٢٩- باب من أدرك من الصلاة ركعة
٨٢ فقرة، ج ٥ ص ١٤
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٥ ص ٢١
وخرج أبو داود من حديث سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار، سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: (إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتي المسجد وقد صلوا بعضاً وبقي بعض فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك) .
-
وخرج النسائي في هذا الباب من حديث عثمان: سمعت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: (من توضأ للصلاة فاسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد غفر له ذنبه) .
-
ولا خلاف عن الشافعي وأحمد أن الجمعة لا تدرك بدون إدراك ركعة تامة؛ لأن الجماعة شرط لها، وهذا مما يقوي بأن الجماعة لا تدرك بدون إدراك ركعة.
- والقول الثاني:
-
أن المراد بإدراك الركعة في الجماعة إدراك جميع أحكام الجماعة، من الفضل، وسجود السهو، وحكم الإتمام، وهذا مذهب مالك.
-
فعلى هذا؛ إذا أدرك المسافر المقيم في التشهد الآخر لم يلزمه الإتمام، وإن أدرك معه ركعة تامة فأكثر لزمه الإتمام، وإذا خرج من بلده مسافراً وقد بقي عليه من وقت الصلاة قدر ركعة قصر الصلاة، وإن كان أقل من قدر ركعة أتمها، وإذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة لزمه أن يسجد معه
ج ٥ ص ٢٢لسهوه، سواء أدركه في ذلك السهو أو لم يدركه، وإن لم يدرك معه ركعة لم يلزمه السجود له.
-
هذا كله مذهب مالك.
-
ووافقه الليث والأوزاعي في مسألة سجود السهو.
-
ووافقه أحمد – في رواية عنه – في المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أقل من ركعة فدخل معه أن له أن يقصر.
-
والمشهور عنه أنه يلزمه الإتمام كقول الشافعي وأبي حنيفة.
-
وكذا قال طائفة من أصحابنا في ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر، أنه إن أدرك معه دون ركعة جاز ائتمامه به؛ لأنه لم يدرك معه ما يعتد به من صلاة، وإن أدرك معه ركعة فصاعداً لم يجز إئتمامة به.
وقالت طائفة اخرى: قوله: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) يدخل في عمومه إدراك الوقت بالنسبة إلى أداء الصلاة، وإدراك الجماعة كما تقدم.
-
ويدخل فيه – أيضا - إدرك قدر ركعة من وقت الوجوب إذا زال عذر المعذور في آخر وقت الصلاة.
-
فلو طهرت من حيضها في آخر الوقت وقد بقي منه قدر ركعة لزمها القضاء، وإن لم يبق منه قدر ركعة فلا قضاء عليها.
-
وهذا قول مالك والليث، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، حكاها أبو الفتح الحلواني وغيره.
-
والمشهور عن الشافعي وأحمد: أنه يعتبر إدراك قدر تكبيرة الإحرام من الوقت إذا زال العذر.
-
وهو قول أبي حنيفة، وحكي عن الأوزاعي
ج ٥ ص ٢٣والثوري.
-
وكذا المشهور عند أصحاب أحمد من مذهب أحمد فيما إذا طرأ العذر بعد دخول الوقت في أوله.
وقالت طائفة من أصحابنا كابن بطة وابن أبي موسى: يعتبر في أول الوقت ذهاب وقت يمكن فيه أداء الصلاة كلها، وهو قول الشافعي وإسحاق.
-
والقولان للشافعي في اعتبار ركعة وقدر تكبيرة فيما إذا زال العذر في آخر الوقت كالحائض تطهر.
-
فإن طرأ العذر في أوله كالطاهر تحيض، فلأصحابنا طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف في زواله في آخر الوقت. والثاني – وهو الصحيح المشهور عندهم -: يعتبر ذهاب قدر الصلاة بكمالها.
-
فإن طرأ العذر قبل ذلك فلا قضاء، كما قاله ابن بطة وابن أبي موسى من أصحابنا.
-
وفرقوا بين أول الوقت وآخره، فإن أول الوقت إذا لم يمض قدر التمكن من الفعل كان الإلزام بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، وأمافي آخر الوقت فيمكن فعل ما أدركه في الوقت، ويكمله بعد الوقت، ويكون كله أداء على ما سبق تقريره.
