المبحث التاسع: أصول في تعديل الرواة
١٢٣ فقرة، ج ١ ص ٢٩٦
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٢٩٦
الأصل الأول: هل ترتفع الجهالة وتثبت العدالة بتزكية ناقد واحد للراوي، وكذلك الجرح؟
-
علمنا مما تقدم أن عدالة الراوي الموجبة لقبول حديثه هي التي تحقق فيها وصفان: العدالة الدينية، والضبط.
-
والطريق إلى العلم بها في شأن الرواة موقوف على تزكية العارفين بالنقلة، والقائمة عندهم على سلامة الراوي من القوادح في دينه، وذلك بالمشهور من سيرته وأخباره أو بناء على أصل السلامة، وعلى براءة رواياته من المخالفة والنكارة، فيحكمون بكون هذا الراوي (ثقة) مثلاً.
-
هذا التعديل هل يكفي فيه قول ناقد واحد؟
-
اختلفوا في إثبات عدالة الشاهد: فمن الفقهاء من أوجب اجتماع اثنين على تزكيتة، ومنهم من أجاز الاكتفاء بواحد، وجر بعضهم الخلاف إلى الراوي.
-
والتحقيق والذي عليه العمل: صحة الاكتفاء بتعديل واحد ثبتت له أهلية النقد للنقلة، ومن يصحح العمل بخبر الواحد، وهم الجميع في التحقيق، فيجب أن يصح على مذهبه قبول تزكية الواحد الكفؤ (١) .
- (١)وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ١٦٢)، البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين (١/ ٦٢٢).
- ج ١ ص ٢٩٧
وكذلك الجرح، لا يطلب له غير كفاءة الناقد.
-
ولا فرق في هذا بين كون الراوي روى عنه جمع أو لم يرو عنه إلا واحد ثقة، على التحقيق، كما سيأتي في (الأصل الثالث) ، فإن العلم بشخصه وثبوت عينه مع سلامة حديثه من الضعف كاف للناقد أن يحكم بثقته، ويعتمد في ذلك قوله.
-
[الأصل الثاني: هل يتوقف قبول التعديل على العلم بأسبابه؟]
-
التحقيق من مذاهب أهل العلم أن التعديل لا يطلب فيه الإبانة عن السبب؛ لأن أسباب الصلاح والضبط كثيرة يعسرها حدها، إذ هي خبرة به لا تقف عند صفة من صفاته لتذكر، بخلاف التجريح، فإن صفة واحدة قد تكون مؤثرة فيه قادحة.
-
فإذا قال الناقد: (فلان ثقة) كان قوله واجب القبول بهذا الإطلاق، وهو على معنى ثبوت عدالة وضبط ذلك الراوي جميعاً.
-
الأصل الثالث: الراوي إذا عرف شخصه من رواية ثقة واحد أو أكثر عنه، ولم يثبت عليه قادح في دينه، وسلم حديثه من المنكرات، فهو عدل ثقة يحتج بخبره.
-
هذا الأصل في التحقيق منهج عامة المتقدمين من أئمة الحديث في قبول أحاديث النقلة.
-
فإن الرجل إذا ارتفعت عندهم جهالة عينه، أجروا أمره على السلامة في الدين، ونظروا فيما روى، فحكموا عليه في إتقانه بحسب ما عرف من حديثه وما أنكر.
-
ووضوح هذا وشيوعه مستغن عن التدليل عليه بالمثال، فإنا نعلم بالضرورة أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأقرانهم وأتباعهم من تلامذتهم ومن قرب منهم ومن بعدهم، قد تكلموا في الرواة من التابعين
ج ١ ص ٢٩٨وأتباعهم، ولم يدركوهم، ولم يبلغهم من أخبارهم في الغالب إلا تلك الأحاديث التي رويت عنهم من طرق الثقات، فحكموا على أولئك النقلة من خلال فحص مروياتهم، فمن سلم حديثه من النكارة وثقوه، أو حكموا عليه بوصف من أوصاف القبول، ومن ثبتت نكارة حديثه جرحوه بما يناسبه بحسب تلك النكارة.
-
فحديث الراوي كان الطريق إلى تمييز حاله في الرواية.
-
فإن أردت فهم ذلك منهم فتأمل جرحهم وتعديلهم للنقلة يتضح لك جلياً ما قلت، ومنهج الحافظ ابن عدي في " كامله " شرح لذلك المنهاج.
-
وأما العدالة في النفس فكانت تجرى على أصل السلامة، كما تقدم، فالراوي إذا لم يأت عنه ما يقدح في عدالته في دينه فهو عدل (١) .
