٤٨- باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها

١١١ فقرة، ج ٣ ص ١٩٣

الصفحة ١ من ٣

  1. هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد

    لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) )

    ج ٣ ص ١٩٣
  2. وما يكره من الصلاة في القبور

    ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر، ولم يأمره بالإعاده.

  3. مقصود البخاري بهذا الباب: كراهة الصلاة بين القبور واليها، واستدل لذلك بان اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك.

  4. وقد خرج البخاري هذا الحديث فيما تقدم، وسيأتي قريبا - أن شاء الله تعالى.

  5. وقد دل القران على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً}

  6. [الكهف: ١٢] ، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة واتباع الهوى، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى.

  7. وإذا كرهت الصلاة إلى القبور وبينها، فإن كانت القبور محترمة اجتنبت الصلاة فيها، وأن كانت غير محترمة كقبور مشركي الجاهلية ونحوهم ممن لا عهد له ولا ذمة مع المسلمين فإنه يجوز نبشها ونقل ما يوجد فيها من عظامهم، والصلاة في موضعها؛ فإنها لم تبق مقبرة ولا بقي فيها قبور، وقد نص الإمام أحمد على ذلك في رواية المروذي.

    ج ٣ ص ١٩٤
  8. وأما ما ذكره عن عمر - رضي الله عنه -، فمن رواية سفيان، عن حميد، عن أنس، قال: رأني عمر وأنا اصلي إلى قبر، فجعل يشير إلي: القبر القبر.

  9. ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد، عن أنس، حدثه أنه قام يصلي إلى قبر لا يشعر به، فناداه عمر: القبر القبر. قال: فظننت أنه يقول: القمر، فرفعت راسي، فقال رجل: أنه يقول: القبر، فتنحيت.

  10. وروي عن أنس، عن عمر من وجوه أخر.

  11. وروى همام: ثنا قتادة، أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون مسجدا، فقال أنس: كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور.

    وقال أشعث: عن ابن سيرين: كانوا يكرهون الصلاة بين ظهراني القبور.

  12. خرج ذلك كله أبو بكر الأثرم.

    وقال: سمعت أبا عبد الله - يعني:

    ج ٣ ص ١٩٥أحمد - يسال عن الصلاة في المقبرة؟ فكره الصلاة في المقبرة. فقيل له: المسجد يكون بين القبور، أيصلي فيه؟ فكره ذَلِكَ. قيل لَهُ: أنه مسجد وبينه وبين القبور حاجز؟ فكره أن يصلي فيه الفرض، ورخص أن يصلي فيه على الجنائز. وذكر حديث أبي مرثد الغنوي، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((لا تصلوا إلى القبور) ) ، وقال: إسناد جيد.

  13. وحديث أبي مرثد هذا: خرجه مسلم، ولفظه: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها) ) .

  14. وروي عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه عن أبي سعيد، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال:

    ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، إلا المقبرة والحمام) ) .

  15. خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم

    وصححه.

  16. وقد اختلف في إرساله ووصله بذكر ((أبي سعيد) ) فيه، ورجع كثير من الحفاظ إرساله: عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، ومنهم: الترمذي والدارقطني.

    ج ٣ ص ١٩٦
  17. وفي هذا الباب أحاديث أخر، قد استوفيناها في ((في كتاب شرح الترمذي) ) .

  18. وأما ما ذكره البخاري: أن عمر لم يأمر أنسا بالإعادة.

  19. فقد اختلف في الصلاة في المقبرة: هل تجب إعادتها، أم لا؟

  20. وأكثر العلماء على أنه لا تجب الإعادة بذلك، وهو قول مالك، والشافعي، واحمد في رواية عنه.

  21. والمشهور عن أحمد الذي عليه عامة أصحابه: أن عليه الإعادة؛

  22. لارتكاب النهي في الصلاة فيها.

    ج ٣ ص ١٩٧
  23. وهو قول أهل الظاهر - أو بعضهم -، وجعلوا النهي هاهنا لمعنى يختص بالصلاة من جهة مكانها، فهو كالنهي عن الصلاة المختص بها لزمانها كالصلاة في أوقات النهي، وكالصيام المنهي عنه لأجل زمنه المختص به كصيام العيدين.

  24. حتى أن من أصحابنا من قال: متى قلنا: النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان ونحوها للتحريم، فلا ينبغي أن يكون في بطلان الصلاة فيها خلاف عن أحمد، وإنما الخلاف عنه في عدم البطلان مبني على القول بأنه مكروه كراهة تنزيه.

