المبحث الحادي عشر: تحرير القول في عدالة الصحابة

٦٥ فقرة، ج ١ ص ٣٣٩

الصفحة ١ من ٢

  1. الصحابي أصل الإسناد، وهو حلقة الوصل بالوحي، وحيث إن العصمة لا تثبت لآحاد الصحابة، فما القول في عدالتهم بركنيها: العدالة الدينية، وإتقان الرواية؟

    ج ١ ص ٣٣٩
  2. ولا ريب أن الذي يهمنا هو تمييز شأن الصحابي الذي روى العلم.

  3. فأما العدالة الدينية، فثابتة لجميعهم بتثبيت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلك لهم، والمقصود براءة جميعهم من وصف الفسق، وإنما كان يوجد الفسق في المنافقين، وليسوا صحابة، لتخلف معنى الصحبة فيهم، وليس من هؤلاء بفضل الله من يذكر برواية العلم.

    قال ابن حزم: " قد كان في المدينة في عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضاً من لا ترضى حاله، كهيت المخنث الذي أمر عليه السلام بنفيه، والحكم الطريد، وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحبة " (١) .

    قلت: وحتى من زنى أو سرق ممن قص علينا نبؤهم، فإن من ثبت

    ج ١ ص ٣٤٠ذلك عليه فإنه تاب منه وأقيم عليه الحد المطهر، فعاد أمره إلى العدالة بالتوبة.

    قال الخطيب: " كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن " (١) .

    قلت: والأدلة المثبتة عدالة جميع الصحابة كثيرة في الكتاب والسنة من حيث المعموم، ومن حيث التفصيل في كثير من أعيانهم.

    1. (١)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٣).
    2. (١)الكفاية (ص: ٩٣).
  4. من ذلك قوله تعالى: {وكذلك جعلنكم أمة وسطاً} [البقرة: ١٤٣] .

  5. عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، أو: ما أتانا من أحد، قال: فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فذلك قوله: {وكذلك جعلنكم أمة وسطاً} ، قال: الوسط: العدل، قال: فيدعون، فيشهدون له بالبلاغ، قال: ثم أشهد عليكم " (٢) .

    1. (٢)حديث صحيح. أخرجه وكيع بن الجراح في " نسخته " (رقم: ٢٦) ومن طريقه: أحمد (١٧/ ٣٧٢، ٣٨٣ رقم: ١١٢٧١، ١١٢٨٣) وابن أبي حاتم في " تفسيره " (رقم: ١٣٣٢، ١٣٣٦) و " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢ _ ٣) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، به. وأخرجه سعيد بن منصور في (التفسير) من " سننه " (رقم: ٢٢٢) وابن أبي شيبة (١١/ ٤٥٤) وأحمد (١٧/ ١٢٢ رقم: ١١٠٦٨، ١٨/ ١١٢ رقم: ١١٥٥٨) والترمذي (رقم: ٢٩٦١) والنسائي في " التفسير " (رقم: ٢٦، ٢٧) وابن ماجة (رقم: ٤٢٨٤) وأبو يعلى (٢/ ٤١٦ رقم: ١٢٠٧) وابن أبي حاتم في " تفسيره " (رقم ١٣٣١) و " الجرح " (١/ ١ / ٢) وابن حبان (١٦/ ١٩٩ رقم: ٧٢١٦) والبيهقي في " الشعب " (١/ ٢٤٨ رقم: ٢٦٥) جميعاً من رواية أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، بإسناده به. ولم يذكر ابنُ ماجة والبيهقي تفسير الوسط. واقتصر أحمد في الموضع الأول والترمذي وأبو يعلى ومن بعده سِوى البيهقي على قول أبي سعيد: عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: ١٤٣] قال: " عدلاً ". وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وأخرجه البخاري (رقم: ٤٢١٧، ٦٩١٧) من طريق أبي أسامة. و (رقم: ٣١٦١) من طريق عبد الواحد بن زياد. والبخاري أيضاً (رقم: ٤٢١٧) وأبو يعلى (٢/ ٣٩٧ رقم: ١١٧٣) من طريق جرير بن عبد الحميد. وكذا البُخاري في " صحيحه " (رقم: ٦٩١٧) و " خلق أفْعال العِباد " (رقم: ٢٠٧) وعبْد بن حميد (رقم: ٩١٣) والترمذي (رقم: ٢٩٦١) وابن جرير في " تفسيره " (٢/ ٧) والبيهقي في " الشعب " (١/ ٢٤٨ رقم: ٢٦٤) من طريق جعفرِ بن عون. وابن جرير (٢/ ٧) من طريق حَفصِ بن غياث، خمستهم عن الأعمش، به. لم يذكر البخاري في " أفعال العباد " وابنُ ماجة والبيهقي تفسير الوَسط، بينما اقتصرت عليه روايتا ابن جرير، دونَ سائر الحديث. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح ". خالفهم سُفيان الثوري، فروى الحديث في تفسير (الوَسط) بالعدْل من قول أبي سعيد، ولم يرفعه. أخرجه ابن جرير (٢/ ٧) من طريق مُؤمَّل بن إسماعيل، والحاكم (٢/ ٢٦٨ رقم: ٣٠٦٢، وكما في " إتحاف المهرة " ٥/ ٢٠٨ حيث سقط بعض الإسناد من طبعة المستدرك) من طريق حماد بن مسعدة، كلاهما عن الثوري عن الأعمش، بإسناده. وقال الحاكم: " صحيح على شرْط الشيخين ". قلت: ورفْع هذا اللفظ أظْهر على ما في رواية السبعة عن الأعمش: وكيع وأبي معاوية والخمْسة الآخرين.
  6. وقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعل ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} الآية [الفتح: ١٨] ، وقوله عز وجل: {والسابقون الأولون من المهجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} الآية [التوبة: ١٠٠] ، وقوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} حتى قوله: {وكونوا مع الصدقين} [التوبة: ١١٧ _ ١١٩] ، وقوله {للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديراهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هو الصدقون} والآية التي بعدها [الحشر: ٨ _ ٩] .