- (١)ورُوي عن الوَليد بن مسلم، عن عبد الله بن المبارك تفسير العدْل بمحضر سُفيان الثوري وغيره، قال: " من رضيه أهل العلم فكتبوا عنه حديثه، فهو عدْلٌ جائز الشهادة " فتبسم سُفيان الثوري. أخرجه ابن عدي في " الكامل " (١/ ١٩٣) وإسناده واهٍ؛ لكونه من رواية شيخ ابنِ عدي الحسن بن عثمان التستري، وهو متهم بالكذب. وهذا إن صحَّ فإنه يُثبت العدالة التي تُجيز الشهادة، فيبقى ذلك التعديل ناقصاً في شأن الرواية، ومُجرَّد كِتابة أهل العلم حديث الراوي لا يدلُّ على ثقته، فإنهم يكتبون حديث الراوي ليَعتبروا به، ويكتبونه ليميِّزوه.
-
الأصل الرابع: من استقرت عدالته، وثبتت في الحديث إمامته، فهذا لا يشتغل في تتبع أمره؛ لم في ذلك من تحصيل ما هو حاصل، وإتعاب النفس بما ليس وراءه طائل.
-
وهذا مثل الأئمة: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ولليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
ج ١ ص ٢٩٩قال الخطيب: " ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، واستقامة الأمر، والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم، لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين " (١) .
- (١)الكفاية في علم الرواية (ص: ١٤٧).
-
وذلك كالذي روى حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) وسئل عن إسحاق بن راهويه؟ فقال: " مثل إسحاق يسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين (٢) .
وقال حمدان بن سهل البلخي: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؟ فتبسم، وقال: " مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس " (٣) .
وقال أبو حاتم الرازي في (يزيد بن هارون) : ثقةٌ إمام، صَدوق في الحديث، لا يُسأل عن مثلِه " (٤) .
- (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٤٧ _ ١٤٨) بإسناد صحيح.
- (٣)أخرجه الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٤١٤) بإسناد صالح. وأبو عبيد هوَ القاسم بن سلاَّم.
- (٤)الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٩٥).
-
وقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) وقد سئل عنه؟: " هذا من التابعين، لا يسأل عنه " (٥) .
قلت: كأنه يقول: له مقام كبير، ومكانة رفيعة، أغنت عن تتبع أمره والسؤال عنه.
- (٥)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣١٢).
-
الأصل الخامس: درجات العدول متفاوتة.
-
لا يقع التفاوت في تحقق ركن العدالة الدينية في الرواة، إذ هي إما عدالة وإما فسق، ولكن التفاوت يقع في تحقق الركن الثاني، وهو قوة
ج ١ ص ٣٠٠الضبط، فإنه يتفاوت في نسبه بين النقلة، فهم درجات في القبول، ودرجات في الرد، فدرجات المجروحين يأتي بيانها في (تفسير الجرح) .
-
وأما درجات المقبولين فتنقسم في الجملة إلى منزلتين بحسب القسمة الاصطلاحية للحديث المقبول:
الأولى: منزلة الحديث الصحيح.
-
والثانية: منزلة راوي الحديث الحسن.
-
والضبط الراجح شرط قبول حديث الراوي العدل، وهو كما لا يخفى مما يتفاوت فيه الناس.
قال جرير بن عبد الحميد: لما ورد شعبة البصرة قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: " إن حدثتكم عن ثقات أصحابي، فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، ومنصور " (١) .
قلت: فأراد شعبة أعلاهم في الثقة عنده، وإلا فإنه روى عن كثير من الثقات، ممن وثقهم هو نفسه.
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٣٨، ١٣٩، ١٤٤) وابن عدي في " الكامل " (١/ ١٥٤) وإسناده صحيح.
-
وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أبو خلدة (٢) , ثقة؟ فقال: " كان صدوقاً، وكان مأموناً، الثقة سفيان وشعبة " (٣) .
قال الباجي: " وإنما أراد عبد الرحمن بن مهدي، رحمه الله، التناهي في الإمامة، لو لم يوثق من أصحاب الحديث إلا من كان في درجة شعبة وسفيان الثوري لقل الثقات، ولبطل معظم الآثار " .
ج ١ ص ٣٠١وقال في شأن أبي خلدة: " عبد الرحمن لم يرد أن يبلغه مبلغ غيره ممن هو أتقن منه وأحفظ وأثبت، وذهب إلى أن يبين أن درجته دون ذلك؛ ولذلك قال: كان خياراً، كان صدوقاً، وهذا معنى الثقة إذا جمع الصدق والخير مع الإسلام " (١) .
- (٢)هو خالد بن دينار
- (٣)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ١٦٠) و " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٧) وابن عدي (١/ ٢٦٤) وابن حبان في " المجروحين " (١/ ٤٩) والحاكم في " المدخل إلى الصحيح " (ص: ١١٣ _ ١١٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٩ _ ٦٠) وإسناده صحيح.
