٣٠ - باب قول الله - عز وجل -: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}

٩٧ فقرة، ج ٣ ص ٧٢

الصفحة ٢ من ٣

  1. وكذلك خرجه البخاري في ((الحج) ) من حديث عكرمة، عن ابن عباس، إلا أن رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج فيها ذكر ((أسامة) ) ؛ فإسقاطه منها وهم.

    ج ٣ ص ٧٧
  2. وقد تعارض ما نقله ابن عمر، عن بلال، وما نقله ابن عباس، عن أسامة في صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الكعبة.

  3. وقد روي عن ابن عمر، عن أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى في الكعبة - أيضا -، بخلاف رواية ابن عباس، عن أسامة، وهو في رواية لمسلم في ((صحيحه) ) على اختلاف وقع في لفظه خارج ((الصحيح) ) ؛ فإن من رواة الحديث من أسند الصلاة فيها إلى بلال دون صاحبيه اللذين كانا معه في الكعبة.

  4. وقد روي ذلك عن أسامة من وجهين آخرين.

  5. خرجهما الإمام أحمد في ((المسند) ) .

  6. وقد اختلف الناس في الجمع بين إثبات صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الكعبة ونفيها:

    فمنهم: من حمل الصلاة على الصلاة اللغوية، وهي الدعاء، وجمعوا بذلك بين حديثي أسامة وبلال، لا سيما وقد روي عن أسامة إثبات الصلاة ونفيها.

  7. والأكثرون حملوا الصلاة على الصلاة الشرعية، وهو الأظهر.

    ج ٣ ص ٧٨
  8. ثم اختلفوا:

    فمنهم: من رجح حديث الإثبات على حديث النفي، وقال: مع تعارض النفي والإثبات يقدم الإثبات؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء.

  9. وذكر الأزرقي في ((كتابه) ) ، عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال بلغني أن الفضل بن عباس دخل مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم أرسله النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حاجة، فجاء وقد صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم يره فلذلك كان ينكر أنه صلى.

  10. وحديث الفضل في إنكاره الصلاة، قد خرجه الإمام أحمد من رواية أخيه

    عبد الله، عنه.

  11. ومنهم: من قال: المثبت للصلاة أراد به صلاته في عام الفتح، والنافي لها أراد صلاته في حجة الوداع، وهذا قول ابن حبان.

  12. وهو ضعيف جدا؛ لوجهين:
  13. أحدهما: أن ابن عباس لم ينفي صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الكعبة في وقت دون وقت، بل كان ينكر ذلك جملة، وكان يكره الصلاة في الكعبة، ويقول: لا يستدبر من البيت شيء.

  14. والثاني: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يدخل الكعبة في حجة الوداع بالكلية حتى يقال أنه دخل ولم يصل، وابن عباس قال: أنه دخل ودعا ولم يصل.

  15. وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الكعبة:

    فكان ابن عباس يكره الصلاة فيها بكل حال: الفرض والنفل وهو قول طاوس، وأصبغ من المالكية، وابن جرير الطبري.

    وقالت طائفة: تجوز فيها صلاة الفرض والنفل، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي.

    وقالت طائفة: يصلي فيها النفل دون الفرض، وهو قول عطاء، ومالك، وأحمد في ظاهر مذهبه.

    ج ٣ ص ٧٩
  16. لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى فيها نفلا والنوافل يخفف فيها في استقبال القبلة دون

    الفرائض، بدليل صحة النفل على الراحلة في السفر إلى غير القبلة، واما الفرض فلا يجوز إلى القبلة مع القدرة، فيشترط له استقبال جميع البيت، وأن لا يكون مستدبرا لشيء

    منه.

    وقال أحمد: إذا صلى فيها لا يصلي إلى أي جهة شاء، بل يستقبل الجهة التي استقبلها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي تجاه الباب إذا دخل، ويجعل الباب وراء ظهره.

  17. ولم يرخص في الصلاة فيها إلا على هذا الوجه، وحمل أصحابنا ذلك على الاستحباب، وفيه نظر.

  18. وقوله: ((ركع ركعتين في قبل القبلة) ) ، قبل - بضم الباء، ويجوز

    إسكانها -، والمراد به: وجه الكعبة، كما في حديث ابن عمر المتقدم. وقد تقدم أن المراد به: عند باب البيت.

