٤٨- باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها

١١١ فقرة، ج ٣ ص ١٩٣

الصفحة ٣ من ٣

  1. وروى ابن سعد - أيضا - عن الواقدي: ثنا عبد الرحمن بن

    ج ٣ ص ٢١٠أبي الرجال، قال: مات أسعد بن زرارة في شوال، على رأس تسعة أشهر من الهجرة، ومسجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يؤمئذ يبنى.

    ج ٣ ص ٢٠٩
  2. وهذا يدل على أن بناء المسجد لم يتم إلا بعد تسعة أشهر من الهجرة.

  3. وأما قول أنس: ((فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل) ) .

  4. لفظه: ((خرب) ) رويت بالخاء المعجمة والباء الموحدة. ورويت: ((حرث) ) بالحاء والثاء المثلثة.

    قال الإسماعيلي: من قال: ((حرث) ) . فهو محتمل؛ لأن ما حرث ولم يزرع أو زرع فرفع زرعه، كانت الأخاديد والشقوق باقية في الأرض.

  5. يشير إلى أن ذلك يناسب قوله: ((فأمر بالحرث فسويت) ) .

    قال: ومن قال: ((خرب) ) فهو صحيح؛ فهو جمع خربة أو خربة – بضم الخاء – وهو العيب، كالجحر والشق ونحوه.

    قال: وأما ((الخرب) ) فهو كقولك: مكان خرب - يعني: أنه يكون وصفا لمذكر.

    قال: والحديث خارج على تأنيث هذا الحرف، فكأنه بالجمع أشبه.

    وقال الخطابي: روي ((خرب) ) - يعني: بكسر الخاء وبفتح الراء - قال الليث: هي لغة تميم خرب، والواحد خربة.

    قال: وسائر الناس يقولون: ((خرب) ) - يعني: بفتح الخاء وكسر الراء -، جمع خربة، كما قيل: كلم جمع كلمة. ولعل الصواب ((الخرب) ) مضمومة الخاء جمع خربة وهي الخروق التي في الأرض، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة.

    قال: ولعل الرواية: ((الجرف) ) جمع الجرفة، وهي جمع الجرف،

    ج ٣ ص ٢١١كما قيل: خرج وخرجه، وترس وترسه.

    قال: وأبين منها - إن ساعدت الرواية -: ((حدب) ) جمع حدبة، لقوله: ((فسويت) ) ، وإنما يسوى المكان المحدودب، أو ما فيه خروق، فأما الخرب فتبنى وتعمر. انتهى ما ذكره.

  6. وفيه تكلف شديد، وتلاعب بهذه اللفظة بحسب ما يدخلها من الاحتمالات المستبعدة. والرواية التي رواها الحفاظ: ((خرب) ) ، فإن كان مفردا، فإنما أنث

    تسويته؛ لأن التأنيث يعود إلى أماكنه، والظاهر أنها كانت متعددة، وإن كان

    ((خرب) ) ؛ - بالجمع - فتأنيثها واضح.

  7. ومعنى تسوية الخرب: أن البناء الخراب المستهدم يصير في موضعه أماكن مرتفعة عن الأرض فتحتاج إلى أن تحفر وتسوى بالأرض، وهذا أمر واضح ظاهر، لا يحتاج إلى تكلف ولا تعسف.

  8. وأما ((النخل) ) فقد اخبر أنس أنه قطع، وصف قبلة للمسجد، وأما ((قبور المشركين) ) فنبشت، وذكر أنهم بدءوا بنبش القبور، ثم بتسوية الخرب، ثم بقطع النخل.

  9. والمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب: أن موضع المسجد كان فيه قبور للمشركين، فنبشت قبورهم، وأخرجت عظامهم منها، وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة، وجازت الصلاة فيها.

  10. ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة

    ج ٣ ص ٢١٢ولو كانت قبور المشركين؛ لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد، فإنه إذا تطاول العهد، ولم تعرف الحال، خشي من ذلك الفتنة.

