١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
١٤٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٠٣
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٢ ص ٣٢٠
وفي حديث شريك عن أنس: أنه لم يزل يحط عنه عشر صلوات إلى أن صارت خمسا، وكذا في حديث قتادة عن أنس: أنه حط عنه عشرا عشرا، ثم حط عنه خمسا، فصارت خمس صلوات.
-
وفي حديث ثابت، عن أنس: أنه حط عنه خمس
ج ٢ ص ٣٢١صلوات، ولم يزل يرده موسى، قال: ((فلم أزل بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف) ) ، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((فقلت: قد رجعت إلى ربي عز وجل حتى استحييت منه) ) .
-
وفي حديث قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((قلت: سلمت، فنودي أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة
عشرا)) .
-
وفي رواية شريك، عن أنس المتقدمة: أن موسى قال لمحمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد أن صارت خمسا: ((قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه) ) .
-
وهو يدل على أن الصلوات الخمس لم تفرض على بني إسرائيل، وقد قيل: أن من قبلنا كانت عليهم صلاتان كل يوم وليلة.
-
وقد روي عن ابن مسعود، أن الصلوات الخمس مما خص الله به هذه الأمة.
-
ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود، قال: لما أسري برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض
منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها
ج ٢ ص ٣٢٢فيقبض منها، إذ يغشى السدرة ما يغشى، قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات.
-
وخرجه الترمذي بمعناه، وعنده: ((فأعطاه ثلاثا لم يعطهن نبيا كان قبله) ) .
-
وقد يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن
عباس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((أمني جبريل عند البيت مرتين) ) ، فذكر أنه صلى به الصلوات الخمس أول يوم في أول وقت، وفي اليوم الثاني في أخر وقت إلا المغرب، قال: ((ثم التفت إلي جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين) ) .
-
وإن صح هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تصلي هذه الصلوات دون أممهم.
- ج ٢ ص ٣٢٣
ويدل عليه: ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((اعتموا بهذه الصلاة - يعني: صلاة العشاء -، فإنكم قد فضلتم بها على سائر
الأمم، ولم تصلها امة قبلكم)) .
-
وقول ابن مسعود: ((أن سدرة المنتهى في السماء السادسة) ) يعارضه حديث أنس المرفوع من طرقه كلها؛ فإنه يدل على أنها في السماء السابعة أو فوق السماء السابعة، والمرفوع أولى من الموقوف.
-
وفي حديث الزهري، عن أنس، في سدرة المنتهى: ((غشيها ألوان، لا ادري ما هِيَ) ) .
-
وفي حديث قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى) ) .
-
في حديث ثابت، عن أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما احد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها) ) .
-
خرجه مسلم.
-
وروى مسدد: ثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
((انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل الجرار، وإذا ورقها مثل آذان
ج ٢ ص ٣٢٤الفيلة، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتة أو نحو ذلك)) .
-
وخرجه الإمام أحمد، وعنده: ((تحولت ياقوتا وزمردا) ) .
-
وخرج الترمذي من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر سدرة المنتهى، قال: ((يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة، أو يستظل بظلها مائة راكب، فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال) ) .
-
وخرجه الجوزجاني وغيره بزيادة في آخرة، وهي: ((فقلنا يا رسول الله، فماذا رأيت عندها؟ قَالَ: ((فماء مفضض) ) .
-
وفي حَدِيْث أبي جَعْفَر الرَّازِي، عَن الربيع بْن أنس، عَن أبي العالية أو غيره، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر حَدِيْث الإسراء بطوله، وفيه: ((ثُمَّ انتهى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى السدرة، فَقِيلَ لَهُ: هذه السدرة ينتهي إليها كل احد خلا من أمتك عَلَى سنتك، فإذا هِيَ شجرة يخرج من أصلها انهار من ماء غير آسن وانهار من لبن لَمْ يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين، وانهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب فِي ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة مِنْهَا مغطية للأمة كلها. قَالَ: فغشيها نور الخلاق - عز وجل -، وغشيها الملائكة أمثال الغربان حِينَ تقع عَلَى الشجر من
ج ٢ ص ٣٢٥حب الله - عز وجل -)) - وذكر بقية الحديث.
-
خرجه البزار في ((مسنده) ) وابن جرير في ((تفسيره) ) والبيهقي في ((البعث والنشور) ) وغيرهم، وفي إسناده بعض اختلاف، وروي موقوفا غير مرفوع.
-
وفي هذا تفسير لما تقدم من أنه غشيها فراش من ذهب، فإن الفراش مثل الجراد ونحوه، مما يطير ويقع على الشجر.
-
وقوله: ((ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ) ) ، اختلفت النسخ في هذه اللفظة:
ففي بعضها: ((جنابذ) ) ، والمراد بها: القباب، وكأنها شبهت - والله أعلم - بجنابذ الورد قبل تفتحها.
-
وقد ثبت في حديث أبي موسى، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((أن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلا) ) .
-
وفي بعض النسخ: ((حبائل) ) بالحاء المهملة واللام، وفي بعضها: ((جبايل) ) بالجيم واللام.
-
وقد قال الأكثرون: أن ذلك كله تصحيف وغلط.
- ج ٢ ص ٣٢٦
وزعم بعضهم: أن حبائل - بالحاء المهملة واللام - جمع حبال، وان حبالا جمع حبل، والحبل: ما استطال من الرمل المرتفع كهيئة الجبال، فيكون المراد بذلك: أن في الجنة تلالا من لؤلؤ.
-
والصحيح: ((جنابذ) ) . والله أعلم.
-
وقوله: ((وإذا ترابها المسك) ) ، والمراد - والله أعلم -: أن رائحة ترابها رائحة المسك، وأما لونه فمشرق مبهج كالزعفران، يدل عليه: ما في حديث أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((الجنة ملاطها المسك، وتربتها الزعفران) ) .
-
خرجه الإمام أحمد والترمذي، وابن حبان في صحيحه.
-
والملاط: التراب الذي يختلط بالماء، فيصير كالطين، فلونه لون الزعفران في بهجته وإشراقه.
-
وريحه كريح المسك، وطعمه كطعم الخبز، يؤكل.
-
يدل على ذلك: ما في ((صحيح مسلم) ) عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لابن صائد: ((ما تربة الجنة؟) ) قال: در مكة بيضاء مسك يا أبا القاسم، قال: ((صدقت) ) .
-
وفي ((المسند) ) عن جابر، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لليهود: ((إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي در مكة بيضاء) ) ، فسألهم، فقالوا: هي خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((الخبز من الدرمك) ) .
- ج ٢ ص ٣٢٧
وهذا يدل على أن لونها بيضاء، وقد يكون منها ما هو ابيض ومنها ماهو اصفر كالزعفران. والله أعلم.
- الحديث الثاني:
- ج ٢ ص ٣٢٧
٣٥٠ - حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة ابن الزبير، عن عائشة، قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
-
تريد عائشة - رضي الله عنها -: أن الله تعالى لما فرض على رسوله الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم نزل إلى الأرض وصلى به جبريل - عليه السلام - عند البيت، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ثم أقرت صلاة السفر على تلك الحال، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين، ومرادها: الصلاة الرباعية خاصة.
-
ويدل عليه: ما خرجه البخاري في ((الهجرة) ) من حديث معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأول.