٣٣- باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها
٢٢٦ فقرة، ج ٥ ص ٦٧
الصفحة ٢ من ٦
- ج ٥ ص ٧٤
وهذا إسناد جيد
وخرجه الإمام أحمد عن غندر: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت عبد الله بن [أبي] موسى، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن الوصال في الصوم، وسألتها عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث رجلاً على الصدقة، فجاءته عند الظهر، فصلى الظهر، وشغل في قسمته حتى صلى العصر، ثم صلاها، وقالت: عليكم بقيام الليل؛ فإن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يدعه.
قال أحمد: يزيد بن خمير صالح الحديث. قال: وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ، أخطأ فيه شعبة، هو: عبد الله بن أبي قيس. انتهى.
- ج ٥ ص ٧٥
والأمر كما قاله.
-
وقد روي عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة من وجه آخر، وهو شامي حمصي، خرج له مسلم.
-
وإنما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر، لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينهى عنهما ويفعلهما، وحديث عائشة هذا يدل على أنه إنما فعلهما في هذه المرة؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما، وإنما عدلت إلى أمره بقيام الليل، مع أنه [لم] يسأل عنه، وأخبرت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يدعه، وهذا يشعر بأن الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك.
-
وخرج الإمام أحمد – أيضا – من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي ركعتين بعد الظهر، فشغل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي، فما تركهما حتى مات.
قال عبد الله بن أبي قيس: فسألت أبا هريره عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه.
-
فخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خيمر، وقولهما أولى.
-
وقد روي عن عائشة، أنها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك، وقد سبق حديث كريب عنها – وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني -،
ج ٥ ص ٧٦وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عائشة قالت: اخبرتني أم سلمة، وحديث أبي سلمة، عن عائشة وأم سلمة.
-
وخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: دخلت أنا وابن عباس على معاوية، فذكر الركعتين بعد العصر، فجاء ابن الزبير، فقال: حدثتني عائشة، عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فأرسل إلى عائشة، فقالت: ذاك ما أخبرته أم سلمة، فدخلنا على أم سلمة، فاخبرناها ما قالت عائشة، فقالت: يرحمها الله، أو لم أخبرها أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد نهى عنهما؟
-
وفي رواية بهذا الإسناد: أن عائشة قالت: لم أسمعه من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لكن حدثتني أم سلمة، فسألناها، فذكرت القصة، ثم قالت: ولقد حدثتها أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنهما.
-
ورواه حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى بنا معاوية العصر، فأرسل إلى ميمونة رجلاً، ثم أتبعه رجلاً آخر، فقالت: إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجهز بعثاً، ولم يكن عنده ظهر، فجاءه ظهر من ظهر الصدقة، فجعل يقسمه بينهم، فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين، أو ما شاء الله، فصلى العصر ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاة، أو فعل شيئاً يحب أن يداوم عليه.
-
خرجه الإمام
ج ٥ ص ٧٧أحمد.
-
وفي رواية له بهذا الإسناد: أن معاوية أرسل إلى عائشة، فأجابته بذلك.
-
وكلاهما وهم. والله أعلم.
-
ورواية يزيد بن أبي زياد له، عن عبد الله بن الحارث، عن [ام] سلمة أصح.
-
وحنظلة هذا، قال الإمام أحمد: منكر الحديث. وضعفه ابن معين والنسائي.
-
وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً.
-
ففي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر اربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالليث تسع ركعات فيهن الوتر، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.
-
فهذا يدل على أنه لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً في بيتها؛ لأنه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء.
- ج ٥ ص ٧٨
وقد خرجه الإمام أحمد، وزاد فيه: (وركعتين قبل العصر) . ولم يذكر بعدها شيئاً.
-
وروى سعد بن أوس: حدثني مصدع أبو يحيى، قال: حدثتني عائشة – وبيني وبينها ستر -، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصل صلاة إلا اتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما.
-
خرجه بقي بن مخلد.
-
فقد تبين بهذا كله أن حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب، وقد رده بذلك جماعة، منهم: الترمذي والأثرم وغيرهما.
-
ومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه.
-
وعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك:
- المسلك الأول:
-
أن حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها، إذا فات شيء منه فإنه يجوز قضاؤه بعد العصر.
-
وقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم.
-
ورجح أكثرهم: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يداوم على ذلك، كما في حديث أم سلمة، وقد تبين أن عائشة رجعت إليها في ذلك.
-
وعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ج ٥ ص ٧٩يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه، ويقضي ما فاته منها، كما روي عنه أنه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان – كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان – حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي فلما صلى يوماً ركعتين بعد العصر قضاءً لما فاته من النوافل كان ذلك سبباً مجوزاً لمداومته على مثل ذلك.
-
وفي هذا نظر؛ فإنه لما فاته صلاة الصبح بالنوم، وقضاها نهاراً لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق.
-
واختلف الشافعية فيمن قضى شيئاً من التطور في وقت النهي: هل له المداومة؟ على وجهين لهم، أصحهما: أنه لا يجوز المداومة.
-
ورجح الأكثرون: أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يداوم على هذه الصلاة.
-
كما روى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب، أن عائشة اخبرت آل الزبير، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى عندها ركعتين بعد العصر، فكانوا يصلونها.
قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عائشة، إنما كان كذلك لأن أناساً من الأعراب أتوا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهجير، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر، ولم يصل ركعتين، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر، فانصرف إلى بيته، فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئاً، فصلاهما بعد العصر، يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عائشة، نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة بعد
ج ٥ ص ٨٠العصر.
-
وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما صلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما.
-
خرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وابن حبان في (صحيحه) .
- والمسلك الثاني:
-
أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان مخصوصاً بإباحة الصلاة بعد العصر، أو في أوقات النهي مطلقاً، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحابنا كابن بطة، ومن الشافعية وغيرهم.
-
وروى إسحاق بن راهويه في (مسنده) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: رأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هذ؟ قال: أخبرتني عائشة عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيتي، قال: فأتيت عائشة، فسألتها، فقالت: صدق، فقلت لها: فأشهد لسمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس) ، فرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل ما أمر، ونحن نفعل ما أمرنا.
-
أبو هارون، ضعيف الحديث.
- ج ٥ ص ٨١
ولهذا المعنى قال طائفة من العلماء: إنه إذا تعارض نهي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفعله أخذنا بنهيه؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصاً به، كما في نهيه عن نكاح المحرم مع أنه نكح وهو محرم، إن ثبت ذلك، وكما كان يواصل في صيامه، ونهى عن الوصال.