٤٨- باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها

١١١ فقرة، ج ٣ ص ١٩٣

الصفحة ٢ من ٣

  1. وقد اختلف في أمره:

    فوثقه العجلي. وقاله ابن معين: ليس

    ج ٣ ص ٢٠١به باس. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتاج به. وقال النسائي: ليس بثقة. وضعفه الإمام أحمد وقال: لم يصح عندي حديثه هذا.

    وقال مسلم في ((كتاب التفصيل) ) : هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس.

    ج ٣ ص ٢٠٠
  2. وروي عن زيد بن ثابت، أنه نهى أن يبنى عند قبر أبيه مسجد.

  3. خرجه حرب الكرماني.

    وقال أبو بكر الأثرم في كتاب ((الناسخ والمنسوخ) ) : إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.

  4. ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري: وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه. إنما كره الصلاة إلى القبور من اجل الميت، فإن صلى إليها فلا باس.

  5. وفيه - أيضا -: قال سفيان: ويكره أن يصلي الرجل إلى القبور أو ما بين

    القبور. ثم قال: ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه.

  6. وفيه: قال: ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة.

  7. وهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد؛ لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة.

  8. واستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة: بان الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة، فعلم أن الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها.

    ج ٣ ص ٢٠٢
  9. خرج البخاري في هذا الباب حديثين:

    الحديث الأول:

    قال:

    ج ٣ ص ٢٠٢٤٢٧ - ثنا محمد بن المثنى: ثنا يحيى، عن هشام: اخبرني أبي، عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) ) .

  10. هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم كما دلت

    ج ٣ ص ٢٠٣عليه النصوص أخر يأتي ذكر بعضها.

  11. وقد خرج البخاري في ((تفسير سورة نوح) ) من ((كتابه) ) هذا من حديث ابن جريج، فقال: عطاء، عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد، أما ود كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبإ وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع -: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.

  12. وقد ذكر الإسماعيلي: أن عطاء هذا هو الخرساني، والخرساني لم يسمع من ابن عباس. والله أعلم.

  13. فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شك في تحريمه، سواء كانت صورا مجسدة كالأصنام أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة.

  14. فتصوير الصور على مثل

    ج ٣ ص ٢٠٤صور الأنبياء والصالحين؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة.

  15. وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من اشد الناس عذابا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى.

  16. الحديث الثاني:
  17. ٤٢٨ - حدثنا مسدد: ثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: قدم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة، فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، فكأني أنظر إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ بني النجار، فقال: ((يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا) ) . قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله - عز وجل -. قال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، ثم بنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه

    ج ٣ ص ٢٠٥بالحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم وهو يقول:

    اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجره

    أعلى المدينة: هو العوالي والعالية، وهو قباء وما حوله، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف.

    ج ٣ ص ٢٠٤
  18. وقيل: إن كل ما كان من جهة نجد من المدينة، من قراها وعمائرها إلى تهامة يسمى العالية، وما كان دون ذلك يسمى السافلة.

  19. وبنو النجار كانوا أخوال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد ذكرنا سبب ذلك في ((كتاب: الإيمان) ) في ((باب: الصلاة من الإيمان) ) .

  20. وكان مقصود النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة، وان يتخذ بها مسكنا يسكنه.

  21. وفي إردافه لأبي بكر في ذلك اليوم دليل على شرف أبي بكر واختصاصه به دون سائر أصحابه.

  22. وقوله: ((وملأ بني النجار حوله) ) - يريد: رجالهم وشجعانهم وأشرافهم.

  23. وقوله: ((حتى ألقى بفناء أبي أيوب) ) - أي: بفناء داره، و ((ألقى) ) بالقاف، ومعناه: أنه نزل به، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رحله وما معه.