-
وأمامن سوى بين الصورتين في الوجوب – وهو المشهور عند أصحابنا -، فقالوا: ليس ذلك تكليفاً لما لا يطاق، فإنا لا نكلف من طرأ عليه العذر بالفعل في الوقت الذي لا يتمكن فيه، بل يلزمه في ذمته ويجب عليه القضاء.
- ج ٥ ص ٢٤
وخرج ابن سريج قولاً آخر: انه لا يجب القضاء حتى يدرك جميع الوقت خالياً من العذر من نص الشافعي على المسافر إذا سافر في أثناء الوقت فله القصر.
-
وفرق أكثر أصحابه بينهما، بأن المسافر والمقيم كلاهما تجب عليه الصلاة، لكن المسافر له القصر إذا صلى في السفر، وإن لزمته الصلاة قبل ذلك في الحضر اعتباراً في صفة الصلاة بحال أدائها في وقتها، كما لو كان في أول الوقت قادراً على القيام أو الطهارة بالماء ثم عجز عن ذلك في آخره، فإنه يصلي قاعداً وبالتيمم.
-
ومذهب الحسن وابن سيرين وحماد، والأوزاعي، وأبي حنيفة في المشهور عنه، أنه لا قضاء، وإن وجد المانع في آخر الوقت.
-
ورواه ابن وهب، عن مالك -: نقله ابن عبد البر، ولم يذكر عنه خلافه.
-
وفي (تهذيب المدونة) : أن مذهب مالك: لا قضاء إلا أن يتضايق الوقت عن الفعل، ويبقى منه قدر ركعة، ثم يوجد بعد ذلك، لأن تركها قبل ذلك جائز.
-
وهو رواية زفر، عن أبي حنيفة.
-
وهذا الاختلاف عنهم فيما إذا تجدد المانع من الصلاة في أثناء الوقت مبني على أصلين:
ج ٥ ص ٢٥أحدهما: أن الصلاة: هل تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، أم لا؟
فقال الأكثرون: تجب بأوله، وهو المحكي عن مالك، والشافعي، وأحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة.
وقال أكثر أصحابه: تجب بآخره إذا بقي من الوقت قدر ما يتسع لتلك الصلاة، لأن ما قبله يجوز تركها فيه، فلا يوصف فيه بالوجوب.
-
ومنهم من قال: لا تجب حتى يبقى من الوقت قدر تكبيرة واحدة.
-
ومن الناس من يحكي هذه الأقوال الثلاثة ثلاث روايات عن أبي حنيفة.
-
ومن أصحابنا من قال: تجب في جزء منه غير معين، وهو ما يقع فيه فعل الصلاة، فتكون أجزاء الوقت كخصال الكفارة.
-
والثاني: هي يستقر الوجوب في الذمة بما يجب به الصلاة، وهو أول جزء من الوقت عند من يرى ذلك، أم لا يستقر الوجوب حتى يمضي من الوقت مقدار ما يفعل فيه، أم لا يستقر حتى يبقى من الوقت مقدار ما يتسع لفعل الصلاة، أم لا يستقر حتى يخرج آخر الوقت سالماً من الموانع؟ فهذه أربعة أقوال.
-
والأول: هو المشهور عند أصحابنا، وذكروا أنه المنصوص عن أحمد، وقد نص أحمد على أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت قليلاً فعليها القضاء، وهو – أيضا - قول بعض الشافعية، وحكي عن الثوري وطائفة من السلف.
-
والثاني: قول الشافعي وإسحاق وابن بطة وابن أبي
ج ٥ ص ٢٦موسى.
-
والثالث: قول مالك، ورواية زفر عن أبي حنيفة.
-
والرابع: قول أبي حنيفة ومن وافقه كالأوزاعي وابن سريج من الشافعية.
-
وأماإذا زال العذر في آخر الوقت، فالأكثرون على أنه لو زال قبل خروج الوقت ولو بقدر تكبيرة وجبت تلك الصلاة به، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي في أشهر قوليه، وأحمد في ظاهر مذهبه.
وقال طائفة: يعتبر أن يدرك من الوقت قدر ركعة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي في قوله الآخر، وحكي رواية عن أحمد؛ لمفهوم الحديث المخرج في هذا الباب.
-
وحكي عن بعضهم، انه اعتبرها هنا للوجوب إدراك قدر الصلاة بكمالها من الوقت.
-
وهذه طريقة ضعيفة في مذهب الشافعي وأحمد، وحكي عن زفر.