    قال الخطيب: " لا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق له، فهم على هذه الصفة، إلا أن

    ج ١ ص ٣٤٢يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخروج من باب التأويل؛ فيحكم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنه، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء ... لأوجبت الحال التي كانوا عليها، من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين؛ القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء " (١) .

    1. (١)الكفاية (ص: ٩٦).
    ج ١ ص ٣٤١
  7. وعن البراء بن عازب، قال: " ليس كلنا سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب " (٢) .

    1. (٢)أثرٌ صحيح. أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٢٣٥) _ ومن طريقه: ابن رُشيْد في " السنن الأبين " (ص: ١١٧) _ والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٤٨) من طريق إسحاق بن منصور السلولي، والحاكم في " المستدرك " (١/ ١٢٧ رقم: ٤٣٨ وكما في " إتحاف المهرة " لابن حجر ٢/ ٥١٢) والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ٩٩) من طريق عبد الله بن مُحمد بن سالم المفْلوج، كلاهما عن إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب، به. (في كتابي: المحدث، والمستدرك، سقط). قال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرْط الشيخين ولم يُخرجاه. ومُحمد بن سالم وابْنه عبْد الله مُحتج بهما. فأما صحيفة إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، فقد أخرجها البخاري في الجامع الصحيح ". قلت: إسناده حسن، من أجل أن إبراهيم بن يوسف لا يتجاوز حديثه الحُسن، وسائر الإسناد ثقات. وإنما صححته، لكون يوسف لم يتفرد به عن أبيه، بل هو متابع على معناه، كما بينته في (الحديث المرْسل).
  8. وفي رواية، عن البراء، قال: " ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ج ١ ص ٣٤٣سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب " (١) .

    وقال قتادة _ وسمع حديثاً من أنس _: قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: " نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب " (٢) .

    1. (١)أثرٌ صحيح. خرَّجته في (الحديث المرسل) ضِمن (القسم الثاني) من هذا الكتاب.
    2. (٢)أثر حسن. أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٦٣٣ _ ٦٣٤) وابن عدي (١/ ٢٦٣) من طريق عباد بن راشد، عن قتادة، به، وإسناده حسن، عباد لا بأس به.
  9. وقال حميد الطويل بعد أن ساق حديثاً عن أنس في الشفاعة: فقال له (أي لأنس) رجل: يا أبا حمزة، أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تغير وجهه واشتد عليه، وقال: " ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم نكن يكذب بعضنا على بعض " (٣) .