  24. وقد ذكر شرحبيل بن سعد وأهل السير: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان كلما مر بدار من دور الأنصار كبني سالم وبني حارث بن الخزرج وبني عدي أخذوا بخطام راحلته، وعرضوا عليه النزول بحيهم، وهو يقول: ((خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة) ) ، حتى بركت بفناء دار أبي أيوب، عند مسجده الذي بناه.

    ج ٣ ص ٢٠٦
  25. وقول أنس: ((وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم) ) ، موافق لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) ) . ولقوله لما سئل: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: ((المسجد الحرام) ) . قيل له: ثم أي؟ قال: ((ثم مسجد بيت المقدس) ) . قيل: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة) ) . ثم قال: ((الأرض لك مسجد، فأينما أدركتك الصلاة فصل؛ فإنه لك مسجد) ) .

  26. وقوله: فأرسل إلى بني النجار، فقال: ((ثامنوني بحائطكم) ) - يعني: بيعوني إياه بثمنه.

    قال الخطابي: وفيه أن صاحب السلعة أحق بالسوم.

  27. فإنه طلب منهم أن يذكروا له الثمن، ولم يقطع ثمنا من عنده.

  28. والحائط: ما فيه

    ج ٣ ص ٢٠٧شجر وعليه بنيان.

  29. وقوله: ((قالوا: والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) ) يدل على أنهم لم يأخذوا له ثمنا، وقد ذكر الزهري وغيره خلاف ذلك.

    قال ابن سعد: أبنا الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري، قال: بركت ناقة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند موضع مسجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل: غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالغلامين، فساومهما بالمربد؛ ليتخذه مسجدا. فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى ابتاعه منهما.

    قال الواقدي: وقال غير معمر، عن الزهري: فابتاعه بعشرة دنانير. وقال معمر، عن الزهري: وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك.

  30. وهذا إن صح يدل على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم.

  31. وحديث أنس اصح من رواية يرويها الواقدي عن معمر وغيره، عن الزهري مرسلة، فإن مراسيل الزهري لو صحت عنه من اضعف المراسيل، فكيف إذا تفرد بها الواقدي؟

  32. وقد روي عن الحسن، أنهما وهباه للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقبله:

    قال المفضل الجندي في ((فضائل المدينة) ) له: ثنا محمد بن يحيى: ثنا سفيان، عن أبي موسى، عن الحسن، قال: كان مسجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مربدا لغلامين من الأنصار، يقال لهما: سهل وسهيل، فلما رآه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعجبه، فكلم فيه عمهما - وكانا في حجره - أن يبتاعه منهما، فأخبرهما عمهما أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراده، فقالا: نحن نعطيه إياه. فأعطياه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فبناه.

    قال الحسن: فأدركت فيه أصول النخل غلابا - يعني: غلاظا -، وكان

    رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يوم الجمعة إلى جذع منها، ويسند إليه ظهره، ويصلي إليه.

    ج ٣ ص ٢٠٨
  33. ثم قال الواقدي - في روايته عن معمر، عن الزهري -: كان - يعني: ذلك المربد - جدارا مجدرا، ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، كان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلي بأصحابه فيه، ويجمع فيه بهم الجمعة قبل مقدم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالنخل الذي في الحديقة، وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان في المربد قبور جاهلية، فأمر بها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنبشت، وأمر بالعظام أن تغيب، وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مربع - ويقال: كان اقل من المائة -، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاث أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللبن، وبناه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، وجعل ينقل

  34. معهم الحجارة بنفسه، وهو يقول:
  35. اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجره

  36. وجعل يقول:
  37. هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر - ربنا -، وأطهر

    وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا في مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، وهو باب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجعل طول الجدار بسطة وعمدة الجذوع، وسقفه جريدا، فقيل له: ألا نسقفه؟ فقال: ((عريش كعريش موسى، خشيبات وثمام، الشأن أعجل من ذلك) ) .

  38. وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان. انتهى.

  39. وذكر ابن سعد أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام في منزل أبي أيوب سبعة أشهر.

  40. وهذا يدل على أن بعض حجره تم بناؤه بعد ذلك، وانتقل إليها.