- (١)التعديل والتجريح، للباجي (١/ ٢٨٤ _ ٢٨٥).
-
وشبيه يقول ابن مهدي هذا: قول أحمد بن حنبل وقد سئل عن عقيل بن خالد ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة من أصحاب الزهري: " ما فيهم إلا ثقة " قال المروذي: وجعل يقول: " تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان، تدري من الحجة؟ شعبة وسفيان حجة، ومالك حجة " ، قلت: ويحيى؟ قال: " يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتاً " .
وقال المروذي: قلت (يعني لأحمد بن حنبل) : عبد الوهاب (يعني ابن عطاء) ثقة؟ قال: " تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان " (٢) .
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجة، فقلت له محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: " كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز " (٣) .
قال أبو زرعة: فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة، كان مصيباً؟ قال: " لا، ولكنه كان ثقة " (٤) .
- (٢)العلل ومعرفة الرجال، رواية المروذي (النص: ٤٨).
- (٣)تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٠ _ ٤٦١).
- (٤)تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٢).
-
ومن هذا قول أبي حاتم الرازي في (محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير المكي) : " روى عنه الناس " ، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: " إنما يحتج بحديث الثقات " (٥) .
ج ١ ص ٣٠٢وقال في (محبوب بن محرز القواريري) : " يكتب حديثه " ، فقيل له: يحتج بحديثه؟ فقال: " يحتج بحديث سفيان وشعبة " (١) .
- (٥)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٧٦).
- (١)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٨٨).
-
وإنما أراد أبو حاتم الدرجة العليا في الإتقان.
-
فدلت هذه الآثار أن العدول درجات، كلهم مقبول من أجل ثبوت عدالته وضبطه في الجملة، ولكن فائدة تمييز ذلك: الترجيح بينهم عند تعارض الروايات واختلافها في الأسانيد والمتون.
-
وهذا طريق معتمد عند أئمة النقاد في علم (علل الحديث) يرجحون بتفاوت حفظ الثقات.
-
وأما الثقة المطلقة فلا توجد لأحد من الرواة، إلا أن يقال: (فلان من أوثق الناس) أو (من أثبت الناس) ، وليست هذه ثقة مطلقة.
-
وسبب امتناع هذا أنه لا يعرف أحد من الرواة سلم من الغلط، فمن أوثق الناس شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس، لكن ما سلم أحد منهم من خطأ يسير يؤخذ عليه.
-
فإن قارنت بغيرهم نازعهم من يقرب منهم في الضبط في أعيان شيوخهم، كشعبة والثوري في الأعمش، وكمنازعة بعض الثقات من أصحاب الزهري لمالك فيه.
-
[الأصل السادس: هل رواية الثقة عن رجل تعديل له؟]
-
هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم على ما يمكن حصره في أربعة أقوال:
القول الأول: رواية الثقة عن رجل بمجردها تعديل له، وهو محكي عن الحنفية (٢) .
- (٢)شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٨٠).
- ج ١ ص ٣٠٣
والقول الثاني: رواية الثقة عن رجل ليست تعديلاً له بمجردها، وهذا معروف لطائفة كبيرة من أئمة الحديث.
قال الترمذي: " لا يغتر برواية الثقات عن الناس " (١) .
وقال الخطيب: " احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له: بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحاً لذكره. وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلاً ولا خبراً عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وبفساد الآراء والمذهب؟ " .
- (١)العلل الصغير، في آخر " الجامع " (٦/ ٢٣٥).
-
ثم مثل لذلك بأمثلة، منها:
١ _ قول عامر الشعبي في (الحارث الأعور) : " حدثني الحارث وكان كذاباً " (٢) . وفي لفظ: " حدثني الحارث، وأشْهد أنه أحد الكذابين " (٣) .
- (٢)أخرجه البُخاري في " التاريخ الأوسط " (١/ ٢٨٢) _ ومن طريقه: ابن عدي في " الكامل " (٢/ ٤٤٩) _ وأبو زُرعة الرازي (٢/ ٥٨٧ _ أسئلة البرذعي) ومسلم في " مقدمة صحيحه " (١/ ١٩) ويعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١١٦ _ ١١٧) _ ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥١) _ والرامهرمزي (ص: ٤١٨) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ٢٠٨) والخليلي في " الإرشاد " (٢/ ٥٥٢) (١/ ٢٠٨) وإسناده صحيح.
- (٣)أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٩٩٠، ١١٤٨) _ ومن طريقه: ابنُ عدي في " الكامل " (٢/ ٤٤٩) _ ومُسلمٌ في " مُقدمة صحيحه " (١/ ١٩) وابنُ أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ٢ / ٧٨) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ٢٠٨) وإسناده صحيح.