بني إسرائيل قومي عَلَى أدنى من هذه فضعفوا وتركوه، وأمتك اضعف أجساداً وقلوباً وأبدانا وأبصاراً وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذَلِكَ يلتفت النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى جبريل ليشير عَلِيهِ، ولا يكره
ج ٢ ص ٣٢٠ذَلِكَ جبريل، فرفعه عِنْدَ الخامسة، فَقَالَ: يارب، أن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا، فقال الجبار - عز وجل -: يا محمد، قال لبيك وسعديك، قال: أنه لا يبدل القول لدي، كما فرضته عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، وهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك - أيضا - قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا موسى، قد - والله - استحييت من ربي، مما اختلف إليه. قال: فاهبط بسم الله، قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام)) .
-
وهذه اللفظة مما تفرد بها شريك، وقد تعلق بها من قال: أن الإسراء كان مناما، وأجاب عنها قوم - على تقدير أن تكون محفوظة -: بان المراد باستيقاظه رجوعه إلى حال بشريته المعهودة منه في الأرض، فإنه لما كان في السماء كان في طور أخر غير طور أهل الدنيا، فلم يستفق من تلك الحال التي كان عليها، ولم يرجع إلى حاله المعهودة إلا وهوفي المسجد الحرام.