    1. (٣)أخرجه ابن منده في " الإيمان " (في آخر رقم: ٨٧٤) من طريق مُعتمر بن سليمان، قال: سمعت حُميداً. وإسناده صحيح. وأخرجه ابن عدي (١/ ٢٦١) من طريق يحيى بن أيوب عن حُميد، بنحوه، وإسناده حسن. والطبراني في " الكبير " (١/ ٢١٨ رقم: ٦٩٩) من طريق أبي شهاب الحنَّاط، عن حميد، نحوه. وإسناده حسن كذلك. وجعفر الفِريابي في " فوائده " (ق: ٨٠ / ب) والخطيب في " الجامع " رقم: ١٠٠) من طريق حماد بنِ سلمة عن حميد، وإسناده صحيح.
  10. وليس ما وقع بين الصحابة من اختلاف أفضى إلى الاقتتال فيما بينهم، كالذي وقع في الجمل وصفين، فكان بتأويل، والتأويل لا يقدح في أصل العدالة، بل صاحبه معذور.

    وقال ابن حزم: " أما قدامة بن مظعون، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، وأبو بكرة، رضوان الله عليهم، فأفاضل أئمة عدول " (٤) .

    1. (٤)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٤).
  11. وبين أن ذلك، لكون قُدامة بدرياً، وكان متأولاً فيما جاء عنه، يعني

    ج ١ ص ٣٤٤في شرب الخمرة، وكان المغيرة من أهل بيعة الرضوان، وسمرة شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وكان متأولاً فيما جاء عنه يعني فيمن قتل من الخوارج، وكان حال أبي بكرة يحتمل أنه قد شبه عليه فيما وقع فيه في شأن المغيرة من قذفه بالزنا، رضي الله عنهم.

  12. والحاصل: أنك لا تجد في الصحابة، وخصوصاً رواة الأخبار، من يطعن عليه بمعصية لا تقبل التأويل، أو معصية طهر من أثرها بالحد.

  13. [ضبط الصحابي]

  14. وأما ضبط الصحابي لما روى، فلا ريب أن أحدهم يجوز عليه الوهم كما يجوز على غيره، ولكن قرب العهد بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطريق تلقي العلم عنه، بالسماع المباشر، أو بالرؤية، مع تكرار ورود العلم عليه، يضعف احتمال الوهم، بخلاف من بعدهم بعدما كثرت الوسائط.

  15. ومع ذلك فإن حفظ الصحابي تعرض للنقد، وبدأ ذلك في الصحابة أنفسهم، ووقع من بعض من جاء من بعد من الأئمة على ندرة، وإليك مثالين:

    الأول: توهيم عائشة لابن عمر في تواريخ عمرات النبي صلى الله عليه وسلم.

  16. فعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة، ثم قال له: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعاً، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال وسمعنا أستنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يأماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات، إحداهم في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر

    ج ١ ص ٣٤٥عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط (١) .

    1. (١)مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٦٨٥) ومسلم (رقم: ١٢٥٥).
  17. الثاني: توهيم سعيد بن المسيب لابن عباس في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة وهو محرم.

  18. فعن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أن النبي تزوج ميمونة وهو محرم.

    قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس , وإن كانت خالته، إنما تزوجها حلالاً (٢) .

    قال ابن تيمية: " وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً " (٣) .

    1. (٢)حديث صحيح. أخرجه ابن عدي (١/ ١٢٥) وتمام الرازي في " الفوائد " (رقم: ٦٢٥ _ ترتيبه) والبيهقي في " الكبرى " (٧/ ٢١٢) و " دلائل النبوة " (٤/ ٣٣٢) وابن عبد البر في " التهيد " (٣/ ١٥٨) وابن عساكر في " تاريخه " (٣٦/ ٤٢٦ _ ٤٢٧، و ٥٤/ ١٢٣) من طريق الأوزاعي، عن عطاء، به. وهو عند البُخاري في " صحيحه " (رقم: ١٧٤٠) وغيره من طريق الأوزاعي، بحديث ابن عباس دونَ توهيم سعيد له. وقال ابن عبد البر: " هكذا في الحديث: قال سعيد بن المسيب، فلا أدري أكان الأوزاعي يقوله أو عطاء ". قلت: هوَ من قول عطاء أولى؛ لاتصالته بالخبر من روايته.
    2. (٣)قاعدة جليلة في التوسل والوَسيلة (ص: ١٦١).
  19. [مسائل في عدالة الصحابة]

  20. [المسألة الأولى: الرجل يختلف في صحبته، فيقدح فيه بعض من لا يثبتها له]

  21. وجد في بعض الرواة من عد في الصحابة؛ لشبهة رواية وقعت له عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو لزعم بعض أهل السيرة أنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فمثل

    ج ١ ص ٣٤٦هؤلاء، إذا وجدت في أحدهم الجرح، فليس هو عند الجارح معدوداً في الصحابة، وثبت عليه الجرح عنده بسبب من أسبابه.