  11. وقد يقال مع ذلك: إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدا في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب، وهي مما يكره الصلاة فيها، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى.

  12. وفي الحديث: دليل على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله؛ للحاجة إليه.

  13. ويدل عليه - أيضا -: أن الصحابة كانوا يخوضون الطين في الطرقات ولا يغسلون أرجلهم - كما تقدم عنهم - والنجاسات مشاهدة في الطرقات، فلو لم تطهر بالاستحالة لما سومح في ذلك.

  14. وهذا قول طائفة من العلماء من السلف، كأبي قلابة وغيره، ورجحه بعض أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، والمشهور عنه: أن الأرض النجسة إذا جفت فإنه يصلى عليها، ولا يتيمم بها. ومذهب مالك والشافعي واحمد وغيرهم: أنها نجسة بكل حال.

  15. وفي الحديث: دليل على أن قبور المشركين لا حرمة لها، وأنه يجوز نبش عظامهم، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك.

  16. واختلفوا في نبش قبورهم لطلب ما يدفن معهم من مال، فرخص فيه كثير من العلماء. حكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والشافعي. قال وكرهه مالك ولم يحرمه، وكان الناس يفعلون ذلك في أول

    ج ٣ ص ٢١٣الإسلام كثيرا.

  17. وقد روي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أمر بقبر أبي رغال، فأخبرهم أن معه غصنا من

    ذهب، فنبشوه واستخرجوه منه.

  18. ومن العلماء من كره ذلك، منهم الأوزاعي، وعلل بأنه يكره الدخول إلى مساكنهم؛ خشية نزول العذاب، فكيف بقبورهم؟

  19. وكره بعض السلف نبش القبور العادية المجهولة؛ خشية أن يصادف قبر نبي أو صالح، وخصوصا بأرض الشام كالأردن.

  20. ونص أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على ارض الحرب فلا تنبش قبورهم.

  21. وهذا محمول على ما إذا كان النبش عبثا لغير مصلحة، أو أن يخشى منه أن يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم.

  22. وفي الحديث: دليل على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلب شراء هذا المربد.

  23. وهذه المسألة على قسمين:

    أحدهما: أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه ونقله، كأهل الحرب، ومن دفن في مكان مغصوب، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها، وينقل المدفون فيها، كما أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنقل عظام المشركين من المربد.

  24. والثاني: أن يكون المقبور محترما لا يجوز نبشه، فلا يصح بيع موضع القبور خاصة.

    ج ٣ ص ٢١٤
  25. وهل يصح في الباقي؟ يخرج على الخلاف المشهور في تفريق الصفقة.

  26. ولو اشترى أرضا، فوجد في بعضها عظام موتى، ولم يعلم: هل هي مقبرة أم لا؟ فقال ابن عقيل من أصحابنا وبعض الشافعية في زمنه: لا يصح البيع في محل الدفن؛ لأن تلك البقعة إما أن تكون مسبلة، وإما أن تكون ملكا للميت قد وصى بدفنه فيها، فيكون أحق بها، ولا ينقل إلى الورثة.

  27. وهذا الذي قالوه هو الأغلب، وإلا فيحتمل أن يكون الدفن في أرض مغصوبة أو مغارة للدفن، إلا أن هذا قليل أو نادر، فلا يعول عليه. والله أعلم.

  28. والمنصوص عن أحمد: أنه إذا دفن في بيت من داره فلا بأس ببيعه، ما لم يجعل مقبرة مسبلة.

  29. وفي الحديث: دليل على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه، وقد نص على جوازه أحمد: إذا كان في داره نخلة ضيقت عليه، فلا بأس أن يقطعها.

  30. وكره جماعة قطع الشجر الذي يثمر، منهم: الحسن والأوزاعي وإسحاق، وكره أحمد قطع السدر خاصة لحديث مرسل ورد فيه، وقال: قل إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا.

  31. ورخص في قطعه آخرون. والله أعلم.