  19. وقد روي أنه المقام الذي أم فيه جبريل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    ج ٣ ص ٨٠عند فرض الصلاة.

  20. خرجه الأزرقي من حديث مسلم بن خالد، عن عبد الرحمان بن الحارث، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين) ) .

  21. وكذا خرجه ابن وهب في ((مسنده) ) عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمان بن الحارث، به.

  22. وقد خرجه أبو داود والترمذي، وعندهما: ((أمني جبريل عند البيت مرتين) ) .

  23. وروى ابن جرير من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب.

  24. وروى الأزرقي بإسناده عن ابن أبي نجيح، قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: البيت كله قبلة، وقبلته وجهه، فإن أخطأك وجهه فقبلة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقبلته ما بين الميزاب إلى الركن الشامي الذي يلي المقام.

  25. وكأنه يريد أن هذه الجهة هي التي كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي إليها وهو بالمدينة، فإنها قبلة أهل المدينة.

  26. وروى - أيضا - بإسناده عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن السائب، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى يوم الفتح في

    ج ٣ ص ٨١وجهة الكعبة، حذو الطرقة البيضاء، ثم رفع يديه، فقال: ((هذه القبلة) ) .

  27. وخرج الإمام أحمد من طريق ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أن ابن عباس كان يخبر، أن الفضل بن عباس أخبره، أنه دخل مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البيت، وأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصل في البيت حين دخل، ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت.

  28. وخرج النسائي من حديث عطاء، عن أسامة، أنه دخل هو والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البيت، ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجهة الكعبة، فقال: ((هذه القبلة، هذه القبلة) ) .

  29. وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((هذه القبلة) ) ، قال ابن جرير: مراده: أن الكعبة هي القبلة، وأن قبلة الكعبة الباب.

  30. وقد صرح جماعة من العلماء، منهم: سفيان الثوري بأن الصلاة إلى جهة الباب عند البيت أفضل من الصلاة إلى جهة أخرى، وأن وقوف الإمام عند الباب أفضل.

    وقال الخطابي: يحتمل أنه أراد أنه قد استقر أمر هذه القبلة فلا ينسخ كما نسخ بيت المقدس، ويحتمل أن يكون علمهم السنة في مقام الإمام واستقبال البيت من جهة الكعبة، وأن كانت الصلاة من جهاتها

    ج ٣ ص ٨٢جائزة، ويحتمل أن يكون دل به على أن حكم من شاهد البيت وعاينه في استقباله حسا خلاف حكم من غاب عنه، فيصلي إليه توخيا واستدلالا.

  31. وزعم غيره: أن مراده: أن القبلة هي الكعبة نفسها، لا المسجد ولا الحرم، وهذا قاله بعض من يرى أن الواجب على البعيد الاستدلال على العين.

  32. وقول الخطابي أصح من هذا. والله أعلم.

  33. وقد اختلف الناس في مقام إبراهيم الذي صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وراءه ركعتين في حجه وعمرته: هل كان عند باب البيت؟ أم كان في مكانه الآن؟ على قولين:

    أحدهما: أنه كان في مكانه الآن، وهذا قول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وسفيان بن عيينة، ولم يذكر الأزرقي غير هذا القول.

  34. وروى شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: كان المقام إلى لزق البيت، فقال عمر لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لو نحيته من البيت ليصلي الناس إليه، ففعل ذلك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فانزل الله - عز وجل -: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} [البقرة:١٢٥] .

  35. وذكر موسى بن عقبة: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخره في يوم الفتح إلى مكانه الآن، وكان ملصقا بالبيت.

    ج ٣ ص ٨٣
  36. فعلى هذا: يكون النبي قد صلى وراءه في موضعه الآن في حجته، وأما في عمرة القضية فصلى وراءه عند البيت.

  37. والقول الثاني: أنه كان في عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ملصقا بالبيت، وإنما أخره عمر إلى مكانه الآن، هذا قول عروة بن الزبير، رواه هشام بن عروة، عن أبيه.

  38. وروي عنه، عن أبيه، عن عائشة.

  39. وروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج،: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من وضع المقام في موضعه الآن، وإنما كان في قبل

    الكعبة.

  40. وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كان المقام إلى جنب البيت، كانوا يخافون عليه، من السيول، وكان الناس يصلون خلفه، فقال عمر للمطلب: هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال: نعم، فوضعه موضعه الآن.