  22. وذلك مثل (بسر بن أرطاة) ويقال: (ابن أبي أرطاة) ، فقد عده بعضهم في الصحابة، ولا تثبت له صحبة على التحقيق، قال يحيى بن معين: " أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع بسر بن أبي أرطاة من النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل الشام يروون عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " (١) .

    1. (١)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٦٤٣).
  23. ولما ثبت عنه من الظلم والفساد في الأرض لهوى بني أمية، قال فيه يحيى بن معين: " رجل سوء " (٢) .

    1. (٢)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٣٦).
  24. وأورده ابن عدي في " كتابة " في المجروحين لقول ابن معين فيه، وأورد له حديثين: أحدهما: دعاء مرفوع، والآخر: " لا تقطع الأيدي في الغزو " ، وقال: " بسر بن أبي أرطاة مشكوك في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أدري بإسناد هذين بأساً " (٣) .

    قلت: إن سلم الحديثان من النكارة، فلا يسلم إسناد فيه مثل بسر من السقوط، فإن ما تقدم له من الفساد يتعذر في مثله التأويل.

    1. (٣)الكامل (٢/ ١٥٣).
  25. والمهم أن تدرك هنا أنه لا يوجد قدح في عدالة من ثبتت صحبته، إنما وجد مثل هذا فيمن اختلف فيه، والراجح عدم صحبته.

  26. وقد يقول الناقد في الرجل: (مجهول) ، وغيره يدعي له الصحبة، فلا تحمل قول بعضهم على بعض، فتظن أن من الصحابة من يطلق عليه ذلك، وإنما هذا تعارض بين أن يكون تابعياً مجهولاً، أو صحابياً، فإن رجح القول بصحبته، وإلا فهو تابعي مجهول، فابحث عن راجحه بحجته.

  27. وذلك مثل (معبد بن خالد الجهني أبي رغوة) ، فقد قال ابن أبي حاتم: " له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، مات سنة ثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول " (١) ، وقد قال فيه يحيى بن معين: " ثقة " (٢) .

    قلت: الأشبه أن يكون صدر هذه المقالة من كلام ابن أبي حاتم، لا من كلام أبيه، وأن قوله من بعد: " سمعت أبي يقول ذلك " ، إشارة إلى روايته عن أبي بكر وعمر، وما بعده من الكلام، وكذلك وجدت ابن عبد البر نسب القول بصحبته لا بن أبي حاتم، لا لأبيه، وتبعه عليه ابن الأثير وابن حجر وغيرهما (٣) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٧٩).
    2. (٢)تاريخ الدارمي (النص: ٧٢٤).
    3. (٣)انظر: الاستعياب، لابن عبد البر (١٠/ ١٥٨ _ ١٥٩ هامش الإصابة)، وأسد الغابة، لابن عبد الأثير (٤/ ١٦٠) والإصابة (٩/ ٢٤٢).
    ج ١ ص ٣٤٧
  28. وحيث قام هذا الاحتمال فلا يصح الاعتراض بهذه الصورة على الأصل في انتفاء جرح الصحابي بالجهالة، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه أورد توثيقه عن ابن معين، فدل على أصل الاختلاف فيه، ولم أجد مستنداً في ذكر عمره الذي أقام شبهة صحبته إلا كلمة للواقدي، وهو متروك غير ثقة، نقلها عنه من سميت آنفاً وغيرهم.

    وقال أبو حاتم الرازي في (خذام بن وديعة) : " مجهول " (٤) ، وغيره يثبت له الصحبة.

    1. (٤)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٠٠).
  29. وكذا قال في (مدلاج بن عمرو السلمي) (٥) ، وهو صحابي على الراجح، ولا رواية له.

