٩٠- باب سترة الإمام سترة لمن خلفه

١٢٩ فقرة، ج ٤ ص ٥

الصفحة ٢ من ٤

  1. وأبو الصهباء، اسمه: صهيب المدني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة وغيره. ويقال أنه البكري، وهو مدني، لكن سئل عن صهيب هذا، فقال: شيخ من أهل البصرة. وهذا يدل على أنه غير المدني.

    ج ٤ ص ١٠
  2. وصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين: إدخال صهيب في إسناده، وإسقاطه.

  3. وفي ((مسند الإمام أحمد) ) : أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس.

  4. والظاهر: أن ذلك من قول شعبة.

  5. وكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد.

  6. وذكر الإمام أحمد هذا الحديث، واستدل به على أن الصلاة إلى غير سترة صحيحة، وقال: ليس هو بذاك.

  7. يعني: من جهة إسناده، ولعله رأى أن صهيبا هذا غير معروف، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس؛ فإن ذاك مدني.

  8. وأما الثاني: فمن طريق ابن جُرَيْج: حَدَّثَنِي عَبْد الكريم الجزري، أن

    ج ٤ ص ١١مجاهدا

    أخبره، عن ابن عباس، قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرفة وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه.

  9. خرجه البزار.

  10. وخرج الإمام أحمد من طريق ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: جئت أنا والفضل على حمار، ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بالناس في فضاء من الأرض، فمررنا بين يديه ونحن عليه، حتى جاوزنا عامة الصف، فما نهانا ولا ردنا.

  11. وشعبة هذا، تكلم فيه.

  12. فعلى تقدير أن يكون ابن عباس مر بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي إلى غير سترة، فإنه يحمل على أنه مر بين يديه من بعد؛ فإنه لا يظن بالفضل وأخيه أن يمرا على حمار بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالقرب منه، وإذا كان مرورهما بين يديه متباعدا فإنه لا يضر، ومرورهما على هذه الحال وجوده كعدمه.

  13. وعلى تقدير أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعض الصف، ولم يمرا بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والروايات الصحيحة إنما تدل على ذلك فمع ما علم من عادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صلاته إلى العنزة في أسفاره.

  14. وقد روي ذلك من حديث

    ج ٤ ص ١٢ابن عباس - أيضا.

  15. خرجه الإمام أحمد: ثنا يزيد بن أبي حكيم: حدثني الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: قال ابن عباس قال: ركزت العنزة بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرفات، فصلى والحمار من وراء العنزة.

  16. والظاهر: أنه أشار إلى مروره على الحمار بين يديه، فيستدل بالحديث حينئذ على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما استدل به البخاري.

  17. وسواء كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها، وكان هو - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سترة لمن وراءه؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم.

  18. وهذا قول جمهور العلماء: إن سترة الإمام سترة لمن خلفه.

    قال ابن المنذر: روي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي واحمد. انتهى.

  19. وروي - أيضا - عن أبي قلابة وعن الشعبي.

  20. وروي عنه، عن مسروق.

  21. ولكن أنكره الإمام أحمد، وذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن فقهاء المدينة السبعة

    ج ٤ ص ١٣في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل ثقة وفضل، وهو قول الثوري.

  22. وقد روي فيه حديث مرفوع:

    خرجه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز، عن عاصم الأحول، عن أنس، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((سترة الإمام سترة لمن خلفه) ) .

  23. ولكن لا يصح؛ وسويد هذا ضعيف جدا.

  24. وقد أنكر الإمام أحمد عليه أنه روى عن حصين، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقال: إنما هو قول الشعبي. فكيف لو سمع أنه روى ذلك بإسناد له عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟

  25. ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك.

  26. ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه: أن المأمومين لا يشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة إمامهم، وأنه لا يضرهم من مر بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامهم.

  27. ويدل على ذلك - أيضا -: ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: هبطنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    ج ٤ ص ١٤ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة - يعني: إلى جدر - فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدر، ومرت من ورائه.

  28. خرجه الإمام أحمد وأبو داود.

  29. وهذا يدل على أن المرور بين الإمام وسترته محذور، بخلاف المرور بين يدي من خلفه، إذا كانت سترة الإمام محفوظة.

  30. وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان:

    أحدهما: أنه منهي عنه - أيضا - نص عليه في رواية الأثرم، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه، أيمشي إليه فيسده؟ قال: إن كان بحذائه فعل فأما أن يمشي معترضا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا.

  31. وهذا يدل على أن المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي.

  32. ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد.

  33. والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضا - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه.

    وقال سفيان: لا يعجبني ذلك.

  34. وذكر مالك في ((الموطإ) ) أنه بلغه، أن ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهن

    ج ٤ ص ١٥يصلين.

  35. وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخرة المسجد إذا صلين مع الإمام.

  36. والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، إذا كان مشيه لحاجة؛ كمشيه إلى فرجة في الصف، أو إذا لم يجد موضعا يصلي قيه.

  37. وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا؛ فإنهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلا على ذلك.

  38. وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضا - فإنه استدل بعدم الإنكار على الجواز.

  39. وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة، وهذا مذهب مالك وأصحابه.

  40. ذكر مالك في ((الموطإ) ) : ((باب: الرخصة في المرور بين يدي المصلي) ) ، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا، ثم قال: بلغني أن سعد بن وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة.

    قال مالك: وأنا أرى ذلك واسعا، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف.