المبحث العاشر: تحرير القول في تعديل جماعة من المتقدمين تنازعهم الناس

٨٠ فقرة، ج ١ ص ٣٢٣

الصفحة ١ من ٢

  1. هذا مبحث قصدت به إزالة الشبهة عن منزلة بعض متقدمي أئمة الحديث، وجدنا من جاء من بعد يتنازعون في قوة تعديلهم للرواة، وقصدت فيه إلى جماعة عرفوا بالكلام في الرواة، لا من له القول بعد القول، والكلام محصور في الأئمة: أحمد بن عبد الله العجلي، وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي، وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبي عمر بن عبد البر.

    ج ١ ص ٣٢٣
  2. ومعلوم عند المعتني بهذا العلم أن لهؤلاء الأئمة كلاماً كثيراً في تعديل الرواة، لكن أشكل منهم إطلاق التعديل في طائفة من الرواة هم في نظر غيرهم من النقاد مجهولون أو مجروحون.

  3. وبعض الناس شكك في توثيق يحيى بن معين ومحمد بن سعد ويعقوب بن سفيان والنسائي والدارقطني، من جهة أنهم كان يقع في كلامهم توثيق المجهولين.

  4. وأقول: دعوى ذلك تجن على هؤلاء الأئمة، فهؤلاء جميعاً من أعلم خلق الله برواة الحديث، وطرقهم في نقد الرواة غير خارجة عن طرق

    ج ١ ص ٣٢٤غيرهم، وذلك في إرجاع القول في الراوي الذي لم تعلم سيرته إلا من جهة رواياته، إلى اختبار مروياته، فإذا سلمت من النكارة حكموا بثقته.

  5. وأما هؤلاء الأئمة الذين سميت قبل، فالبيان هنا مقصور على تحرير طريقتهم في التعديل للرواة الذين يعدهم غيرهم مجهولين، أما أن يعدلوا من يجرحه غيرهم، فما من الأئمة النقاد إلا عدل من جرحه غيره، فلا ينبغي أن يكون ذلك مما يؤخذ على هؤلاء الأئمة، وإليك بيان ذلك:

    [طريقة العجلي]

  6. أطلق بعض المتأخرين أن العجلي يوثق المجهولين، وقد تتبعت كتاب العجلي المسمى: " معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث، ومن الضعفاء , وذكرهم مذابهم وأخبارهم " ، فوجدته في الغالب متين العبارة، موافقاً لكلام غيره من نقاد المحدثين، وذلك في تعديله وتجريحه، ويتفرد عن كبار الأئمة بتوثيق من لا يوجد لهم فيه توثيق، كما يشذ في قوله عنهم وهو في شيء قليل.

  7. وأقول: إذا أنصفت وجدت عامة كبار النقاد يتفرد أحدهم بتعديل لا يقوله غيره، ويخالف الجمهور في الشيء بعد الشيء، فإن عددناه مأخذاً على العجلي لزم أن يؤخذ على يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي وغيرهم، لذا فالواجب أن يعتبر له نقده، فإن جاءت عبارته على الموافقة لعبارة سائر النقاد فذاك ظاهر القبول، وإن خالف أخضعنا قوله لقواعد الترجيح عند اختلاف الجرح والتعديل، وإن انفرد وجب قبول قوله والاحتجاج به كغيره، حتى يتبين بالحجة خطؤه.

  8. [طريقة أبي بكر بن خزيمة]

  9. لم يصلنا لابن خزيمة مصنف في التعديل والتجريح للرواة، وإنما له في ذلك عبارات منثورة في " صحيحه " ، وفي كتاب " التوحيد" له، وقد

    ج ١ ص ٣٢٥اشترط فيه الصحة كذلك، وأيضاً، ما يستفاد من احتجاجه بحديث الراوي كتوثيق، على ما تقدم ذكره في (الأصل السابع) من (المبحث السابق) .

  10. والذي وجدت بعض المتأخرين عابه على ابن خزيمة أنه كان يوثق المجهولين، كذا زعم، وهو ادعاء منتقض من جهتين:

    الأولى: أنه لا يعاب ناقد من أئمة الحديث بالقول: (يوثق المجهولين) ، لأنه ما من النقاد أحد وثق راوياً إلا وقد أخرجه بذلك التوثيق من جملة المجهولين، ولكن بما قام له من الحجة على ثقته، بناء على ما هو معلوم من تمكن ذلك الناقد في الصنعة.

  11. والثانية: وجدنا ابن خزيمة في الواقع جرح رواة بالجهالة، ورد حديثهم بذلك في مواضع عدة من كتابيه (١) ، فلو كان الأصل عنده إجراء الرواة على الثقة والعدالة لم يكن لجرحه بالجهالة معنى.

    1. (١)انظر مثاله في صحيح ابن خزيمة (٢/ ١٨١، ١٩١، ٣٥٩، و ٢/ ٥٨، ٩٢، ١٧٧، ١٨٩، ٢١٠، و ٤/ ٩٥، ٢١٩، ٢٨٤)، وفي التوحيد (١/ ٥٤٤، ٥٤٥، و ٢/ ٥٨٠، ٦١٩ _ ٦٢٠، ٦٧١، ٦٧٨، ٧٤٨، ٨٦٤ _ ٨٦٦)، يقول في الراوي: " لا أعرفه بعدالة ولا جرح "، أو " مجهول ".
  12. لكن حقيقة الأمر أن توثيقه لمن وثقه أو احتجاجه به مبنى على الخبرة بأمر ذلك الراوي، وتحقق سلامة حديثه عنده من النكارة.

  13. [طريقة ابن حبان]

  14. هو أشهر من عيب عليه من النقاد التوسع في التعديل، وتحرير القول في ذلك فيما يلي:

    اعلم أن ابن حبان، رحمه الله، ألزم نفسه بتقسيم النقلة إلى (ثقات) و (مجروحين) ، وصنف كتابيه المعروفين في ذلك: " الثقات " و " المجروحين " ، فكان يجعل كل من وقف على اسمه منهم في واحد من القسمين.

  15. فإذا كان الراوي ظاهر الأمر عنده في الثقة، أو يقرب من ذلك، أو يرجح إلى جهته، يدخله في (الثقات) .

    ج ١ ص ٣٢٦
  16. وإذا كان ظاهر الأمر في المجروحين، أو يقرب منهم، أو يرجح عنده جرحه، فهو في (المجروحين) .

  17. وهذان ظاهران.

  18. وطائفة هي محل تردده، فربما مال إلى إدخالهم في (الثقات) ونبه على ما يؤخذ عليهم كالخطأ، فيقول: " يخطئ " ، وربما قال: " يخطئ كثيراً " ، وربما عدهم فيهم وهو يستخير الله في قبول حديثهم، وقد يدخل الرجل ممن تردد فيه في (المجروحين) ، فيصفه أيضاً بكونه " يخطئ " أو " يخطئ كثيراً " ، وربما علق أمره على الاستخارة.

  19. فمثاله في (الثقات) : (إبراهيم بن سليمان الزيات) ، قال: " مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات " ، ثم قال: " وهو أقرب من الضعفاء، ممن أستخير الله فيه " (١) .

    1. (١)الثقات (٨/ ٦٨).
  20. بينما أورد جماعة في (المجروحين) ، وهم عنده من هذا النحو، منهم:

    بهز بن حكيم، قال: " لولا حديث: إنا آخذوه وشطره إبله، عزمة من عزمات ربنا، لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه " (٢) .

    1. (٢)المجروحين (١/ ١٩٤).
  21. جعفر بن الحارث أبو الأشهب، قال: " كان يخطئ في الشيء بعد الشيء، ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة، ولكنه ممن لا يحتج به إذا نفرد، وهو من الثقات يقرب، وهو من أستخير الله فيه " (٣) .

    1. (٣)المجروحين (١/ ٢١٢).
  22. وقال نحواً من ذلك في (خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي) (١) ، و (خصيف بن عبد الرحمن الجزري) (٢) ، و (سويد بن عبد العزيز) (٣) ، و (يحيى بن أبي سليم أبي بلج الفزاري) (٤) .

    1. (١)المجروحين (١/ ٢٨٤).
    2. (٢)المجروحين (١/ ٢٨٧).
    3. (٣)المجروحين (١/ ٣٥١).
    4. (٤)المجروحين (١/ ٣١٣).
    ج ١ ص ٣٢٧
  23. ومن كانوا على هذه الصفة فهم موضع تردد ابن حبان يجعلهم في (الثقات) أو في (الضعفاء) ، وهؤلاء لا يجعل قوله حكماً فيهم، إنما يدفع تردده بقول غيره من النقاد، فيصار بالراوي إلى (الثقات) أو (الضعفاء) .

  24. ومما يؤخذ عليه:
  25. أنه أورد جماعة من الرواة في الكتابين جميعاً (الثقات) و (المجروحين) ، مما يعد من تناقضه، منهم: إسماعيل بن محمد بن جحادة اليامي (٥) ، رزيق أبو عبد الله الألهاني الشامي (٦) ، وزياد بن عبد الله النميري (٧) ، وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك الأموي (٨) ، وسهل بن معاذ بن أنس الجهني (٩) ، وعبد الواحد بن نفيع (أو: نافع) بن علي أبو الرماح الكلاعي (١٠) ، وعمر بن إبراهيم العبدي (١١) ، وعمران بن ظبيان الأسلمي (١٢) ، وكنانة بن العباس بن مرداس السلمي (١٣) .

    1. (٥)الثقات (٨/ ٩٦)، المجروحين (١/ ١٢٨).
    2. (٦)الثقات (٤/ ٢٣٩)، المجروحين (١/ ٣٠١).
    3. (٧)الثقات (٤/ ٢٥٥ _ ٢٥٦)، المجروحين (١/ ٣٠٦).
    4. (٨)الثقات (٦/ ٣٧٤)، المجروحين (١/ ٣٢١).
    5. (٩)الثقات (٤/ ٣٢١)، المجروحين (١/ ٣٤٧).
    6. (١٠)الثقات (٧/ ١٢٥)، المجروحين (٢/ ١٥٤).
    7. (١١)الثقات (٨/ ٤٤٦)، المجروحين (٢/ ٨٩).
    8. (١٢)الثقات (٧/ ٢٣٩)، المجروحين (٢/ ١٢٣ _ ١٢٤).
    9. (١٣)الثقات (٥/ ٣٣٩)، المجروحين (٢/ ٢٢٩).
  26. وما وقع فيه ابن حبان من ذلك فليس تردداً، بل هو خطأ، وصواب قوليه يتميز بحكم غيره، أما قولاه هو فحيث تناقضا فقد تساقطا، إذ أبطل أحدهما الآخر.

    ج ١ ص ٣٢٨
  27. نعم، ربما وقع في ذلك لظنه الفرق بن شخصين، كالذي وقع منه في شأن (عباد (١) بن مسلم الفزاري) فإنه أورده في (الثقات) (٢) ، وأورده في (المجروحين) فقال: " منكر الحديث على قلته، ساقط الاحتجاج بما يرويه؛ لتنكبه عن مسلك المتقنين في الأخبار، واحسبه الذي يروي عن الحسن، الذي يروي عنه الثوري وأبو نعيم، فإن كان كذلك فهو مولى بني حصن، كوفي يخطئ " (٣) .

    1. (١)وصوابه: عُبادة.
    2. (٢)الثقات (٧/ ١٦٠).
    3. (٣)المجروحين (٢/ ١٧٣ _ ١٧٤).
  28. لكن يبقى صنف من الرواة ليسوا بواحد من الأقسام المتقدمة: وهم من أوردهم في " الثقات " ممن لا يعرف، ويبين هو نفسه في بعضهم أنه لا يدري من يكونون، وهؤلاء سبب وصفه بالتساهل.