    1. (٥)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٢٨).
  30. وقالها في (بلال الفزاري) (١) ، والقول قوله، فالرجل إنما روى مرسلاً، ولا صحبة له، ومثله آخرون، منهم: الحارث بن بدل النصري (٢) ، وعبد الله بن أبي شديدة (٣) ، وعبد الله بن قيس الأسلمي (٤) .

    1. (١)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٩٨).
    2. (٢)الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦٩).
    3. (٣)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٨٣).
    4. (٤)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٣٨).
    ج ١ ص ٣٤٨
  31. وقد وجدت لابن حجر قولاً بخصوص هذه المسألة جديراً بالتنبيه عليه، قال في ترجمة (مدلاج) المتقدم ذكره: " وكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة، لا يريد جهالة العدالة، وإنما يريد أنه من الأعراب الذين لم يرو عنهم أئمة التابعين " (٥) .

    قلت: وليس الأمر ما أوهمته عبارته رحمه الله، أن أبا حاتم يقول في أحدهم: (مجهول) وهو من أعراب الصحابة، فهذا ما لا يوجد له مثال واحد البتة في كلام أبي حاتم، ولو قال: حكم أبو حاتم بجهالته لكونه من أعراب الصحابة، فلم يعرف صحبته لعدم ظهور أمره فيها، وذلك أن هؤلاء يكون أحدهم مغموراً، فكيف إذا اقترن بذلك أنه لم يرو عنه من العلم شيء، ولم يأت في صحيح الأخبار ما يبين أمره، كمدلاج المتقدم؟

    1. (٥)لسان الميزان (٦/ ١٥).
  32. والتحقيق: أنه لا يوجد فيمن وصقهم أبو حاتم بقوله: (مجهول) ، من له صحبة في رأي أبي حاتم نفسه.

  33. المسألة الثانية: الرجل تدعى صحبته بناء على ما لا يثبت عنه من الرواية، فيذكر في الضعفاء من أجل نكارة حديثه، فهذا لا يصح عده صحابياً.

  34. ومثاله: (عمرو بن عبيد الله الحضرمي) ، قال البخاري: " رأي النبي صلى الله عليه وسلم، لا يصح حديثه " (٦) , فذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: " وهذا

    ج ١ ص ٣٤٩هو حديث واحد، وإنما شك البخاري أن لا يصح له، أي ليس لعمرو بن عبيد الله صحبة " (١) .

    1. (٦)التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٣١٢).
    2. (١)الكامل (٦/ ٢٤٤).
  35. ومثل: (زهير بن عثمان الثقفي) ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " الوليمة حق، واليوم الثاني معروف "، قال البخاري: " لم يصح إسناده، ولا يعرف له صحبة " (٢) ، وذكره ابن عدي تبعاً للبخاري، وأقره (٣) .

    1. (٢)التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٤٢٥).
    2. (٣)الكامل (٤/ ١٨٧).
  36. فمثل هذين إنما ذكرا في الضعفاء، لا لضعفهما؛ وإنما لضعف الرواية عنهما، وإذا كان مثل هذه الرواية هو الطريق لإثبات الصحبة، فالصحبة لا تثبت به، وإن افترضنا ثبوتها للرجل بغير هذه الرواية فذكره في الضعفاء ليس لجرحه في عدالته، وإنما من أجل الرواية الضعيفة التي قد تكون علتها من قبل غيره.

  37. المسألة الثالثة: تحرير القول في جهالة الصحابي.

  38. والمقصود به هنا من لم يسم، وهو وارد في رواية بعض الحديث، كقول الراوي: (حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) .

  39. فهذا عند أهل العلم في الاحتجاج به وقبوله على مذهبين:

    المذهب الأول: لا يقبل، وهو ظاهر صنيع الشيخين في " صحيحيهما ".

    قال الحاكم في صفة الحديث الصحيح: " أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة " (٤) .

    ج ١ ص ٣٥٠وقال ابن حزم: " لا يقبل حديث قال راويه فيه: عن رجل من الصحابة، أو: حدثني من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا حتى يسميه، ويكون معلوماً بالصحبة الفاضلة، ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى " (١) .

    1. (٤)معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢).
    2. (١)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٣).
  40. والمذهب الثاني: يقبل، بمنزلة المسند، وعليه جرى المصنفون في جمع المسانيد، كأحمد بن حنبل وغيره.