  25. وأكثر العلماء على أن الكراهة في ذلك كراهة تنزيه، ومنهم من رخص فيه.

    قال ابن المنذر: اختلفوا في الصلاة في المقبرة، فروينا عن علي وابن عباس

    وعبد الله بن عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها. واختلف عن مالك فيه، فحكى ابن القاسم عنه أنه قال: لا باس به، وحكى أبو مصعب عنه أنه قال: لا أحب ذلك.

    قال ابن المنذر: ونحن نكره من ذلك ما كرهه أهل العلم استدلالا بالثابت عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا) ) ، ففي هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة.

    قلت: قد استدل البخاري بذلك - أيضا - وعقد له بابا مفردا، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.

    قال ابن المنذر: وقد قال نافع مولى ابن عمر: صليتا على عائشة

    ج ٣ ص ١٩٨وأم سلمه وسط البقيع، والإمام يومئذ أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر.

    قلت: صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره، وقد سبق قول أحمد في ذلك. وقال أيضاً -: لا يصلي في مسجد بين المقابر إلا الجنائز؛ لأن الجنائز هذه سنتها.

  26. يشير إلى فعل الصحابة - رضي الله عنهم -.

    قال ابن المنذر: وروينا أن واثلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة، غير أنه لا يستتر بقبر.

    قلت: لأنه هو روى عن أبي مرثد حديث النهي عن الصلاة إلى القبور، فكان يخص النهي بحاله استقبال القبر خاصة.

    قال ابن المنذر: وصلى الحسن البصري قي المقابر.

    قلت: لعله صلى على جنازة، فإنه روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر.

    قال: وكره عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة إلى المقابر. انتهى ما ذكره.

  27. واختلف القائلون بالكراهة في علة النهي:
  28. فقال الشافعي: علة ذلك النجاسة، فإن تراب المقابر يختلط بصديد الموتى ولحومهم، فإن كانت طاهرة صحت الصلاة فيها مع الكراهة.

  29. وقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثة أقسام: ما تكرر نبشها، فلا تصح

    ج ٣ ص ١٩٩الصلاة فيها، لاختلاط ترابها بالصديد. وجديدة لم تنبش، فيصح الصلاة فيها مع الكراهة؛ لأنها مدفن للنجاسة.

  30. وما شك في نبشها، ففي صحة الصلاة فيها قولان.

  31. وأختلف أصحابنا في علة النهي [عن الصلاة] ، فمنهم من قال: هو مظنة النجاسة، ومنهم من قال: هو تعبد لا يعقل.

  32. وقالو مع هذا: لا فرق بين أن تكون قديمة أو حديثة، نبشت أو لم تنبش، إذا تناولها اسم مقبرة.

    قالوا: فإن كان في بقعة قبر أو قبران فلا بأس بالصلاة فيها وما لم يصل إلى القبر.

  33. وأنكر آخرون التعليل بالنجاسة، بناء على طهارة تراب المقابر بالاستحالة، وعللوا: بان الصلاة في المقبرة والى القبور، إنما نهى عنه سدا لذريعة الشرك، فإن اصل الشرك وعبادة الأوثان كانت من تعظيم القبور، وقد ذكر البخاري في ((صحيحه) ) في ((تفسير سورة نوح) ) عن ابن عباس معنى ذلك، وسنذكره فيما بعد - أن شاء الله.

  34. وفي ((صحيح مسلم) ) عن جندب، سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يموت بخمس يقول: ((أن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) ) .

  35. وهذا يعم كل القبور.

  36. وخرج الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه) ) من حديث ابن مسعود، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أن من شرار الناس من

    ج ٣ ص ٢٠٠تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد)) .

  37. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي صالح، عن ابن عباس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) ) .

    وقال الترمذي: حسن - وفي بعض النسخ: صحيح.

  38. وخرج ابن حبان فِي ((صحيحه) ) والحاكم وصححه.

  39. واختلف في أبي صالح هذا، من هو؟

  40. فقيل: إنه السمان -: قاله الطبراني، وفيه بعد. وقيل: إنه ميزان البصري، وهو ثقة؛ قاله ابن حبان. وقيل: إنه باذان مولى أم هاني -: قاله الإمام أحمد والجمهور.