  29. والتحقيق: أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إماماً بصيراً بالنقلة، يعرضهم على موازين النقد، ويحرر أحوالهم في الرواية من خلال مروياتهم، وهو ذاته منهج متقدمي الأئمة.

  30. وهو في إيراد هذا الصنف من الرواة في (الثقات) فمن أجل أنه جعل الأصل في كل راو لم يقف في روايته على ما يطعن فيه لأجله اللحاق بالثقات، وإن كان لا يدري من يكون ذلك الرواي.

  31. وحيث علمنا أن ابن حبان إذا لم يثبت عنده كون الراوي مجروحاً فإنه يدخله في (الثقات) ، وأنه أدخل فيهم من لا يعرفه، فهذا المنهج لا يعني أن من في كتابه من هؤلاء فهم ممن يحتج بهم، بل فيهم من هو حجة، وفيهم

    ج ١ ص ٣٢٩من دون ذلك ممن هو صالح للاعتبار، والمستورون والمجهولون الذين لم يثبت عليهم فيما رووا حديث منكر يحتملون هم وزره، فهؤلاء يعتبر بهم، ويحتج بحديثهم لغيره، وربما خرج حديثهم في " الصحاح " متابعة.

  32. وهذا منهج لا يعرف فيه اختلاف من حيث الجملة.

  33. ولم أر وجهاً لعيب ابن حبان بهذا خلافاً لما جرى عليه طائفة من المتأخرين؛ لأننا قد تبينا منهجه، فغاية الأمر أن لا نجعل من مجرد إيراد الراوي في (الثقات) صحة الاحتجاج به، حتى ينضم إلى ذلك سائر شروط الاحتجاج.

  34. والروي يلحق بالثقات ولا يحتج به منهج قديم، فهذا أبو حاتم الرازي مثلاً على تشدده يقول في (محل بن محرز) : " كان آخر من بقي من ثقات أصحاب إبراهيم، ما بحديثه بأس، ولا يحتج بحديثه، كان شيخاً مستوراً، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول من هناك " (١) .

    1. (١)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤١٤).
  35. وهذا يدل على أمور:

    أولها: يكون الرجل ثقة، ولا يحتج به.

  36. وثانيها: المستور ثقة، ولا يحتج به.

  37. وثالثها: من هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء.

  38. وهذا في الأمرين الأول والثالث منهج ابن حبان في " ثقاته " في الرواة غير المشهورين بالثقة والعدالة.

  39. يتأيد هذا بتفسير ابن حبان نفسه للعدالة، فإنه قال: " العدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال، أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل،

    ج ١ ص ٣٣٠إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله " (١) .

    قلت: وهذا لا يخالف في شيء تفسير (العدالة) عند من تقدمه من أهل العلم، وهي العدالة الدينية.

    1. (١)الإحسان (١/ ١٥١).
  40. فأما العدالة الموجبة لصحة الاحتجاج بحديث الراوي، وهي اقتران الضبط إلى العدالة في الدين، فيبينها ابن حبان في " صحيحه " بقوله: " وقد اعتبرنا حديث شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما رواهُ، وأدْخلناه في كتابنا هذا (٢) ومن صحَّ عندنا أنه غيرُ عدلٍ بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به، وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح " (٣) .

    قلت: ومنهجية اعتبار حديث الراوي طريق عامة النقاد قبل ابن حبان، وهو على الأثر فيه، ويبينه في مواضع من كتابيه في الثقات والمجروحين، ومن عبارته في ذلك:

    قال في ترجمة (عبد الله بن المؤمل المخزومي) : " كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس

    ج ١ ص ٣٣١يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب، وعائذ بالله من هذين الخصلتين: أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين " (١) .

    1. (٢)أي مع اعتبار سائر شُروط صِحة الحديث، وقد بيَّنها.
    2. (٣)الإحسان (١/ ١٥٥).
    3. (١)المجروحين (٢/ ٢٨).